منبر العراق الحر :….كاتب سياسي….
من نيويورك، لا يتحرك رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في زيارة بروتوكولية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل في حراك سياسي ودبلوماسي يسعى إلى إعادة تقديم العراق بصورة مختلفة. فجدول لقاءاته، الذي يشمل مسؤولين أميركيين وعرباً وأوروبيين، إلى جانب رؤساء شركات كبرى، يعكس محاولة لإعادة تموضع العراق سياسياً واقتصادياً وإقليمياً.
فالزيدي لا يريد أن يظهر العراق كساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، وإنما كدولة تمتلك قرارها ومصالحها وتسعى إلى استعادة دورها. وفي هذا السياق تتقاطع ملفات السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والاستثمار والشراكات الاقتصادية، مع استعادة الدور العراقي إقليمياً ودولياً. ولهذا تبدو نيويورك منصة لإطلاق رسالة تتجاوز حدود الدبلوماسية: العراق يريد الانتقال من إدارة أزماته إلى إعادة بناء موقعه كدولة فاعلة، ذات قرار وسيادة وشراكات ومصالح.
*السيادة.. من الشعار إلى الاختبار*
أبرز ما يلفت الانتباه في الخطاب السياسي المصاحب للزيارة هو الجمع بين السيادة وحصر السلاح. فالحكومة تقدّم هذا الملف، وفق خطابها، باعتباره استحقاقاً عراقياً ودستورياً، لا مجرد استجابة لمطلب خارجي. وهذا التفريق مهم، لأن نجاح أي مشروع لإعادة بناء الدولة يحتاج إلى أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً عراقياً قبل أن يكون مطلباً أميركياً أو دولياً.
لكن الحديث عن موعد نهائي لحصر القوة العسكرية بيد الدولة ينقل الملف من مستوى المبدأ إلى مستوى التنفيذ. وقد تحدثت تقارير عن مرحلة تمهيدية مدتها 90 يوماً تسبق مراحل لاحقة لنزع السلاح ودمج العناصر في المؤسسات الرسمية. وهنا تبدأ الصعوبة الحقيقية، فالإعلان عن حصر السلاح شيء، وتنفيذه على الأرض شيء آخر.
*من حصر السلاح إلى إعادة تعريف الدولة*
القضية لا تتعلق بجمع الأسلحة أو إنهاء تشكيلات مسلحة فقط، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى التي تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ولهذا فإن أي عملية شاملة ستحتاج إلى معالجة الوضع القانوني للتشكيلات المسلحة، ومستقبل عناصرها، وآليات دمجهم في المؤسسات الرسمية، ومصادر التمويل، والنشاط الاقتصادي المرتبط بها، والقرار الأمني والعسكري، وضمانات عدم عودة السلاح خارج مؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن المشروع، إذا انتقل إلى التنفيذ، لن يكون عملية أمنية قصيرة، بل عملية إعادة بناء لمعادلة الدولة نفسها. وقد أقر الزيدي بأن تنفيذ الخطة يواجه تعقيدات سياسية وأمنية وإقليمية، رغم تأكيده أن حصر السلاح ومكافحة الفساد يمثلان محورين أساسيين في مشروعه.
*واشنطن.. من الأمن إلى الاقتصاد*
النقطة الأخرى المهمة أن لقاء الزيدي وروبيو لم يُقدَّم بوصفه اجتماعاً أمنياً فقط. فالبيان العراقي تحدث عن ترسيخ العلاقات العراقية الأميركية والارتقاء بالشراكة الاستراتيجية إلى مستوى أوسع من التعاون الاقتصادي، بينما أكد الجانب الأميركي دعمه للاستقرار والتنمية الاقتصادية وانفتاح العراق على العالم.
وهذا يعكس رغبة عراقية في الانتقال من علاقة تتركز بصورة كبيرة على الأمن ومكافحة الإرهاب إلى علاقة تشمل الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والتنمية.
وفي هذه الرؤية، لا يظهر حصر السلاح كملف منفصل عن الاقتصاد، بل كجزء من البيئة السياسية والأمنية التي يفترض أن تسمح للعراق بجذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريعه الكبرى. فالدولة التي لا تحتكر قرارها الأمني تواجه صعوبة في بناء بيئة مستقرة للاستثمار، كما أن الاقتصاد القوي يمكن أن يصبح أحد أدوات تعزيز الدولة.
*لماذا نيويورك مهمة؟*
اختيار الجمعية العامة للأمم المتحدة لإظهار هذه الرؤية يحمل دلالة سياسية. فبغداد تريد مخاطبة واشنطن، والعواصم العربية، وتركيا، والمجتمع الدولي، والمستثمرين في وقت واحد.
والرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من تحرك الزيدي هي أن العراق يريد تقديم نفسه باعتباره دولة صاحبة قرار ومصالح، لا مجرد ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا جاء التحرك العربي والإقليمي موازياً للمسار الأميركي، بما ينسجم مع خطاب يقوم على التوازن في العلاقات الخارجية: شراكة مع الولايات المتحدة، وعلاقات عربية أوسع، وتعاون إقليمي، مع التأكيد على استقلال القرار العراقي.
*طريق التنمية.. جغرافيا العراق تتحول إلى قوة اقتصادية*
الإشارة التركية إلى دعم تعزيز سلطة الدولة العراقية، وربط ذلك بمشروعات النقل والطاقة، وفي مقدمتها طريق التنمية، تضيف بعداً اقتصادياً وجيوسياسياً مهماً. فالعراق لا يحتاج فقط إلى دولة قادرة على فرض القانون، بل إلى دولة قادرة على استثمار موقعها الجغرافي. وإذا تحولت مشاريع طريق التنمية والطاقة والبنية التحتية إلى مشاريع فعلية واسعة، فقد يصبح الموقع الجغرافي للعراق مصدراً للقوة الاقتصادية بدلاً من أن يكون مصدراً للمخاطر.
وهنا تصبح العلاقة متبادلة: الاستقرار الأمني يخلق فرصاً اقتصادية، والاقتصاد القوي يعزز قدرة الدولة على تثبيت الاستقرار.
*الاختبار الحقيقي يبدأ بعد نيويورك*
كل ما سبق يظل في مستوى الخطاب والتفاهمات المعلنة ما لم ينتقل إلى بغداد.
السؤال الحقيقي ليس ماذا قيل في نيويورك، وإنما ماذا سيحدث بعد العودة إلى الداخل؟ هل ستتحول المهلة المحددة إلى برنامج تنفيذي واضح؟ وهل ستكون هناك مراحل معلنة وقابلة للقياس؟ وكيف ستتعامل الحكومة مع القوى المسلحة ومصادر تمويلها ونفوذها الاقتصادي؟ وما الضمانات التي سترافق عملية الدمج؟هذه الأسئلة هي التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
فالزيدي يتحرك في معادلة شديدة الحساسية: تعزيز سلطة الدولة من دون تفجير التوازنات الداخلية، تطوير العلاقة مع واشنطن من دون تقديم العراق تابعاً لها، وجذب الاستثمار الدولي من دون التفريط باستقلال القرار العراقي.
وهذا يفسر جمع ملفات تبدو منفصلة مثل: حصر السلاح، ومكافحة الفساد، والإصلاح الاقتصادي، والشراكات الدولية والاستثمار. فإذا كانت هذه الملفات جزءاً من مشروع واحد، فإن الهدف النهائي لا يكون مجرد تغيير أمني، وإنما إعادة بناء مركز الدولة.
*حزيران 2027.. موعد اختبار المشروع*
أهمية الموعد المعلن في حزيران 2027 لا تكمن في التاريخ ذاته، وإنما في كونه يحول القضية إلى التزام يمكن قياسه. فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت التفاهمات ستتحول إلى إجراءات قانونية وأمنية ومؤسسية، أم ستبقى في إطار التفاهمات السياسية والتأجيلات الزمنية.
وإذا تحقق الانتقال التدريجي من تعدد مراكز القوة إلى احتكار الدولة للقوة وفق القانون، فإن أثر ذلك لن يتوقف عند الأمن، بل سيمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الخارجية ومكانة العراق الإقليمية.
أما إذا تعثرت عملية التنفيذ، فإن السؤال سيعود مجدداً: هل تستطيع الدولة العراقية أن تنفذ قراراتها، أم أن مشروع إعادة البناء سيبقى عنواناً سياسياً مؤجلاً؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر