• قراءةٌ فكريةٌ في فيلمِ «المُلْحِد» وخطاب الوصاية(١). ….بِقَلَم: محمد خليفة أحمد

منبر العراق الحر :…باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.

هناك عبارةٌ منطقيةٌ وقاعدةٌ تقول «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، بمعنى أنك لا يمكنك أن تُصدِرَ حُكمًا وتقييمًا لشيء ما، إلا بعد المعرفةِ به، والإلمام بتفاصيلِهِ، وإلا سيكون ما سوى ذلك من قبيل الانطباعاتِ الهوجاءِ، التي لا تستندُ لا إلى عقلٍ ولا إلى منطقٍ.

بدايةً، فإن فيلم «المُلْحِد» الذي جاء في عنوان هذه المقالة، هو فيلم مصري، مِن تأليف الأستاذ: إبراهيم عيسى، تم اكتمالُ تصويره، وكان من المفترَض أن يُعرَضَ في العام ٢٠٢٣م، ولكنه مرَّ بسلسلةٍ مِن التطوراتِ وإيقاف العرْض، إلى أن تم عرْضُهُ للمرةِ الأولى في سينمات مصر في نهاية العام الماضي ٢٠٢٥م، في رأس السنة، وقد قَيَّدتُ عنوانَ المقالة بأنها قراءة «فكرية»، لأنني أعلمُ أن هناك بعض الانتقادات «الفنية» حول الفيلم والسيناريو والتنفيذ…إلخ من أمور الصناعة السينمائية، ولكني -كما قلتُ- أتناولُ هذا الفيلم مِن ناحيةٍ «فكرية» فلسفية.

والفيلم قامَتْ حوله وبخصوصِهِ حالةٌ مِن الجدل الكبير، فبمجرَّدِ نزول «البرومو» الخاص بالفيلم؛ اندفعَ جمْعٌ غفيرٌ مِن الجماهيرِ، والتياراتِ الدينيةِ، معارِضة أو ساخطةً أو لاعنةً ومُتَّهِمَة للفيلم ومؤلِّفِهِ والقائمين عليه، وتبرير هؤلاء لهجماتهم هذه هو أن هذا الفيلمَ يَدْعَمُ الإلحادَ، ويريدُ أن يضربَ الدينَ ويحاربَهُ.

هذا الانطباعُ هو ما جعلني أبدأ المقالة بعبارة: «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، فإننا إذا أردنا تناولَ حالةِ الصَّخَبِ التي دارتْ بشأن هذا الفيلم في إطار هذه العبارةِ المنطقية؛ سنجِدُ أن هذا الصَّخَبَ حول الفيلمِ لم يحقق أدنى درجاتِ التفكير المنطقي؛ علامَ تُهاجِم؟ ومَن تُهاجِمُ؟ هل كان الفيلم وقتها تم عرْضُه أصلًا حتى تستبق كلَّ شيء، وتَقْفِز على كل القواعد العقليةِ، والمنطقيةِ، وتعطي حُكْمًا على شيء لم تتصوره، ولم تشاهده، أي لم تعرفه أصلًا بعدُ؟ وكأن هذه الحالة الهوجاء في هذه الفترة التي أعقبَتْ عَرْضَ «البرومو» تُشبه إلى حد كبير ما يسمِّيه المناطقة -علماء المنطق-: مغالطة رجل القش، أو مهاجمة رجل مِن القَش، ومعنى هذه المغالطةِ المنطقيةِ، في إحدى صورها، أن الشخصَ يُنشئ شيئًا لا وجودَ له، ثم يَشْرُعُ في مهاجمته(١).

ومِن ثَمَّ، علينا أن نعرِف ما الدوافعُ وراء مهاجمةِ شيء لم يكن -وقتها- قد عُرِضَ من الأساس، ولنستبْطِن الأسباب.

  • أولًا: الانطباعات المُسبَقة.

إن مؤلِّفَ فيلم «المُلْحد» هو الأستاذ إبراهيم عيسى، ولا يخفى على كثيرين مدى الخلاف من الجماعات الإسلامية وغيرهم معه ومع أطروحاته، وبالتالي، عندما عُرِضَ الإعلانُ عن إذاعة فيلم يحمل اسم «المُلْحد»، وكان مؤلُّفه إبراهيم عيسى؛ فالنتيجة إذًا: حَكَمَتْ هذه الجماعاتُ على الفيلم بمعاداة الدين، وتدعيم الإلحاد، من غير انتظارٍ لمشاهدة الفيلم على الأقل، ثم تكوين الانطباع، لم تحتَجْ هذه الجماعات وقتًا؛ فُحُكْمُها جاهزٌ، وسوء النية مُفتَرَضٌ، مع أنهم يقرأون ليلًا ونهارًا قولَه تعالى: «یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ». (سورة الحجرات، الآية: ٦)، ومع تلاوتهم لهذه الآية، إلا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التبيُّن ولا إلى التثبُّت من كوْن الفيلم معاديًا للدين، وداعمًا للإلحاد أم لا.

  • ثانيًا: اسم الفيلم.

مما لا شكَّ فيه، أن جزءًا كبيرًا، وعنصرًا رئيسًا -من ضمن العناصر- من أسباب مهاجمة الفيلم، كانت بسبب اسمه: «المُلْحِد»، مع أن اسمَ الفيلم يتكون من كلمة واحدة، غير دالة لا على تأييد ولا على معارَضة، فمِن أين وكيف استنبطوا من عنوان فيلم بكلمةٍ واحدة «المُلْحِد» أنه يدعمُ الإلحادَ؟ العنوان بهيئته مجرَّدٌ من أية ميول، فلا يَحمِلُ دلالةً على التأييد ولا على الرفْضِ، وسأضْرِبُ على ذلك مثالًا: المستشرق المجري: جولد تسيهر، له كتاب بعنوان: «العقيدة والشريعة في الإسلام»، فهل نفهمُ مِن عنوانِهِ هذا (طبقًا لمنطق المهاجمين لفيلم المُلْحد) أنه يؤيِّدُ الإسلامَ فقط لأن عنوان كتابه وردت فيه ألفاظٌ إسلاميةٌ مثل: «العقيدة» و «الشريعة» و «الإسلام»؟ وفقًا لمنطق هذه الجماعات نعم، إذا فُهِمَ من عنوان فيلم «الملحد» أنه يدل على الإلحاد، فلنفهم إذًا أن عنوان كتاب هذا المستشرق يدل على أنه يدافع عن الإسلام.

ومثالٌ آخَر، الدكتور طه حسين له كتابه الشهير، بعنوان «في الشِّعْر الجاهلي»، فهل لمجرد ذِكْر كلمة «الشِّعر الجاهلي» في العنوان يعني أنه يؤيِّدُ الشعر الجاهلي؟ بل على النقيض تمامًا، كان طه حسين في هذا الكتاب ينفي وينكر وجودَ معظم الشعر الجاهلي(٢).

  • ثالثًا: سيكولوجية الجماهير.

يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: إن الجماهير غير ميَّالة كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل…ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصية الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣)

بمعنى أن الشخص عندما يندرجُ وينخرطُ في جماعة من الجماهير، فإنه يكتسب صفاتٍ أخرى غير التي كانت عنده وهو فرد خارج الجماعة، وهنا تختفي شخصيةُ الفرد، لينخرط في الجماهير، ويردد هتافاتهم عن غير اقتناع -غالبًا- ولا منطق، ولكن وجوده وسط هذا التكتل جعلَه يكتسبُ آراء هذا الوسط وجماعته، وينادي بأصواتهم، ويأتمر بأمرهم.

وإذا أردنا أن نطبِّق هذا المنظورَ التحليلي النفسي للحالة التي صاحبَتْ الإعلانَ عن فيلم الملحد، فنشيرُ إلى أن جمهرةً كبيرةً -دون تعميم- انخرطتْ في الهجومِ على فيلم «الملحد» انجرافًا وراء الجماهير وما هو سائد، وتأثرًا بالحالة الملتهبة التي كانت حاصلة حينها، فكأن شخصية كل فردٍ من الجماعات المتكتلة -وليس على التعميم أيضًا- انْمَحَتْ لصالح الجماهير والصوت العالي وقتها، ومِن ثَمَّ، فهذه الحالة شكَّلَتِ اجتماعًا جماهيريًّا عريضًا، ليس بالضرورة أن يكون كل فرد من هذه الحشود واعيًا بما يقول، ولا مُدرِكًا لِمَا يعارِضه ويردده، وإنما كل ما في الأمر أن الحالة العامة المشتعلة التَهَمَتْه وابتلعتْه؛ فلم يستطع أن يقول كلمةً واحدةً خارج هتافات هذه الجماهير، وإذا أردنا أن نقرِّبَ الصورةَ: فهذا الأمر يُشبِهُ شخصًا يجلسُ في مدرجاتِ ملعب كرة قدم، لمباراة بين الأهلي والزمالك -على سبيل المثال-، فإذا كان هذا الشخصُ يَجْلِسُ وسط جماهير الأهلي، فإنه لا يستطيع -غالبًا- مثلًا أن يرتدي تيشيرت الزمالك، أو أن يَهتِفَ لصالح الزمالك؛ وإنما سينضوي تحت جماعة الجماهير وتوجههم، وإلا لحدَثَ ما لا يُحمَد عقباه.

هذه حالةٌ مزمنةٌ لا تتعلقُ فقط بفيلم «المُلْحد»؛ وإنما هي توجُّهٌ وصائي جماهيري، يَجْعَلُ مِن نفسِهِ رقيبًا على كل شيء، أو بمصطلح الدكتور مراد وهبة: «مُلَّاك الحقيقة المُطلَقة»، الذين يظنون في أنفسهم أن مصيرَ كوكب الأرض بأيديهم، ولديهم الأحكام الجاهزة دون أن يتصوروا الأمرَ أو يعرفوه، أو يطَّلِعوا عليه مِن الأساس، ومِن مظاهر هذه الوصاية التي عاينتُها بنفسي: كانت عند ذهابي لسماع فيلم «المُلحِد» بصحبة خطيبتي؛ حيث وجدتُ الموظفَ المُكلَّفَ بحجْزِ التذاكر ينظرُ إليَّ شزرًا، وذلك عندما أخبرتُه بأن يقوم بالحجز لنا لمشاهدة فيلم «المُلْحد»، وقام بالحجز على مَضَض، وكانت هناك سينما أخرى، قريبة من السينما التي شاهدنا الفيلمَ فيها، أنكرَ موظفُ قطْع التذاكر وجودَ عرْضٍ للفيلم أصلًا، قائلًا: الفيلم ممنوع من العرض! بينما كانت هذه السينما تضع إعلانًا عن الفيلم وغيره من الخارج، والفيلم قد سُمِحَ بعرضه، ولكن لربما ظن هذا الموظف أنه بذلك يقدِّم خدمةً للدين، بنجاحه في إبعاد أحدهم عن مشاهدة الفيلم! وكان من اليسير وضْع هذا الموظف في موقف محرج وتقديم شكوى بذلك، ولكني -لسبب أو لآخر- آثرتُ عدم فعل هذا الأمر، وتوجهتُ للسينما المجاورة، وقمتُ بمشاهدة الفيلم فيها برفقة خطيبتي.

هذا بخصوص السياق العام لظهور فيلم «الملحد»، أما أحداثُ هذا الفيلم، والقضايا الفكرية والتراثية التي تَعَرَّضَ لها، فنستكملُها بإذن الرحمٰن فيما هو قادمٌ مِن المقالاتِ بخصوص هذا الموضوع.

ــــــــ

هوامش المقالة:

ــــــــ

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢) د. طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، تقديم: عبد المنعم تليمة، (ط١، القاهرة، دار رؤية للنشر، ٢٠٠٧م)، ص ٧١: ٧٢.

(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.

ـــــــــــــــــــــ

قراءةٌ فكريةٌ في فيلمِ «المُلْحِد» وخطاب الوصاية(٢).

تَعَرَّضنا في المقالةِ السابقةِ لملابساتِ ظهور الفيلمِ وعرْضِهِ، وتحليل الجدلِ الذي دارَ حوله، وفي هذه المقالةِ، نتناولُ جوهرَ ما وردَ في الفيلم، وما ينطوي عليه من مضمون.

إن جزئيات الفيلمِ المطروحة داخله متعددة لو تتبعنا كلَّ جزئيةٍ على وجه التفصيل، غير أنني أريدُ تناولَ جوهر الرسالة التي كانت من الأهداف الرئيسة للفيلم، ألا وهي: فكرة تقبُّلِ المُلْحِدِ والتعايش معه، كما أقرَّ بذلك مؤلِّفُ الفيلمِ نفسه(١).

الفيلمُ يبدأ بحدثٍ درامي، حينما يأتي الشابُّ المُلحد (والذي يعيشُ في أسرة يمثلُ والدُه الركن المنغلق المتزمت فيها) ليرفضَ زواجَ أخته القاصر، الذي كان على وشْكِ الإتمام، ثم يُعلن بعد ذلك أنه «كَفَرَ»، وكانت هذه صدمةٌ لوالده المنغلق، حيث كان هذا الشاب يعيشُ في البيتِ مع والده وهو مُلحد، ولكنه يخفي إلحادَهُ عن والده، ولكن أتت اللحظةُ التي اعترفَ فيها بذلك، كما ذكَرنا.

  • حَدُّ الرِّدَّةِ.

بمجرد إعلان الشاب عن إلحاده؛ شَرَعَ والدُه في عَقْدِ جلسات استتابة له، للعودة عن هذا الإلحاد، وإلا كان مصيره القتْل! وهنا أضعُ يدي على نقطةٍ رئيسةٍ، أريدُ مناقشتَها في هذا الصدد، وهي: تتبع النص القرآني المُقدَّس -أولًا- لنلتمسَ فيه وجود حدٍّ للردة مِن عدمه.

بدايةً، فإنه لا توجَد آيةٌ واحدةٌ مِن القرآن تتحدثُ عن قتْل المرتد؛ بل على النقيضِ من ذلك، توجد بعضُ الآياتِ التي تؤكد نفْي أي وجود لحدٍّ على مَن يرتد عن دينه، وأسوقُ هذه الآيات على النحو التالي:

في قوله تعالى: «إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ سَبِیلَۢا». [سورة النساء، الآية: ٣٧]. دليلٌ واضحٌ على إمكانية تكرر تَرْكِ الدينِ دون الإشارةِ إلى أيَّةِ حدود على ذلك الفعل، فمعنى هذه الآية: «أن الذين “تكررَ” منهم الارتداد، وعُهِدَ منهم ازديادُ الكفر والإصرار عليه؛ يُستبعَد منهم أن يُحدِثوا ما يستحقون به المغفرة…وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تَّكْرارِ الرِّدَّةِ، ونصحتْ توبتُهم لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم»(٢).

فالزمخشريُّ، في نصه السابق، يشيرُ إلى إمكانية «تكرُّر» الارتداد، كما وضعتُها بين قوسيْن في النص المُقتبَسِ، حين قال: إن الذين «تكررَ» منهم الارتداد، وهذه دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجود حد للردة، لأنه إن كان موجودًا؛ لَمَا كان هناك إمكانية من الأساس لتَكْرارِ الارتداد؛ إذ بمجرد أن يرتد سيتم قتْلُه.

كما أن الآية بنفسها واضحةٌ دون التفافات، إذ تقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، وأنا أسألُ: كيف سيتحقق الإيمانُ ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر، ثم الازدياد في الكفرِ لو كان هناك حد للردة؟ الآية تشيرُ بقوةٍ إلى إمكانية حدوث الإيمان ثم الارتداد أكثر من مرة، ثم لا تُخْتم بأية إشارة إلى حد ردة على هذا الارتداد، وإنما تُختم بقوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا. هذه هي العقوبة، ولا إشارة بالمرة إلى عقوبة بالحد، بل على النقيض من ذلك، نجد الزمخشري يشيرُ، كما في الاقتباس السابقِ له، إلى أنه ليس المراد أن الله أغلقَ في وجوههم بابَ التوبة، أي رغم كل هذا الارتداد، إلا أن الله لو وجدَ فيهم مَن تَحسُن توبته، لقَبِلَها.

 وهناك آيةٌ أخرى، يقول تعالى: «وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ». [سورة البقرة، مِن الآية: ٢١٧]. فتَذْكُرُ الآيةُ حالَ الارتداد، ثم تقول: «فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، ولم تَقُلْ: «يُقْتَل»، وهناك فارق بين الموت والقتْل، كما نصَّ الباري على ذلك في قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ». [سورة آل عمران، مِن الآية: ١٤٧]. فتُفرِّقُ الآيةُ بين الموت والقتل؛ وعلى ذلك تُصبح الآية التي تقول: «ومَن يرتدد منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، دليلًا على انتفاءِ حد الردة تمامًا من آيات القرآن الكريم، وأن هذه الآيات تشيرُ إلى عقوبات أخروية فقط، بينما يبقى هذا المرتد في مجتمعه له حرية الإيمان أو نقيضه، كما كَفَلَها له الباري عزل وجل، بقوله: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]. فدلالة الآية تَسند إلى العبد مشيئةَ اختياره للكفر أو الإيمان، ثم تأتي العقوبة بعد هذه الكلمة بقوله تعالى: «إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا»، أي نسبَ العقوبة لنفسه، يقوم بها في حق مَن يكفرُ بها عن عناد واستكبار بعد تيقنه من الحق.

وبعد تتبُّع هذه الآيات؛ يتبيَّنُ عدم وجود أي حد للردة في آيات القرآن الكريم، وإنما الذي يوجد على النقيض من ذلك؛ ينفي حد الردة، ويَكْفُلُ حقَّ الاختيارِ للإنسان، لأن الإسلام لا يريد منافقين فيه نُبْقيهم بجد السيف والتهديد بالقتل في حال الردة؛ فالمرتد الصريح الذي يُعلن ذلك أقل خطرًا من المنافق الذي يكون بين صفوف المسلمين، بينما هو في قرارة نفسه لا يؤمن بأي مما يؤمنون به.

  • حديث حد الرِّدَّةِ.

فرغنا من تناول النصوص قطعية الثبوت: القرآن الكريم، والتي هي نصوص مُقدَّسة، ولكن الإشكال يتمثل في الانتقال إلى الاستدلال بالحديث الشهير في حد الردة، والذي جاء فيه: «أن عليًّا حَرَّقَ قومًا، فلما بلغَ ابنَ عباسٍ قال: لو كنتُ أنا لم أحرِّقْهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقَتَلْتهم، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه»(٣).

وهذا الحديث في رأيي يتضاد مع آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت، التي ذكرناها سابقًا؛ إذ ينطقُ بنقيض مدلولها في إمكانية تكرر الارتداد أكثر من مرة لا مرة واحدة، ثم لا تُقرر الآية أي حد لهذا، على الرغم من أن الله قد نصَّ على أشياءَ في القرآنِ بلفظ: «تلك حدود الله»، فكيف بحد كحد الردة يترتبُ عليه إهدار دم الناسِ لا يُذكَر، رغم تعرُّضِ بعض الآيات للارتداد؟ كما أن بداية الحديث بها ما يشير إلى اضطراب وضعف هذا الحديث، إذ يَرِد في بدايته أن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، أحرقَ جماعةً من الناسِ بالنار، ثم استدرك عليه ابنُ عباس عند علمه بهذا الخبر، فأقولُ: أولًا: كيف للإمام علي أن يُقْدِمَ على هذا الفعل الشنيع؟ وهل فات الإمام ما انتبه إليه ابن عباس؟! مع أن الإمام معروف بالعِلم والفقه في الدين، كل هذه مؤشرات مصاحبة تدل على بطلان هذا الحديث، الذي يتخذه بعضُهم ذريعة لإجبارِ غيرهم على دينهم، وخَلْق حالة من النفاق الاجتماعي، لا الإيمان الراسخ العميق عن قناعة بالله.

الإلحاد والمجتمع.

ثم نأتي إلى نقطة أخرى، وهي قول بعضهم إنه -الإلحاد- خطرٌ على المجتمعِ، وسيشكِّكُ الناسَ في معتقداتهم، وردًّا على هذا الأمر، أقولُ: إن مَن يكون بهذه الخشية مِن أفكار دائمًا يقول عنها إنها باطلة؛ سيكون بذلك ضعيف الإيمان؛ إذ ما الإيمان الذي يهتز في قلبِ صاحبه بمجرد إطلاق بعض التشككاتِ حوله والنقاشات لمبادئه؟ هذا لن يكون إيمانًا عميقًا؛ وإنما ضعفًا وهشاشة، يخشى أصحابُها مِن أقل الشبهات، وحينئذ لا يحق لهم أن يصفوا إيمانهم بالقوة ولا الرسوخ؛ فبعضهم في أقل نقاش يتساقط إيمانُه.

غير أن الإشكال الذي على الفيلم، أنه طرَحَ الإلحادَ بشيء من الاختزال، وهو حَصْر الإلحاد في «أسباب نفسية»؛ فالشاب المُلحِد في هذا الفيلم كان إلحاده يستند إلى أساس نفسي، وذلك بعد أن حدثت له صدمة عندما شاركَ والدَه وهو طفل في قتل معلمته، التي كانت جارتهم في المنزل، وكان والد الشاب الملحد قد تدخلَ في شؤونها الخاصة، واقتحمَ عليها الشقة، متهمًا إياها بعدم الالتزام، وشارك ابنُه الطفل (الذي ألحدَ بعد ذلك) في قتْل هذه المعلمة، ودفْعها من شقتها إلى الأسفل، كما كان يعاني هو ووالدته من تشدد والده؛ وبهذا يكون المستند الرئيس لإلحاد هذا الشاب هو «الحالة النفسية/أسباب نفسية»، بينما الإلحاد لا ينحصر كله في هذا الجانبِ النفسي؛ إذ هناك مَن يكون إلحادُه مبنيًّا على موقف فكري فلسفي، أو على موقف علمي، كالاستناد مثلًا إلى نظرية التطور لـ تشارلز داروين، أو نظرية «الانفجار العظيم».

وأهمية عدم حصْر الإلحاد في أسبابٍ نفسية تتأتَّى من كوْن الطرف الآخَر: الإلحاد، يستطيعُ أن يُقابِلَ الإيمانَ بنفس هذه الاعتراض، وأنه قائم أيضًا على أسباب «نفسية»؛ وتوضيح ذلك بالقول: إن الذين يعممون الحُكْمَ على الإلحاد بأن أسبابه نفسية، غمْزًا للملاحدة وتلميحًا إلى عدم اتزانهم النفسي، وأن إلحادهم كان بسبب مواقف قاسية تعرضوا لها في حياتهم، ليأتي الطرف الآخر: الإلحاد، ويمكنه أن يتهمَ الإيمان بنفس ذات المنطق، وأن المؤمنين قد آمنوا، أو استقروا على إيمانهم لا عن اقتناع معرفي وعقلي؛ وإنما لأسباب نفسية، تتمثل في عدم تعرضهم لأزمات تَقُض مضجعهم، وأنهم مثلًا لم يشعروا بآلام الحياة وقسوتها، وإنما نالوا نصيبهم من الراحة المادية والمعنوية، ومِن ثَمَّ بَقوا على إيمانهم، ولو أنهم تعرضوا لمثل ما يتعرض له الذي يُلحد من قسوة الحياة ومواقفها؛ لكان مصيرهم مثله، وإذا قال المؤمنُ إنه لن يكون كذلك، واستشهدَ بحالاتٍ تعرضت لمواقف حياتية قاسية من فقر وغيره، ومع ذلك لم يُلحدوا؛ فللمُلْحِد أيضًا شواهد يستطيع أن يأتي بها، وأنه هناك أمثلة لم تُلحد بسبب فقر أو عوامل نفسية، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحد أن يستأثر بالعامل النفسي ليتهم به غيره، ويُعرِّض به، ويشير إلى انتقاصِ عقله وشخصيته؛ حيث إن الآخَرَ أيضًا يستطيع ما تستطيعه، وبنفس المنطق الذي تحتج به، هذا كله مع عدم إنكارنا لدور العامل النفسي وأثره في سياق حياة الفرد وفكره، ولكننا ضد الاختزال في هذه الأمر أولًا، وضد التعميم ثانيًا.

 ومِن الممكن أن يكون مؤلِّف الفيلم لم يسْعَ إلى تغطية كل جوانب الإلحاد وأسبابه، وإنما تناول شِقًّا واحدًا فقط منه، نظرًا لحاجة السياق الاجتماعي والثقافي إلى هذا الطرح، ولوجود إشكالات واقعية بالفعل، يُلحد أصحابُها بسبب عوامل نفسية تنشأ أحيانًا عن الاضطهاد الأسري والتزمت، كما لا يجب أن ننسى عوامل الرقابة على مثل هذه الأشياء، أي: على الفيلم، ونوعيته، التي تمثل اصطدامًا بالمؤسسات الدينية والرقابية.

ـــــــ

هوامش المقالة:

ــــــــ

(١) حلقة مقابلة «إبراهيم عيسى»، مع الإعلامية «نسمة السعيد»، في برنامج «بتوقيت مصر»، الدقيقة: 17. https://youtu.be/aKS8tg7t_PE?si=3XojKQNNKdsSyDb6

(٢) الزمخشري، «الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، اعتنى به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٢٦٥.

(٣) البخاري، «الجامع الصحيح». اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب: «لا يُعذَّب بعذاب الله»، حديث رقم ٣٠١٧،  ص ٣٥٩.

ــــــــــــــــــــ

البحث.

  • السوفسطائيون: خارج عباءة أفلاطون.

يا أعدَلَ الناسِ إلا في معاملتي،،،

فيكَ الخِصامُ وأنت الخِصْمُ والحَكَمُ.

بهذا البيْتِ لَخَّصَ المتنبي ألَمًا يُخامِرُ نفسَ الإنسانِ، حين يكون مصيرُه بين يدي خِصْمه يُسطِّرُه حيث شاء.

لقد ارتبَطَتْ كلمةُ «سُفسطائي» في أذهانِ جمهرةٍ غفيرةٍ من المثقفين وغيرهم، بكل ما هو قبيح؛ فيكفي أن تُذْكَرَ كلمةُ «سفسطائي» ومشتقاتها، حتى يُترجِم ذِهْنُ مَن أمامك هذه الكلمةَ بالمغالطات، والسفه، والجدل العقيم، والتلاعب بالكلمات، وخداع الناس…إلخ من الأوصاف الكفيلةِ بتنفير السامعِ من هذه الطائفة وهذا المسمى.

فمِن أين أتت هذه الصورةُ التي تُشَيْطِن السوفسطائيين؟

إن لفظة «سوفسطائي» في أصلها كانت تعني: كل مَن يمتلك مهارةَ إتقانِ فنٍّ ما من الفنون والمعارف، أي أن دلالة الكلمةِ في بدايتها كانت تشيرُ إلى التميُّزِ والإتقان والدقة، سواء في المجالاتِ النظريةِ أو العملية(١).

ثم حدَثَ تطورٌ في معنى كلمة «سوفسطائي»؛ فأصبحَتْ تدل على «المُعلِّم»، الذي يُعلِّم الناسَ فنونَ الجدلِ والإقناع وإدارة الشأن العام، أي هنا حدثَ انحصارٌ لمصطلح «سوفسطائي»، وبدلًا من اتساعه ليشمَلَ الإتقانَ والتميُّزَ في كل فن من الفنون، كما كان في بدايته؛ أصبحتْ دلالته تنصرفُ وتختص فقط بـ «المُعلِّم»، وهذا يدل على قيمةِ التجديد الذي قام به المعلمون في هذه الحقبة، إلى درجة استحقاقهم وحدهم للفظة «سوفسطائي»(٢)، وحتى مع هذا التطورِ الدلالي لمصطلح «سوفسطائي»، إلا أننا نلاحظُ أنه ما زال يَنحصرُ في معنى إيجابي رفيع، بل كان مصطلح «سوفسطائي» يُقصَدُ به -أيضًا- «مُعلِّمو الحِكمة»، وكان الناسُ يفهمون من هذا اللفظ -سوفسطائي- ما نفهمه نحن من لفظ «أستاذ جامعي»، ولم يكن له معنى مُحِط بالكرامة حتى قام النزاعُ بين الدينِ والفلسفة، فأدَّى إلى هجومِ المحافظين على السوفسطائيين(٣).

ملابسات ظهور السوفسطائيين.

قبْل ظهور السوفسطائيين، كان هناك توجُّهٌ للتقليل مِن الحواسِّ وقدرتها على إنتاج المعرفة، انتصارًا للجانب النظري والأنطولوجي، ولكن مع ظهور السوفسطائيين، بدأ الإعلاءُ من قيمة «الشك» كمنهج، وكذلك الإعلاء من دورِ الحواسِّ وأهميتها، والاهتمام بالمسألة الإنسانية بشكل أكبر من القضايا الأنطولوجية والنظرية(٤) التي تتسمُ في بعض الأحيان بالطابع التجريدي في نظر كثيرين، فكان بروتاغوراس -أشهر السوفسطائيين- يرى أن الحواس مُقدَّمة على أي شيء في مجال المعرفة، وهذا الرأي هو ما قال به جون لوك(٥) بعد مئات السنين في عصرِ النهضةِ الأوروبيةِ والثورةِ على القرون المظلمة.

ولقد أحدثَ السوفسطائيون، وعلى رأسهم بروتاغوراس، هزَّةً عنيفةً في المجتمع اليوناني آنذاك، عندما قالوا بأن الحقيقة المُطلَقة لا وجود لها، وأن كلَّ المعارفِ نسبية، وأنه قد تكون الأقوالُ المتناقضةُ حقائقَ متساوية القيمة في اعتقادِ أشخاصٍ مختلفين، أو في أزمنةٍ مختلفة، وأن الحقيقة كلها والخير والجمال أمور نسبية وشخصية(٦). ولعل الواقع يؤكد صحةَ كلام السوفسطائيين فيما يتعلق بأمر النسبية، فنحن نرى بالفعل أن قيمةً ما في المجتمع الغربي تُعَد مباحةً وغير مُستنكرَة، بينما نجدها في مجتمعاتنا الشرقية قبيحةً ومُسترذَلة، وهذا هو جوهر النسبية: اختلفَت الثقافات، واختلفَ الأشخاصُ؛ فاختَلَفَتْ بالتبعية طبيعة النظرة إلى الأمور والحُكم عليها.

وقد نستنتج جزءًا مِن حالة السخطِ على السوفسطائيين، من خلال معرفتنا بأن مبادئهم هذه قد لاقت مجتمعًا منغلقًا من الناحية الدينية، وعندما طبَّقَ بروتاغوراس هذا المبدأ على الدين، كان من البَدَهي أن يلقى ثورةً عارمةً تقفُ في وجهه وفي وجْهِ جماعةِ السوفسطائيين كلهم، وكانت نتيجة ذلك أن تم نَفْي أشهر السوفسطائيين: بروتاغوراس، وإصدار الأوامرِ إلى الأثينيين بتسليم أيَّة كتابات له عندهم، وتم إحراقُ كتبه في السوق العامة(٧).

ولنا هنا وَقْفةٌ: لو كان السوفسطائيون مجرَّد أناس يتسمون بالتفكير السطحي والتلاعب، وأن هناك مَن هو أقوى منهم حُجَّةً وعِلْمًا، فلِمَ كل هذا الخوف مِن أفكارِهم، إلى درجة اتخاذ مثل الإجراءات السابقةِ ضدهم؟ ولو وُجِد مَن هو أعمق منهم فكرًا، فلِمَ لمْ يتم التصدي لأفكارهم بالفكرِ والمواجهةِ بدلًا من المطاردة وإحراق الكتب وتعمد التشويه؟ 

لقد كان من خصالهم المشهود لهم بها: أنهم هم الذين اخترعوا لأوروبا النحو والمنطق، وهم الذين ارتقوا بفن الجدل، وعلموا الناسَ كيف يكشفون المغالطاتِ المنطقيةَ، وهم الذين استخدموا المنطق في اللغة؛ فزادوا الأفكارَ وضوحًا، ويَسَّروا انتقالَ المعرفةِ انتقالًا صحيحًا دقيقًا، وبالإضافة إلى مَلَكاتهم العلميةِ هذه، وأثرهم في الحضارةِ اليونانية والغربية، فقد كانوا أيضًا -على المستوى الشخصي- من ذوي الأخلاق الطيبة، والعاداتِ المحتشمة المهذبة(٨). 

وهذا يدفع عنهم التهمة التي تقول بأنهم كانوا سببًا في الانحلال الذي شهدتْه هذه الحقبة، فقال خصومُهم إن مبدأ «النسبية» الذي نادوا به، شجَّعَ الناسَ والشبابَ على الخروج عن تقاليدِ المجتمع، ورأى كل شخص -من المقتنعين بأفكارهم- في نفسه معيارًا للحكم على الأشياء، وأن له الحرية في الخروج عن تقاليد مجتمعه، هذا ما أراد بعضهم تحميله للسفسطائيين، بينما الانحلال الذي حدث في هذه الحقبة له أسباب أخرى غير مبادئ السوفسطائيين، ومن هذه الأسباب والعوامل: حالة الثراء التي انتشرتْ عند كثيرين في هذا الوقت، والثراء، في بعض الأحيان يكون عاملًا في القضاء على التزمُّت والفكر التقليدي(٩).

ولا أرى أن تأثرَ كثير من الناس بالسوفسطائيين، وأن يروا في أنفسهم أن لهم الحرية، أقول: لا أرى أن هذا الأمر تهمةٌ للسوفسطائيين من الأساس، فالإنسان بالفعل له حريةُ تقرير مصيره، طالما لم يَتَعد على حقوقِ الآخرين، وحتى إن وُجِدَ بعضُ مَن اتخذ من مبادئ السوفسطائيين مدخلًا للانحلال، فهذا ليس ذنب السوفسطائيين؛ فمُختَرِع السكين ليس له عَلاقة بمَن أساء استخدامها في الجرائم، ولنا في أوروبا الحديثة والمعاصرة خيرُ دليلٍ على ذلك، فقد شاعَ فيها مبدأ النسبية، بل توغل هذا المبدأ واستفحل أكثر في فلسفة ما بعد الحداثة، ومع هذا، لا نجِد الانحلالَ في القانون العام للبلاد، نعم على المستوى الفردي أصبح هناك من الحرية ما قد يُعَد في ثقافاتٍ أخرى من قبيل الانحلال، ولكني أتكلمُ عن الشكل العام للنظام، لم نجد خروجًا وفوضى في بلادهم ثم نسبوا ذلك إلى مبادئ النسبية وفلسفة الشك.

بل أقولُ إن منهجَ الشكِّ -والنسبيةِ- هذا هو الذي ساهمَ في تحرير أوروبا من العصور المظلمة، وكان الدافعَ لها نحو عصر الحضارة والتقدم والاكتشافات العلمية المذهلة، وحتى -جدلًا- إن افترضنا أن مبدأ النسبية له دور في التحرر والانحلال، فماذا عن الشعوبِ والبلادِ التي لا تقتنعُ بمبدأ النسبية، ولا بمبادئ السوفسطائيين؟ هل كانوا أحسنَ حالًا من البلاد التي اقتنعت بمبدأ النسبية؟! هل اختفى فيها الانحلالُ وتلاشَت الجريمةُ؟ هل استطاعوا أن يحققوا قدرًا من العيشِ الكريم كما حققتْه بلاد مبدأ النسبية؟ وإذا عَلِمنا أن الإجابة على كل هذه الأسئلة تؤكد عدم امتياز البلاد غير المؤمنة بالنسبية على غيرها من البلاد المؤمنة بها، فهل بعد ذلك يكون من المعقولِ أن نتَّخِذَ من مبادئ السوفسطائيين، وعلى رأسها مبدأ النسبية، مُبرِّرًا لتشويههم وإلصاق الاتهامات بهم؟ لا أريدُ بذلك كله ادِّعاءَ العصمةِ للسوفسطائيين؛ فهم بشرٌ في أول الأمر وآخره، ولكن أنْ يتم قَلْب كلِّ الحقائقِ والموازين، والسعي بكل طريقة لإلصاق كل نقيصة بهم، فهذا هو الذي يَبْعَثُ على الأسى.

أفلاطون وقَلْب دلالة لفظة «سوفسطائي».

بعد انتشار فِكْر السوفسطائيين، وترسيخهم لمبادئ التفكير العملي، والإعلاء مِن قيمة الحس والتجربة؛ ظهرَ آنذاك منافسٌ شرسٌ لهم، وهو: أفلاطون، الذي سعى إلى استعادةِ المشروعِ الفلسفي النظري؛ لمناهضة الحس العملي والتجريبي للسوفسطائيين، وأفلاطون هو الذي استطاع بحِدة نقْده والتسفيه اللذيْن امتلأتْ بهما نصوصه، إن يَقْلِبَ معنى لفظة «سوفسطائي» مِن معنى إيجابي إلى معنى سلبي قَدْحي؛ فصارت كلمات مثل: «سوفسطائية» و «سوفسطائي» و «سفسطة» نُعوتًا تُورَدُ مواردَ القدْحِ والاستهانة، وتدور كلها حول معاني: زَعْم امتلاكِ الحقيقة، وخداع الناس، وإحقاق الباطلِ، وإبطال الحق(١٠).

وكانت بداية المشروع الأفلاطوني في محاربة السوفسطائيين وتشويههم: أنه ابتدعَ لهم لفظًا يَصِفُ ما يختصون بتعليمه، وهذا اللفظ هو: «ريطوريقا» أي: «الخطابة»، بعدما كان يُطلَق على ما يقومون بتعليمه: «اللوغوس»، أي «العقل»، وكانت هذه الخطوة تمثِّل حِرْصَ أفلاطون الكبير على استبدال المصطلحاتِ، والتعديل الجذري في دلالتها، وهذا التغيرُ الدلالي للفظة «سوفسطائي» كان المحطةَ الأخيرةَ التي استقر عندها المعنى السلبي للكلمة في الأذهان دون تغيير، وبلغ التشويه الذي تعمده أفلاطون في محاورته، إلى حد نَفْي السوفسطائيين خارج حقل التفلسف(١١).

وكان أمام أفلاطون مشكلة في طريق تغييره لدلالة لفظة «سوفسطائي»، هذه المشكلةُ تتمثل في أن الكلمةَ في جذرها اللغوي الإغريقي متصلة بمعاني «الحِكْمة»، وهو الوصف ذاته الذي وُصِفَ به حكماءُ اليونان وفلاسفتهم، وكان أفلاطون واعيًا بالمعنى الإيجابي للفظة سوفسطائي في الأصل اللغوي؛ ولذلك لم يجد حلًّا إلا تحويل لفظ «فيلو – صوفيا» مِن مركَّب لفظي دارج ومنتشر على الألسنة، ويدل على معاني الحكمة والفلسفة والعقل، إلى دلالة اصطلاحية جديدة معزولة عن أصلها اللغوي، فبدلًا من دلالة اللفظ في أصله على «الحِكمة» ذاتها، نَقلَه أفلاطون ليجعله دالًّا على «محبة الحكمة» فقط، وذلك كي يُقِيمَ قطيعةً بين الفلاسفةِ والسوفسطائيين، وليس هذا فقط؛ بل لكي يَطرْدَ السوفسطائيين من جماعة الفلاسفة، غير أن أفلاطون لم ينتبه إلى منزلقٍ خطيرٍ وقع فيه، وهو أن سعيه إلى تغيير دلالةِ اللفظِ اللغوي نكاية في السوفسطائيين، دَفَعَهُ إلى القولِ بأن الفيلسوفَ لا يَزعُمُ امتلاك الحكمة؛ بل هو فقط «راغِبٌ» و «مُحِبٌّ» لها، وعلى هذا يكون ضد الفيلسوف: السوفسطائي، الذي يمتلكُ الحكمةَ كلها وليس فقط كونه محبًّا لها، وهذا على أساس أصل اللفظ اللغوي، الذي سعى أفلاطون إلى تغيير دلالته، وأفلاطون بذلك قد وقع في تناقض، لأنه هو بنفسه قدَّمَ السوفسطائيين على أنهم نِسْبيون، ولكنه بتحويله لدلالة لفظة «فيلو صوفيا»، لينقلها من «الحكمة» إلى «محبة الحكمة» فقط، نَسَبَ السوفسطائيين إلى الامتلاكِ الكامل للحكمة لا مجرد الرغبة فيها(١٢)، فعظَّمَهم مِن حيث أرادَ استنقاصهم!

وكان لابد لأفلاطون -في طريق تشويهه للسوفسطائيين- أن يجِدَ له مستندًا آخر، هذا المستند تمثل في: ذم السوفسطائيين لأنهم يُعلِّمون الناس مقابل أجْر مالي، وقد استخدمَ أفلاطون الحسَّ الشعبي السائد آنذاك، والذي كان يحتقِرُ أيَّ عملٍ مقابل أجْر، في تعميقِ تشويه السوفسطائيين(١٣). 

والرد على ذلك يتمثل في القولِ بأن السوفسطائيين لم يكونوا خاضعين لتقاليد البيئة اليونانية، وهذا مقتضى مذهبهم في الشك، فهم لم يكونوا تقليديين لكي ينصاعوا إلى كل ما هو موروثٌ من عاداتٍ وتقاليدَ، وبالتالي فإن أخْذهم لمقابل مالي نظير تعليمهم للناس، أراه، في نظري، مُتَّسِقًا مع ثورةِ الشك التي أحدثوها، وكذلك ثورتهم على التقاليدِ الفكريةِ المتوارثة، فقد أرادوا البرهنةَ، بطريقةٍ علميةٍ وعملية نستنتجُها، على أنهم ليس بالضرورة أن يخضعوا لها، ولربما كان هناك بُعد آخر غير مُلتَفَتٍ إليه، وهو أن ميل السوفسطائيين إلى أخْذ مقابلٍ ماليٍّ على التعليم، يتسقُ مع فلسفتهم «العملية»، بدليل أن أفلاطون مناقِضٌ لهم في فلسفتهم العملية؛ وبالتالي ناقضَهم في مبدأهم العملي، وهو أخْذ مقابلٍ على التعليم، وهذا انتصار مِن أفلاطون لنزعته التجريديةِ المتعاليةِ المفارِقةِ للجانب العملي (في بعض الأحيان لأن هذا الجانب فيه تفصيل لا على إطلاقه)، والتي تميل إلى النظر وعالَم المُثُل/المدينة الفاضلة، حتى أصبح يُضرَبُ المثل بالأفلاطونية على كل شيء مُفارِق للمادة ويتسم بالتجريد ويميلُ إلى المعاني أكثر من الناحية الحسية والعملية.

بالإضافة إلى ذلك، فهناك عواملُ اجتماعيةٌ دَفَعَتْ أفلاطون، في نظري، إلى أن ينتقدَ مبدأ التعليم مقابل أجْر، يتمثل هذا العامل الاجتماعي في أن أفلاطون قد وُلِدَ في بيئةٍ وأسرةٍ أرستقراطية عريقة(١٤)، ونشأةُ الشخصِ في بيئةٍ مثل هذه، تكْفيه عن أي شيء، وتحقق له الراحةَ التامة مِن عناء البحث عن مقابِل للعيش، وهذا العامل في نظري، كان مِن العوامل الكامنة في بناءِ الفلسفة الأفلاطونية واتجاهها نحو التجريد وعالَم المُثُل، إذ ليس بمقدور شخصٍ غير أفلاطون، في الغالب لا على التعميم، أن يتجرَّدَ من الجانبِ العملي بهذه الطريقةِ الكبيرة إلا إذا كان هناك ما يكفيه ويضمنُ له استقرارَ العيش، والتفرُّغ للتأمل والمُثُل، وهذا ما توفَّرَ لأفلاطون؛ فبالتالي كان رُكْنًا مهمًّا نحو بناء فلسفته الخاصةِ المتعالية/المدينة الفاضلة.

ومن جهة أخرى، فإن التعليمَ آنذاك لم يكن منظَّمًا مِن قِبَلِ الدولة، فبالتالي كان المعلمون السوفسطائيون يأخذون أجرَهم مباشرة من المتعلمين، ولم يكن كل السوفسطائيين يأخذون أجْرًا مقابل التعليم، كما شاركهم في أخْذ الأجْر مقابل التعليم بعض الفلاسفة الفقراء، مثل: كزينوفان(١٥)، وهذا قد يُعَضِّدُ رأينا السابق، مِن أن الحالة الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ للشخْصِ تؤثِّرُ -أحيانًا- على اتجاهِهِ واختياراته، بدليل أن المثال السابق يَذْكُرُ فيلسوفًا من الذين يرفضون مبدأ التعليم بمقابِل، ولكن حالةَ فقرِهِ دفَعَتْهُ إلى عكس ذلك.

وإذا أردنا تقييم الأمرِ بقانون العرْض والطلب؛ سنجِد أن السوفسطائيين لم يخجلوا أصلًا من هذا الأمر، بل كانوا يتفاخرون أحيانًا بأنهم يأخذون مقابلًا ماليًّا كبيرًا نظير تعليم الناس، أي كأنهم يشيرون بذلك إلى قيمتهم العاليةِ، التي تجعلُ مَن أمامهم يَدفعُ ثمنًا كبيرًا كي يتعلم عندهم، بل إننا قد نأخذُ دليلًا من كوْن السوفسطائيين يأخذون أجرًا مقابل التعليم، على أن الناسَ كانوا يُقبِلون عليهم بشدة آنذاك، ولولا هذا الإقبال؛ لَمَا كان باستطاعةِ السوفسطائيين أخْذ مقابلٍ ماليٍّ كبيرٍ على تعليمهم للناس، وذلك بحسب قانون العرْض والطلب كما قلنا، فإقبال الناس عليهم، رغم أخذْهم لمقابل مالي، دليلٌ على الاحتياج إلى ما عندهم من علوم(١٦)، وأنهم لديهم من فنون المعارفِ ما ليس عند غيرهم.

خاصةً إذا عَلِمنا أن «نوعية التعليم» السائدة في أثينا آنذاك كانت تقليديةً بدائية، لا تؤهِّلُ مَن له طموح لتقلُّد المناصبِ الرفيعةِ، وتصدُّر الشأن العام، ولم يجد مَن أراد التأهيلَ لمثل هذه المكانة إلا السوفسطائيين، بما لديهم مِن مَلَكاتٍ علميةٍ متنوعةٍ في شتى الأمور، وما يقدمونه من مستوى أعلى من التعليم غير متوفر إلا عندهم(١٧)، ومِن ثَمَّ، فإن العُملةَ الفكرية التي كان يقدِّمُها السوفسطائيون حينها كانت عملةً نادرة؛ فاستحَقَّتْ بذلك ألا تُوضَعَ في نفس المكانة التي كان يتبؤأها التعليم التقليدي، الذي لا يتم تقاضي أموال عليه.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذا الأمر (التعليم بمقابل مالي) في عصرِنا الحالي لم يَعُد يشكِّل حَرَجًا، ولكننا نرد على الشبهةِ بمقاييس زمنها، لا بمقياس الزمن الذي نحن فيه.

ومِن الأمور الدالة على سَعْي أفلاطون إلى محاولةِ الانتقاصِ الدائمةِ للسوفسطائيين: تركيزُ نقْده على جوانبَ محددةٍ، خاصة قضية التعليم بمقابل مالي، وتعليم النجاح العملي وسُبل النقاش والرد، بينما في الحقيقةِ لم يكن هذا جُل اهتمام السوفسطائيين؛ فقد كانوا يُدرِّسون أيضًا قواعدَ اللغةِ والبلاغة، والنقد الأدبي، والموسيقى، والقانون، والدين، والأخلاق، والسياسة، وكل ما يتعلق بالمجتمع، بالإضافة إلى العلوم الطبيعية، وقدَّموا منهجًا متكاملًا للتعليم العالي رفيع المستوى(١٨).

وبالتالي فإن محاولةَ غضِّ الطرْفِ عن كل هذه الفنون التي برعَ فيها السوفسطائيون وقاموا بتدريسها، والتركيز على جانب محدد عندهم هي محاولة ظاهرة في السعي لتشويههم، وهذه من أشهر المغالطاتِ المنطقية، وهو أن يُركِّزَ الخصمُ على جانبٍ محددٍ، يرى فيه بعضَ الثغرات الممكنة، عند مناظرة خصمه أو نقده، ويُهْمِلُ باقي الجوانب تفاديًا لعدم إظهار مزايا الخصم، وهذه المغالطة تُعرف بـ «رجل القَش»(١٩).

ونأتي على عامل آخر من العوامل التي نتناولها، والتي نظن، في رأينا، أنها كانت مِن بين الأسبابِ التي زادتْ مِن حدةِ تشويه أفلاطون للسوفسطائيين، وهذا العامل يتمثل في: سقراط، أستاذ أفلاطون، فكما هو معلومٌ أنه كان هناك خلافٌ كبيرٌ بين سقراط والسوفسطائيين، وقد حَمَلَ أفلاطون على عاتقِهِ الدفاعَ عن أستاذه سقراط، وهذه نقطة لا يَجِبُ أن نَغْفَلَ عنها، مع بقية العوامل، فقد يكون الدفاع عن أستاذِهِ زادَ مِن حدَّةِ تشويهه للسوفسطائيين، خاصة إذا عَلِمنا قوة العَلاقةِ بينه وبين أستاذه سقراط، وأنه كان متأثرًا لا بآرائه ومعتقداته فقط؛ وإنما بحياته وأخلاقه(٢٠).

هذه بعض العواملِ التي تتبَّعناها، ورأيْنا أنها ساهمَتْ بشكلٍ كبيرٍ في تشويه السوفسطائيين، ورسوخ معنى سلبي في عقول كثيرين بمجرد سماع اسم سفسطائي أو السوفسطائية.

ــــــــ

هوامش البحث:

ــــــــ

(١) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». (ط١، بيروت، مركز نماء للدراسات والبحوث، ٢٠١٧م)، ص ٨٠.

(٢) المصدر السابق، ص ٨١.

(٣) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ترجمة: محمد بدران، (ط١، بيروت، دار الجيل، د.ن)، ٢/٢١١: ٢١٢

(٤) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٦٨.

(٥) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ٢/٢١٣: ٢١٤.

(٦) المصدر السابق، ص ٢١٤.

(٧) المصدر السابق، ص ٢١٤. 

(٨) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(٩) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(١٠)  د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٨٢: ٨٣.

(١١) المصدر السابق، ص ٨٣.

(١٢) المصدر السابق، ص ٨٣: ٨٤، ٨٦.

(١٣) المصدر السابق، ص ٩٤.

(١٤) يوسف كرم، «تاريخ الفلسفة اليونانية». (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ٧٩. 

(١٥) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين»، ص ٩٥: ٩٧.

(١٦) المصدر السابق، ص ٩٥: ٩٧.

(١٧) أنتوني جوتليب، «حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة»، ترجمة: محمد طلبة نصار، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ١٣٨.

(١٨) المصدر السابق، ص ١٣٩: ١٤٠.

(١٩) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢٠) أفلاطون، «الجمهورية»، ترجمة: عيسى الحسن، (ط١، الأردن، الأهلية للنشر والتوزيع، ٢٠٠٩م)، ص ٦، ١٣. 

ــــــــــــــــــــ

  • مِحنةُ المعتزلة: الجرح الذي لم يلتئم.

منذ إعلان الوثيقة القادريةِ، والتي أصدرها الخليفةُ القادر بالله، وتضمنت «استتابة المعتزلة»، وإلا سيتم التنكيلُ بهم، وبالفعل تم تشريدُ المعتزلة ومطاردتهم بعد هذه الحقبة وتقتيلهم، وأمَرَ بعضُ الأمراء بلعْن المعتزلة على المنابر(١)، وتم حرْق كثير من مؤلفاتهم، واختفى كثير منها أيضًا، وبالتالي خَلَت الساحةُ لكل مَن أراد الكذب عليهم، ونسبة أشياء إليهم لا يمكن التحقق منها؛ فأصبح بذلك خصوم المعتزلة هم المتحدثين الرسميين بمذهب المعتزلة! فيفترون في حقهم كما يحلو لهم(٢)، إلى أن استطاعت البعثةُ المصرية، التي أُوفِدَتْ إلى اليمن، من الوقوف على عددٍ مِن مخطوطات المعتزلة، كبعض كتب القاضي عبد الجبار، وعلى رأسهم: موسوعة «المُغني»، أقولُ: منذ ذلك الحين الذي تم اضطهاد المعتزلة فيه؛ والعقل الإسلامي في تدهور شديد؛ بسبب مطاردة أكبر ممثليه: المعتزلة.

ولقد صادفَ اضطهادُ المعتزلة حاجةً في نفس الدَّهْماء، الذين لا يستطيعون إلا الاتباع، ومِن ثَمَّ كانت دعوةُ المعتزلة إلى التحرر العقلي، واستخدام التفكير العقلاني، شديدةً عليهم، وتَجْدُر بنا في هذا المقام، الإشارة إلى ما قاله غوستاف لوبون في كتابِهِ الشهير «سيكولوجية الجماهير»، إذ يقول:

إن الجماهيرَ غيرُ ميَّالةٍ كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلةٍ للمحاكمةِ العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل…ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصيةُ الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣).

وهذا النص، قد يرشدنا إلى انجرافِ الأتباع خلْفَ الخطاب السائد، فكأن كل شخصٍ -على الغالب لا التعميم- فقدَ شخصيتَه، وأصبح يردد ما يُقال عن المعتزلة دون بينة، والعجيب أن بعضهم لا يستنكِفُ الأخْذَ عن ألَدِّ خصومِ المعتزلة، ثم بعد ذلك يزْعُم أن هذا هو مذهب المعتزلة بلا أدنى ريبٍ.

وإذا أردنا تحليلَ الأمر من منظورٍ اجتماعي، فيتضح لنا أنه ما مِن مذهبٍ -غالبًا- يستطيعُ البقاء والتوسع والتمدد، والسيطرة على العقل الجمعي لفترات تتجاوز القرون، إلا ويَغْلُبُ على الظنِّ أن هذا المذهب، أو الاتجاه الفكري، يَحمِلُ معه مسوِّغات بقائه(٤)، ولكن هل كلامي هذا مدحٌ للاتجاه والخطاب السائد؟ لم أُرِد ذلك؛ وإنما أعني بأنه «يَحمِلُ معه مسوِّغات بقائه» أي أنه -في الغالب- لابد أن تكون نظرياتُه لا تتضاد مع السُّلطات السياسية، خاصة الاستبدادية منها، لأنه من غير المعقول أن تكون نظريات هذا الاتجاه مناقِضَةً لمصالح السُّلطات السياسية، ثم يُنتظَر بعد ذلك أن تَسمحَ له هذه السلطاتُ بالبقاء والتمدد لهذا الخطاب المناقض لمصالحها.

ولو أردنا اختبارَ هذا المعيار الذي اصطلحتُ عليه، فالواقع هو أقوى اختبارٍ له، فلْننظُر: ما المذهبُ والاتجاهُ الفكري السائد حاليًا وعلى مدى قرونٍ مَضَتْ؟ سَنَجِدْ أن الاتجاهَ «الأشعري» والسلفي هو المسيطرُ على مدى القرون الماضية إلى الآن، ولو نَظَرْنا إلى لَمحةٍ على كُنْهِ هذا المذهب، على سبيل المثال، بأخْذِ قضيةٍ ونظريةٍ من نظرياته، لنطبِّق عليها ما قلناه، ولْيكن مثالنا عن:

قضية الجبْر والاختيار، أو القضاء والقدر، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، ما موقف الاتجاه الأشعري من هذه القضية؟ يتبلور الموقفُ الأشعريُّ في هذه القضية بالتبني الواضح للفكر الجبْري، الذي يرى أن الإنسان ليس له تأثير في أفعالِه، وإنما هي تَجري عليه بقدر الله؛ ومِن ثَمَّ فهو مُجبرٌ عليها، وأن هذا الجبْرَ لا محيصَ عنه(٥).

وإذا عَلِمنا أن هذا هو الموقف الأشعري من قضية الجبر والاختيار، ننتقلُ إلى السؤال عن «المستفيد» الأكبر من هذا القول، ففي تاريخنا، يذهبُ بعضهم إلى أن أولَ مَن قال بالجبْرِ وأظهره هو معاويةُ بن أبي سفيان، وقال إن ما يقوم به من أفعال إنما هي بقضاء الله وقدره، لِيَجعلَ هذا عذرًا له فيما يأتيه من أفعال، وأنه مصيبٌ فيه، وأن الله هو الذي اختاره إمامًا للناس!(٦).

وهنا نَعْلَمُ مِن أين يستمد المذهبُ الأشعريُّ فكرَه ومسوِّغاتِ وجوده، ولا أريد هنا أن أعمِّمَ تعميمًا شاملًا على أن «كل» مَن يقول بالجبر إنما هو داعمٌ للاستبداد ومستفيدٌ من ذلك، ولكننا نعيد قراءة النظريات بربطها بأبعادها الاجتماعية والسياسية، التي تُفسِّرُ لنا قدرًا كبيرًا من بقاء مذهب ما وأفول غيره -كمذهب متكامل- واضطهاده، وأعودُ وأقولُ: أعلِمْنا مع أي اتجاهٍ يتطابق الفكر الأشعري الجبري؟ إنه مِن المتوقع إذًا أن تميل الاتجاهاتُ الاستبدادية إلى الارتكان إلى نظريات هذا المذهب، وأنه من المفهوم أن طول عُمر هذا المذهب وبقائه، إنما يصب بشكل واضحٍ في مصلحة هذه الاتجاهات الاستبدادية، بينما على النقيض: هل يصلُح مذهبُ المعتزلة مع مثل هذا الاستبداد؟ إن مذهبَ المعتزلة يدعو إلى القول بحرية الإنسان، وأنه مختار لأفعاله، ومسؤول عنها، وبالتالي يُعَدُّ هذا القول حجرًا وعقبةً رئيسةً في طريق كثير من السُّلُطات، لأن مذهب المعتزلة سيحمِّلهم حينئذ المسؤوليةَ عما يصدر عنهم من أفعال وظلم وتجاوزات، وبهذا يشكِّلُ مذهبُ المعتزلة قلقًا واضطرابًا لهؤلاء، بينما المذهب الأشعري يُعَد «المُسكِّن» لهم، والمبرر لِما يصدر عنهم، وحينها يكون من المفهوم احتضان مثل هذه البيئة للأشعرية على نطاق واسع، وتشريد المعتزلة واضطهادهم بسبب نظرياتهم المُقلِقة من الناحية الاجتماعية.

ولا أدَّعي أن هذا المعيار «وحده» كفيلٌ بأن يفسرَ لنا كل شيء من هذا القبيل؛ وإنما هو معيار وعامل من ضمن العوامل التي نستصحبها في إعادة قراءة التراث وصلته بالحاضر والمستقبل، فهناك أيضًا «الطبيعة الجماهيرية»، كما أشرنا سابقًا إلى نص غوستاف لوبون، وقوله بأن الجماهير غير ميالةٍ إلى التأمل ولا المحاكمة العقلية، وإنما سِمة أغلب الجماهير: الاندفاع والميل إلى الشعارات المُلهِبة، حتى وإن كانت فارغة من المضمون والمعقولية والمنطق، وبهذا يمكن أن نَعُد ذلك الأمر عائقًا أيضًا من العوائق التي واجهت الفكر الاعتزالي، فهذا الفكر بطبيعته يرفع شعار العقلانية وتقديم العقل، وبناء على نص غوستاف لوبون، فإن هذه العقلانية لا تتناسب مع الجماهير، التي عادة ما يستهويها الركون إلى الاستقرار النفسي، وإبعاد القلق الذي يَنتجُ عن العقلانية وتوتراتها.

ثم هناك عامل ومعيار «الواقع والنهضة»، فأين موقع البلاد التي ساد فيها الفكر الأشعري بين الأمم؟ هل أدَّى انتشارُ هذا الخطابِ إلى تطور بلاده؟ هل نظرياته ساهمتْ في حل أزمات الواقع المُعاش؟ أو أنها ساهمت في النقيض، وتكريس الظلم والتبرير له وشَرْعَنَته، وبقاء الأوضاع كما هي عليه؟ ومحاولة إيجاد المستند الشرعي لتبرير الواقع المأزوم؟ إن كل هذه يُعَد مؤشرات على ما جناه الخطابُ السائد على الأمةِ، خاصة وأن هذا الخطاب يكرِّس لمبدأ التقديس، فلا يمكنك بعد هذا أن تقترب منه، أو من أعلامه خاصة «النجوم» منهم، بأي نقْد أو تفنيد لأطروحاته، لأنه حينها سيتهمك بالطعن في الدين، والتعدي على مقدساته، وبهذا يقطعون كلَّ الحبالِ التي يمكن أن نَنْفُذَ من خلالها إلى نهضة مرجوَّةٍ للأمة؛ فالسؤال يكاد يكون محرَّمًا طالما لا يتفق مع الطرح السائد، والثوابت في تنامي، حتى جعلوا الأشخاصَ أنفسهم -الذين يمثلون هذا الاتجاه- مُقدَّسين من الناحية العملية، حتى إذا أنكروا ذلك من الناحية النظرية، وكثرة الثوابت وتناميها سلاحٌ يُشهَرُ في وجه كل مَن أراد النقد للسائد، وبهذه العوامل مجتمِعَة، وغيرها، يمكن أن نستنتجَ ولو جزءًا من أسباب تخلفنا، والركود الذي حل على أمتنا.

ويمكننا كذلك الربْط بين التخلف الذي نحن فيه وبين أفول الفكر الاعتزالي، كاتجاه متكامل وقوي، مِن شأنه أن يَدْفَعَ عجلةَ التقدمِ والازدهار والحِراك الاجتماعي والفكري، وتشجيع العقول على الإبداع، لا تخويفها من التفكير، هذا الإبداع هو الذي مِن شأنه أنْ ينتشلنا من حالةِ الركود التي نعاني منها على كافة المستويات.

ـــــــ

هوامش المقالة:

ــــــــ

(١) ابن كثير، «البداية والنهاية»، (ط١، بيروت، مكتبة المعارف، ١٩٩٠م)، ١٢/٦.

(٢) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق»، تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ط)، ص ١٠٤: ١٠٦. 

(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.

(٤) ولا أعني بذلك أن هذا الأمر حتميٌّ لا فرارَ منه؛ وإنما أردتُ إبرازَ عامل من العوامل المؤثرة على سير تاريخنا وسبب تراجعنا، ويمكننا التخلص من ذلك بالعمل على نشر الوعي، وأحياء الفلسفة وجعْلها منهجًا للحياة والتفكير، لا حصْرها في الدراسة الأكاديمية فقط، والصبر على النتيجة؛ فعقول الناس من العسير أن تتغير بين ليلة وضحاها؛ ولنا في أوروبا خير دليل على ذلك، وعلى إمكانية التخلص من الجمود والتحجر الفكري والتخلف، وقد أنفقَت أوروبا في ذلك وقتًا كبيرًا في مواجهة رجال الدين؛ حتى استتبَّ لها الأمرُ على ما هو عليه الآن.

(٥) الفخر الرازي، «مفاتيح الغيب»، (ط١، بيروت، دار الفكر، ١٩٨١م)، ١٥/٦٧.

(٦) القاضي عبد الجبار، «المغني في أبواب التوحيد والعدل»، تحقيق: د. توفيق الطويل ـ سعيد زايد، (ط١، القاهرة، المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة والنشر)، ٨/٤.

ـــــــــــــــــــــــــــ

  • إيمانويل كانط: الوَجه الآخَر.

وراء «كانط» الفيلسوف، الذي أصبحَ قَلْبَ الحداثةِ الفلسفية؛ إنسانٌ، عاشَ قبْل أن ينظِّرَ، محكومًا بالجسدِ، والزمنِ، والعاداتِ، والمرضِ والشيخوخةِ، إن العودةَ إلى الحياةِ الشخصيةِ لكانط، لا تستهدفُ اختزالَ نَسَقِهِ الفلسفيِّ في لمحاتٍ مِن سيرتِهِ النفسيةِ والشخصيةِ، أو الوقوع في غوايةِ التفاصيلِ الهامشية؛ وإنما تسعى إلى رَدْمِ الهُوَّةِ بين الصرامةِ المجرَّدةِ، والشَّرْطِ الإنسانيِّ المنتِجِ لها، فبينما تقفُ كتبُ الفلسفةِ، غالبًا، عند حدودِ المفاهيم، تَكْشِفُ العادةُ اليوميةُ عن صِدْقِ الذاتِ، في توترها بين الانضباطِ والضعفِ؛ ليكون السؤالُ الأعمقُ هنا ليس: ماذا قال الفيلسوفُ في كتبِه؛ ولكن: كيف عاشَ، وكيف تحولتْ خبراتُه الإنسانيةُ المباشرةُ إلى ظلٍ خفيٍّ، يرافقُ العقلَ وهو يُقِيمُ حدودَهُ.

وبإمكان الدارسِ للفلسفةِ أن يَتَّفِقَ أو يَختلفَ مع كانط، ولكن على أيَّةِ حال، لا يمكن لأي دارسٍ أو متخصصٍ في الفلسفةِ أن يتجاوزَ كانط؛ فالفيلسوفُ الألماني (١٧٢٤م ـ ١٨٠٤م) يُعَدُّ محطةً فارقةً في تاريخِ الفلسفةِ الحديثةِ، ويعود سببُ ذلك إلى ما يُصطلَحُ عليه: بالثورة الكوبرنيكية، التي قادها كانط في مجال الفكر؛ بحيث اضطرَّ جميعَ المفكرين والفلاسفةِ إلى اتخاذِ موقفٍ منه، سواء بالإيجاب أو السَّلْب(١)، وآيةُ ذلك، أن الفيلسوفَ الإنجليزي: برتراند رَسِل، كان من أكثر المعارضين لكانط وفلسفته؛ إلى درجةِ أنه قال فيه: «إذا كان قد أُشيعَ عن كانط أنه أعظمُ فلاسفةِ العصرِ الحديث، فلستُ أراهُ إلا نكسةً شاءها لنا الحظُّ العاثر»(٢)، ومع ذلك فقد كتبَ الفيلسوفُ الإنجليزي عن فلسفة كانط في ذات الموضع الذي انتقده فيه وقال فيه مقولته السابقة، وهذا دليلٌ على أن المختلفَ قبل المتفق لم يستطع تجاوزَ كانط وفلسفته.

ولقد اكتَظَّتْ المكتباتُ العالميَّةُ بمئات الدراسات حول كانط، وكذلك في المكتبة العربية أُنْجِزَتْ حوله بعض الدراسات، إلا أن المكتبةَ العربيةَ -في نظري- لم تُعطِ الفلسفةَ الألمانيةَ حقها مِن الدراسةِ العميقةِ المتخصصة بوجهٍ عام، وكانط بوجهٍ خاص، وقليلون هم الذين غاصوا في دروب الفلسفةِ الألمانية عن تخصصٍ عميقٍ دقيقٍ.

ولقد فَتَحَتْ فلسفتُهُ النقدية آفاقًا لم تُطْرَقْ قبله كما عَرَضَها، إلى درجة ذهاب بعضهم إلى اعتبار كانط أكثر فلاسفة العصر الحديث تأثيرًا على عقول البشر(٣)، وُلد كانط في مدينة كونجسبرج، في بروسيا الشرقية، وهو الابن الرابع لتسعة إخوة، مات ثلاثة منهم وهم أطفال، وماتت أمه «حناريجينا» وهو في الثالثةَ عشرةَ من عمره، وكان كانط يدين لها بحبٍّ فائق؛ فهي أول مَن أدركتْ مواهبه العقلية، وهي أول مَن وجهه إلى التعليم الأكاديمي، وكان والده يَعملُ سَرَّاجًا، وتوفي عندما كان كانط في الثانية والعشرين من عمره، وقضى كانط طفولتَه في حي السرَّاجين في كونجسبرج، حيث نشأ في محيط متشدد، ولكن كانط كان محتقِرًا لهذا التوجه المتشدد(٤)، وهذا دليلٌ على أن الإنسانَ بمقدوره أن يتحررَ من وسَطِهِ الاجتماعي، مهما كان عدد المخالفين له في فكره وآرائه، ولا يصح أن يتخذَ من الأثر الاجتماعي المحيط مبررًا لأفعاله، مع الإقرار بما للمحيط الاجتماعي من أثر على تكوين أفكار الشخص، ولكن مناط الكلام يدور حول «إمكانية» تحرر الشخص إذا ما أعملَ عقله وسعى إلى التغيير، ولنا في قصة «حي بن يقظان» خير دليل على ذلك.

ومِن حيث أساتذة كانط، فقد كان «هايدنيراخ» أحد المعلمين الذين ألهموا كانط في معهد فردريك، وهو مُدرِّس اللغة اللاتينية، الذي أدخلَ في نفس كانط حبًّا للأدب اللاتيني طوال حياته، أما بقية زملاء هذا المعلِّم، فقد علَّقَ عليهم كانط فيما بعد بقوله: كانوا عاجزين عن إشعال الشرارة بداخلنا لدراسة الفلسفة أو الرياضيات، لكن من المؤكد أنهم أخمدوها(٥).

مما يشير إلى أمرين: إما أن يكون المُعلِّمُ له دور في إطلاقِ عنان الإبداع الكامن في تلامذته، أو يكون نقيض ذلك؛ فيتسبب في قتْل حاسة الإبداع عندهم، وإماتة الثقة في قدراتهم، ولنا في تراثنا ما يدل على أثر الكلمةِ في نفس الإنسان، سواء بالإيجاب أو السَّلْب، ومِن ذلك، ما ذكره الحافظُ الذهبي، من أن توجهه لطلب عِلْمِ الحديث كان بسبب كلمةٍ مِن شيخِه البرزالي، وذلك حين رأى البرزالي تلميذَه الذهبي يَكتب، فقال له: إن خطَّكَ يُشْبِهُ خطَّ المُحدِّثين؛ فيَذكُر الذهبي أن هذه الكلمة أثَّرَتْ فيه، فتوجَّهَ إلى سماع الحديث وطلبه بسببها(٦).

وتدل الروايات على حالة الفقر التي كان فيها كانط في سنوات دراسته الأولى، وكان يتلقى بعض الأموال من رفاقِه الطلبةِ نظير مساعدته لهم في عملهم، وبسبب العامل الاقتصادي والفقر أيضًا، انتقلَ كانط إلى الريف المجاور لمدينة كونجسبرج، لِيعمَلَ مُعلمًا خصوصيًّا، ولقد قال كانط -فيما بعد- إنه ربما كان أسوأ مُعلِّم خصوصي عرفه العالَم!(٧). وفي العام التالي لعودته إلى مدينة كونجسبرج عام ١٧٥٥م، نال شهادة الماجستير، وأصبح له الحق في التدريس بلا راتب، وكان هذا نظامًا سائدًا في الجامعات الألمانية آنذاك، ويَقتضي أن ينال المدرِّسُ مكافأةً يدفعها له طلابُه طالما لم يصبح أستاذًا بَعدُ، وهذا النظامُ خضَعَ له هيجل أيضًا في بداية عمله في الجامعة(٨).

وهذا الأثر العميق الذي تركه كانط، يجعلنا نتوجه إلى إبراز جانب آخر من حياته، مغاير للذي يشيعُ عنه وعن مكانته العلمية السامية.

بدايةً، فإن أولَ ما يمكن أن نبدأ بالإشارةِ إليه، هو أن كانط بدأ حياته كمؤلِّف معروفٍ، تقريبًا، عند اقترابه مِن سن الستين! حيث نَشَرَ أولى أعماله النقدية الشهيرة،، كتاب: «نقْد العقل المَحْض» في العام ١٧٨١م(٩)، أي أنه لو قُدِّرَتْ وفاته قبل ذلك التاريخ؛ لَمَا سَمِعنا -غالبًا- بشخصٍ اسمه كانط، ولا بتراثه الزاخر الذي تركَه لنا.

ومِن صفات كانط الكريمة، أنه كان دائم الاستفسار عن أحوال تلاميذه، وكانت تغمُرُه سعادةٌ بالغةٌ عندما يسمعُ أن أحدَهم حققَ نجاحًا ما، وكان من ضمن عاداته في وقت متأخر من حياته، أنه كان ملازمًا لمنزله غالبًا، وكان يدعو كل يومٍ صديقيْن لتناول الطعام معه، وهو لم يكن متزوجًا، وكانت له عبارة شهيرة يفتتحُ بها مائدة العشاء، وهي:« الآن أيها السادة»، وكان يستاء إذا أكلَ ضيوفُه قليلًا من الطعام، معتبرًا ذلك تصنعًا لا مبرر له(١٠).

ولقد كان حديثه وأسلوبه المباشر في الحياة اليومية يَتَّسِمُ بالبساطة التامة، دون إقحام أيَّة مصطلحات أكاديمية أو معقدة(١١)، وهذا على النقيض التام من كتاباته ومؤلفاته، التي اتسمتْ في نظر كثيرين بالغموض، ولعل هذا الغموض هو ما دفعَ «جون ستيوارت مِل» إلى أن يتوقع تراجع سيطرة الفلسفة الألمانية على العالَمِ(١٢).

ولقد كان كانط شديد التألم عند سماعه بمرض المقربين، ولكنه لم يَجْزع لموت أحد مثلما جزَعَ لوفاة تلميذه «إهرنبوث»، الذي كان يحمل له ودًّا عميقًا، وكانت الحجرة التي ينام فيها كانط مُعتمةً ليلًا ونهارًا، حتى إنه إذا أراد الخروجَ منها؛ يَمْسك بحبْلٍ مربوط في سريره، يقوده إلى خارج الغرفة، وعلى الرغم من أن كانط قد عُمِّرَ طويلًا، إلا أنه كان يقولُ مازحًا: إنه من السخف حقًّا، بل هو من الإذلال بالنسبة إلى الجيل القادم، أن يُعَمَّرَ الإنسانُ عمرًا مديدًا، لأنه يكون بذلك قد اعتدى على المُمْكِنات المتاحة للشباب الأصغر سنًّا(١٣).

وكان كانط يعاني من ضعف كبير في ذاكرته منذ الشباب، خاصة في الأمور المتعلقة بشؤون الحياة اليومية، إلى درجة أنه حاولَ التغلبَ على هذا الأمر، من خلال تدوين ما يريدُ قولَه، حتى لا يقع في حرجِ التَّكْرار لعباراته وكلامه(١٤). 

كانط والقِطط.

شَهِدتْ بعضُ المدنِ في حقبة كانط، مثل: ڤيينا وبازل وكوبنهاجن، وأماكن أخرى، حالةً من الموت الغريب بين القطط، ولأن القطط حيوانات كهربائية؛ فقد عَزَا كانط هذا الوباءَ الذي أصاب القطط إلى الكهرباء، ولكن المُلفِت أن كانط اتخذَ من هذا السببِ عِلَّةً لكل شيء تقريبًا، حتى حالات الصداع الدائم التي كانت تنتابه، فقد فسَّرها عن طريق المبدأ نفسه، وأن السبب هو الكهرباء، غير أنه في بعض اللحظات اعترفَ لبعضِ المقرَّبين بما أصابَه من وهن، قائلًا: أيها السادة، أنا عجوزٌ ضعيفٌ ومتصابٍ، ويجب عليكم أن تعاملوني كطفلٍ(١٥). 

لقد كان الإيمان العميق سِمَةً تلازم كانط؛ فلم يَجْزَع من اقتراب أجله عند ظهورِ علامات الشيخوخة عليه، ولقد قال ذات مرة للحضور: أيها السادة، أؤكد لكم: أنا لا أخشى الموت، ولو أنني أدركتُ فجأةً في هذه الليلةِ أنني على وشْكِ أن أُسْتَدعَى؛ لكنتُ رَفَعتُ يدي إلى السماء وقلتُ: مبارك هو الله(١٦). 

قيمة الوقت.

وعلى الرغم من دماثة خُلُق كانط، إلا أنه كان يَشعر بضَجَرٍ كبيرٍ وغضبٍ إذا تأخرَ شخصٌ أو شيء عن موعده، ومثال ذلك، أنه اعتاد في نهاية حياته على تناول القهوة، فإذا تأخرَ خادمُه عن الموعد المحدد لها؛ كان يشعر بضيقٍ شديد، إلى درجة أن خادمه، أو بعض أصدقائه، كانوا يحاولون تهدئته بقولهم: القهوة آتية على الفور، فكان يرد قائلًا: حسنًا، قد يموت المرء بعد كل شيء، ليس هناك سوى الموت، أما في العالَم الآخر، فالشكر لله؛ نحن لن نشرب القهوة، ولا حاجةَ بالتالي إلى انتظارها(١٧)، ونَجِدُ أن هذا الضيقَ من كانط لعدم دقة مَن يتعامل معه متَّسِقٌ مع شخصيته، التي تتسِمُ بالدقة الصارمة والتنظيم، حتى لقد قيل إنه كان يسيرُ على نظامٍ آلي مُطَّرِدٍ في العملِ والراحةِ وتناولِ الطعام، والنومِ ومقابلةِ الأصدقاء، وهذا ما عبَّرَ عنه الشاعرُ الألماني «هيني» بقوله: لستُ أظن أن الساعةَ الضخمةَ الموجودة في أعلى بُرجِ الكاتدرائية كانت تؤدي عملَها اليومي بشكلٍ أدَق أو أكثر انتظامًا مِن مواطِنها إيمانويل كانط، ولقد كان الناسُ يضبطون عليه ساعاتهم؛ إذ كانوا يَعرِفون أن الساعة قد أصبحت منتصف الرابعة حين كان كانط يغادرُ بابَ منزلِهِ، مرتديًا معطفه الرمادي، حاملًا في يده عصاه الخيزرانية، متجهًا نحو طريقِ شجرة الزيزفون(١٨).

وعلى ما يتمتع به كانط من خصالٍ كريمةٍ، فإنه كان يكره صفة التملُّق والتزلُّف، وكان هذا الأمر يزعجُه أشد الإزعاج(١٩)، ومع دماثة خُلُق كانط المعهودةِ في حياتِه، إلا أن سطوةَ المرضِ قالت كلمتها في نهاية حياته؛ فما أصابَه مِن تَرَدٍّ ذهني وجسدي، قضى على كثير من ملامح شخصيتِه المَرِحَةِ، وسِماته اللطيفةِ والنبيلةِ(٢٠).

هذه بعض اللمحاتِ مِن حياة كانط، قد تكون مساعدةً في قراءة أفكاره باستصحاب هذه اللمحاتِ الشخصية، فحياة الكاتبِ والفيلسوفِ العلميةِ لا تنفصل مِن كلِّ وجهٍ عن حياتِهِ الشخصيةِ ومؤثِّراتها.

ــــــــ

الهوامش:

ــــــــ

(١) د. أمير عباس صالحي، «إيمانويل كانط». (ط١، قُم، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ٢٠١٩م)، ص ٧.

(٢) برتراند رَسِل، «الفلسفة بنظرة علمية». ترجمة: د. زكي نجيب محمود، (ط١، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ن)، ص ٦٨.

(٣) توماس دي كوينسي، «أيام إيمانويل كانط الأخيرة»، ترجمة: عبد المنعم المحجوب، (ط١، تونس، مسكيلياني للنشر والتوزيع، ٢٠٢٠م)، ص ٨.

(٤) كرستوفر وانت ـ أندزجي كليموفسكي، «أقدِّم لك: كانط». ترجمة: إمام عبد الفتاح، (ط١، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٢م)، ص ٨، ١١.

(٥) كرستوفر وانت ـ أندزجي كليموفسكي، «أقدِّم لك: كانط». ص ١٣.

(٦) الذهبي، «ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام». تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، (ط١، الكويت، دار ابن الأثير، ١٩٩٥م)، ص ٤٠. 

(٧) كرستوفر وانت ـ أندزجي كليموفسكي، «أقدِّم لك: كانط». ص ١٣.

(٨) المصدر السابق، ص ٢٩. 

(٩) توماس دي كوينسي، «أيام إيمانويل كانط الأخيرة»، ص ١١.

(١٠) المصدر السابق، ص ١٤: ١٦.

(١١) المصدر السابق، ص ١٧.

(١٢) روديجر بونر، «الفلسفة الألمانية الحديثة». ترجمة: فؤاد كامل، (ط١، القاهرة، دار آفاق للنشر، ٢٠١٩م)،  ص ٩. 

(١٣) توماس دي كوينسي، «أيام إيمانويل كانط الأخيرة». ص ٢٠، ٢٤، ٢٨.

(١٤) المصدر السابق، ص ٣٠.

(١٥) المصدر السابق، ص ٣١: ٣٢.

(١٦) المصدر السابق، ص ٣٣.

(١٧) المصدر السابق، ص ٣٤: ٣٥.

(١٨) كامل محمد عويضة، «إيمانويل كانط: شيخ الفلسفة في العصر الحديث». (ط١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٣م)، ص ٢٧: ٢٨. 

(١٩) المصدر السابق، ص ٣٨.

(٢٠) المصدر السابق، ص ٤٠.

ـــــــــــــــــــــــ

  • ماذا تَبَقَّى مِن المادة.

لقد ظلَّ العِلمُ الفيزيائي زمنًا طويلًا يُعَرِّفُ «المادةَ» على أنها: كل ما له كتلة، ويَشْغَلُ حيِّزًا مِن الفراغ.

ومع التطورات التي شهدتها الفيزياءُ الحديثة، طرأ على مفهوم المادة تغيُّرٌ كبير، هذا التغير ليس مِن قبيلِ اختلاف المصطلحات والعبارات زيادةً أو نقصانًا فحَسْب؛ ولكنه تغيُّرٌ يَحمِلُ معه دلالاته التي تتجاوزُ الحقلَ الفيزيائي.

لقد عَرَفْنا أن كل مادة تتألفُ مِن جزيئات، والجزيئات تتألفُ مِن أجسام أكثر صغرًا تسمى «الذرات»، لنصِل بعد كل ذلك إلى القول بأن الكرسي الذي نجلسُ عليه، يتألفُ مِن ذرات تَصعُبُ رؤيتها إلا بمجهرٍ خارق القدرات، وتلك الذرات تتألفُ مِن جزيئات ذرية لا جسمَ لها على الإطلاق، وحقيقتها أنها طاقةٌ وموجات، وليس كما كنا نُعرِّف المادةَ بأنها كلُّ ما يَشْغَلُ حَيِّزًا مِن الفراغ وله كتلة، وهذا ما أثبته آينشتاين في معادلته الشهيرة، وفي نظريته عن النسبية؛ وهنا يتآكلُ المفهومُ التقليدي للمادة(١).

ولقد أثبتَ الفيلسوف والرياضياتي الإنجليزي: برتراند رَسِل، أن المفهومَ القديم للمادة، والذي يشير إلى شيء صلْب له حجمٌ وشَكْل، ويَشْغَلُ حيِّزًا مِن الفراغ، لم يَعُد موجودًا مع نظريات الفيزياء الحديثة، والتي تَنْظرُ إلى المادة على أنها «أحداث»، أي: مجموعة من العلاقات، أو بمعنى أيسر: المادة أصبَحَتْ عبارة عن موجات وحركات وتفاعلات، وليس شيئًا له كتلة ويَشْغَلُ حَيِّزًا، كما كان يُعتَقَدُ مِن قبل(٢).

مثال يَشْرَحُ معنى أن المادة «أحداث»:

حين ننظرُ إلى نهر النيل، نقول: «هذا هو نهر النيل»، وكأننا أمام شيء واحد ثابت اسمه «نهر النيل»، لكن إذا تأملنا قليلًا؛ سنجد أن الماءَ الذي تراه أمامك الآن، ليس هو الماء نفسه الذي كان يجري في الموضِعِ نفسِه بالأمس؛ فالماء يتحرَّكُ باستمرار، ومياه جديدة تأتي، ومياه أخرى تغادِر، والتيارُ يتغيرُ لحظة بعد لحظة؛ وبالتالي، فإن مفهومَ المادةِ بمعناه القديم لم يَعُدْ موجودًا.

فماذا يعني هذا الأمر مِن الناحيةِ الفلسفية؟

يعني هذا، مِن ضمن ما يعني، أن جزءًا مِن مستند المنكرين لكل شيء مُفارِقٍ للمحسوسات سينهار؛ فهناك بعض الاتجاهاتِ تبني جزءًا من قناعاتها وأدلتها على التصور الكلاسيكي للمادة(٣)، الذي يعني أن المادة شيءٌ  له كتلةٌ (صلبة أو غازية أو سائلة)، ويَشْغَلُ حيِّزًا مِن الفراغِ، وبما أن هذا المفهوم للمادةِ تآكلَ مع بذوغِ شمسِ الفيزياءِ الحديثة، ممثلةً في النظريةِ النسبية لآينشتاين، وغيره مِن الفيزيائيين، إذًا: تنهارُ حُجَّةُ هذا الفريقِ، في الشِّقِّ الذي بناه على هذا التصورِ الكلاسيكي للمادة، ويُصبِحُ مِن شِبه العَبَثِ أن يظلَّ بعضُهم يتشبثُ بأن كلَّ ما لا يمكن إدراكُه بالحِسِّ، أو كل ما هو غيرُ محسوسٍ لا يُعَد موجودًا.

ـــــــــ

الهوامش:

ـــــــــ

(١) ديباك شوبرا، «الوعد بقدرات غير محدودة». (مجلة الآداب العالمية، سوريا، العدد ١٥٠ ـ ١٥١، ٢٠١٢م)، ص ١٥١.

(٢) برتراند رَسِل، «الفلسفة بنظرة علمية». ترجمة: د. زكي نجيب محمود، (ط١، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ن)، ص ٢٣٩: ٢٤٠.

(٣) د. يحيى هاشم فرغل، «الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصِرة». (ط١، القاهرة، دار المعارف، د.ن)، ص ٦.

ـــــــــــــــــــ

  • العقلُ النَّقْدي.
  • ما النَّقْدُ؟

لِنُحدِّد في البدايةِ مفهومَ «النقْد»، فهل هو مساوٍ للهَدْم؟ بمعنى: هل إذا سَمِعنا أن شخصًا ما قامَ بنقْدِ فِكْرةٍ ما، فهل نفهمُ مِن ذلك أنه هَدَمَ هذه الفكرةَ وأساءَ إليها؟ وهل النقْدُ يعني أننا نُظهِرُ العيوبَ بالضرورةِ فيما ننتقدُهُ؟

نَجِدُ أن مِن معاني النقْدِ: التمييز، بمعنى: أن نقْدَ شيء ما، يعني أننا نميِّزُ ما يحتوي عليه مِن أمور جيدةٍ وأمور رديئة وسيِّئة(١)، وحتى مع تطور معاني النقْدِ، فإنها بَقِيَتْ تدورُ في هذا الإطار، الذي يعني إعمال الذِّهْنِ والنظرِ في شيء ما نريدُ فَحْصَهُ، وتحليله، واختباره، حتى نتمكنَ مِن الحُكْمِ عليه بالصوابِ أو الخطأ(٢).

ونستنتجُ مِن هذا أن النقْد هو العمليةُ الذهنيةُ نفسها، أي: إعمال التفكيرِ والتحليلِ لشيء ما، أما ما نَصِلُ إليه مِن حُكْمٍ على هذا الشيء، فهو «نتيجة» هذا النقْد وليس هو النقْد ذاته، وهذا المعنى كفيلٌ بِرَفْعِ كثير مِن الحَرَجِ والقلقِ الذي يَتَمَلَّكُ بعض الناسِ حين يريدُ أن يَنْتقدَ شيئًا ما، لأنه بذلك يمارسُ حَقَّه في التفكيرِ والتحليلِ، حتى وإن انتهى إلى قبولِ، أو عدمِ قبولِ، هذا الشيء.

عَقَباتٌ في طريقِ التفكيرِ النقدي.

  • إن نشأةَ الشخصِ وتربيته، والمجتمع الذي يعيشُ فيه، لهم أثرٌ كبيرٌ في شَلِّ قُدرته على التفكيرِ النقدي؛ وذلك بسبب كثيرٍ مِن أساليبِ التربيةِ في مجتمعاتِنا العربيةِ، والتي تقومُ على الطاعةِ العمياءِ، دون أن يَقْبَلَ مَن أمامنا أي نقاشٍ حول الموضوعِ المطروحِ، ودون أن يَتْرُكَ حقَّ الاختيارِ والقبولِ أو الرفْضِ، فالمُدَرِّسُ في المدرسةِ -على الأغلب لا على التعميم- يُلقي الدرسَ وكأنه مادةٌ جامدةٌ؛ لا تَقْبَل النقاشَ والتحليلَ والأخْذَ والرَّد، والأستاذُ في الجامعةِ يُلقي المحاضَرَةَ، وعلى الذين يجلسون أمامه أن يقوموا بتدوين كلَّ ما يقوله، دون أيَّة مراجعةٍ أو اعتراض، والوالدان في الأسرةِ يريدان أن يوجَّها أبناءَهم إلى اختياراتٍ بعينها، دون أن يكون للأبناءِ حقُّ القبولِ والرفضِ، وهذا النوعُ مِن المعاملاتِ، سواء على مستوى الأسرةِ أو المجتمعِ أو التعليم، لا يَخْلِقُ إلا عقولًا مُتجمِّدةً؛ ليس لديها القدرةُ على إنتاجِ وإبداعِ شيءٍ جديد؛ إذ كيف تُبْدِعُ في بيئةٍ لا تَسمحُ أصلًا بالنقاشِ وحق الاختلافِ؟ والتحدي الحقيقيُّ أمام هذا الوضعِ، أن يسعى الشخصُ، ولو بالتدرُّج، إلى تدريبِ نفسه على التفكيرِ النقدي، وذلك بأنْ يَنْظُرَ في كلِّ ما يُعْرَضُ عليه، سواء أكان مادةً علميةً أو غيرها مِن القضايا، ويقوم بمحاولةٍ لإعمالِ عقلِهِ؛ لاكتشافِ الجوانبِ الجيدةِ وغيرِ الجيدةِ فيما يقرأه أو يُعْرَضُ عليه؛ وبالتالي يَستطيعُ أن يَقْبَلَ أو يَرفضَ عن اقتناعٍ لا عن اتِّباعٍ أعمى دونَ تفكيرٍ.

ومِن ضروراتِ النَّقْدِ والتفكيرِ النَّقْدي أيضًا: ألا يَقْبَلَ الإنسانُ رأيًا ما أو قضيةً ما، إلا بعد البرهنةِ عليها، بمعنى، أن يُناقشَ صاحبَ هذه القضيةِ، وأن يَطْلبَ منه الدليلَ على ما يقول، وهذا يَجعلنا نتحررُ مِن ثقافةِ الحفظِ والتلقين، ليكون الفهمُ والتفكيرُ النقدي هما البديل.

وهناك شرطٌ لكي يكونَ الإنسانُ ناقدًا ويفكرُ تفكيرًا نقديًّا، وهو: ألا يكون النَّقْدُ لشيء ما صادرًا عن مزاجِ الناقدِ الشخصي، أو حالته النفسية، بل لابد أن يُعَلِّلَ هذا النقْدَ، بمعنى: أن يأتي بالبراهين والأدلةِ إذا أرادَ أن يَنْقُدَ شيئًا ما، وأن يَذْكرَ أسبابَه التي دَفَعَتْهُ إلى قبولِ أو رفْضِ أمْرٍ ما(٣).

كما لابد مِن أن يَتَّصِفَ الإنسانُ الناقدُ بصفةِ «التنظيم»؛ فلا يمكن للإنسانِ أنْ يَصِلَ إلى نتائجَ جيدةٍ مِن خلالِ التفكيرِ العشوائي، ولذلك لابد علينا مِن تنظيمِ أفكارِنا، ولا نتركها هكذا دون تحديدِ ما نريدُ عملَهُ وتحقيقَه والوصول إليه(٤).

  • سَطْوةُ الجماهير.

إن مِن أقوى العقباتِ في طريقِ التفكيرِ النقْدي: الجماهير، أو الأغلبية، أو الشائع والأكثرية.

فعندما يريدُ شخصٌ أنْ يُقْبِلَ على نقْدِ فكرةٍ أو قضيةٍ ما، فإنه قد يصطدمُ بواقعٍ أقوى، لأن هذه القضيةَ، أو الفكرة، التي يريدُ انتقادَها، وقد يَصِلُ إلى رفْضها، يؤيدُها قطاعٌ عريضٌ مِن الناس؛ وبالتالي يَتسللُ الخوفُ أو القلقُ إلى شخصيةِ الناقدِ، نظرًا لأنه سيكون عليه تحمُّل عبء مخالفةِ هذا الجمْع الكبيرِ مِن المؤيدين للفكرةِ التي يريدُ نقْدها ومناقشتها، فهل الكثرة دليلٌ على صِحة القضية؟ بمعنى: هل إذا وجَدنا فكرةً أو قضيةً ما، لها أنصارٌ ومؤيدون كُثُر، فهل هذا وحده يكفي لكوْن الفكرةِ صحيحةً؟

وللإجابةِ على هذا السؤالِ، نَرجِعُ إلى القرآنِ الكريمِ، ففي قصةِ نوحٍ مع قومِه، وردَ قولُهُ تعالى: «وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِیهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِینَ عَامࣰا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَـٰلِمُونَ». (سورة العنكبوت، الآية: ١٥).

ويقول ربنا في موضعٍ آخَرَ عن قصةِ نوحٍ أيضًا: «حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِیهَا مِن كُلࣲّ زَوۡجَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَیۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَاۤ ءَامَنَ مَعَهُۥۤ إِلَّا قَلِیلࣱ». (سورة هود، الآية: ٤٠).

فيخبرنا اللهُ، عز وجل، في هذه الآياتِ أن نوحًا، عليه السلام، ظل يدعو قومَه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، ومع ذلك، لم يؤمنْ معه في النهايةِ إلا قليلٌ، كما وردَ في الآية.

فهل لأن الأغلبيةَ كانت ضد نوح، عليه السلام، ولم تؤمنْ به يعني أن نوحًا كان على خطأ؟ الإجابة لا، بدليل أن اللهَ قد أهلكَ هذه الأغلبيةَ، ولم يُنْجِ إلا الأقليةَ التي آمنَتْ بنوح.

ونستنتجُ مِن هذا أن وجودَ مؤيدين كثيرين لأية فكرة أو قضية، ليس دليلًا على صحتِها؛ فقد تكون الفكرةُ منتشرةً ولها أتباعٌ كثيرون، ولا تكون صحيحةً، وكذلك قد تكون شخصيةٌ ما لها أنصارٌ كثيرون ومؤيدون، وهذا لا يعني، بالضرورةِ، أن كلامَ هذه الشخصيةِ صحيحٌ، إلا إذا كان عليه برهانٌ نناقشُه ونَقْبلُه أو نردُّه، وبالتالي، فإن التحررَ مِن سلطةِ الجماهيرِ والأغلبيةِ يتطلبُ قَدْرًا مِن الجرأةِ في استخدامِ العقلِ، ويتطلبُ كذلك تدريبَ العقلِ على التخلُّصِ مِن سطوةِ الجماهيرِ والأغلبية؛ فالبرهان والدليلُ هو الفيْصلُ، وليست الأكثرية.

  • مثالٌ على كيفيةِ التفكيرِ النقدي.

ولْنأخُذْ مثالًا مِن حياتِنا اليومية: 

يَقرأ بعضُ الناسِ خبرًا في وسائلِ التواصل الاجتماعي، يقول هذا الخبرُ: إن مشروبًا معينًا يَقضي على جميعِ الأمراض.

هذا خبرٌ، فكيف يتعاملُ معه صاحبُ التفكيرِ النقدي؟ أو بمعنى: كيف أكون ناقدًا لهذا الخبرِ وأطبِّقُ عليه التفكيرَ النقْدي؟

إن صاحبَ التفكيرِ غيرِ النقدي، قد يصدِّقُ هذا الخبرَ لمجرد كثرة تداوله، أو يرفضُه لمجرد مخالفته لقناعته.

أما صاحبُ التفكيرِ النقدي، فإنه يتثبتُ ويتحققُ أولًا، فيسألُ عن مصدرِ الخبر، ومدى موثوقيته، والأدلة العلمية التي تؤيدُه أو تنقضُه، ثم يُصْدِرُ حُكْمَهُ بناءً على الدليل، لا على الانطباع أو الهوى.

وهذا المثالُ يوضِّخُ أيضًا معنى تنظيمِ التفكير؛ فالعقلُ الناقِد لا ينتقلُ بين الأفكارِ بعشوائية؛ وإنما يسيرُ وَفْقَ خطواتٍ واضحةٍ: فيُحدِّدُ القضيةَ، ويَجمعُ المعلوماتِ، ويَفْحصُ الأدلةَ، ويوازن بين الآراء، ثم يَصِلُ إلى نتيجةٍ معلَّلة، أي لها أسبابُها التي قدَّمها، وليس مجرد رَفْضٍ أو قبولٍ دون أسباب؛ فالتفكير النقدي ليس مجرد الاعتراض؛ بل إنه تفكيرٌ منظَّمٌ؛ يقومُ على البرهان والدليل.

ـــــــــــ

الهوامش:

ــــــــــــ

(١) ابن فارس، «مقاييس اللغة»، تحقيق وتعليق: أنس محمد الشامي، (ط١، القاهرة، دار الحديث، ٢٠٠٨م)، ص ٩١٣.

(٢) خديجة بنت سليمان، «مفهوم النَّقْد ونشأته في التفسير»، (المجلة العربية للدراسات الإسلامية والشرعية، المملكة العربية السعودية، العدد ١٥، ٢٠٢١م)، ص ١٠١.

(٣) د. زكي نجيب محمود، «في فلسفة النقد»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢١،)، ص ١٨٦.

(٤) د. فؤاد زكريا، «التفكير العلمي»، (مجلة عالَم المعرفة، الكويت، العدد ٥٠١، ٢٠٢٢م)، ص ٣٣.

ــــــــــــــــــــ

  • «وقُل اعْمَلُوا».

تكادُ قضيةُ القضاءِ والقدرِ أن تكون المحورَ الرئيسَ الذي صاغَ، ولا يزال، وشَكَّلَ جزءًا عميقًا مِن بناء شخصيةِ المُسلم، سواء مَن انحاز إلى المعنى السلبي للقضاء والقدر، وهو كوْن الإنسان ريشةً يتم تحريكُها بعواملَ خارجة عن إرادته، أو مَن اتخذَ مِن القضاء والقدر المعنى الإيجابي، وهو أن وجودَ القضاء والقدر، لا يعني أن الإنسانَ لا قيمة لأفعاله، طالما أنها مُقدَّرةٌ عليه.

ولقد طالَ الاشتباكُ والاختلافُ حول هذه القضية بين الفِرَقِ الإسلامية، وفي تقديري، فإن هذه القضية ليست قضيةً مجردة عن الواقعِ التاريخي، الذي أحاط بها؛ إذ إن تصور الإنسان لمعنى القضاء والقدر تنبني عليه الكيفيةُ التي تُشكِّلُ وعيه، وتصوغ فِكْرَه.

وتَكمن خطورة المعنى التخاذلي، الذي يريد بعضُهم تصديره عن القضاء والقدر، في كونه يُجرِّد الإنسانَ مِن المسؤولية، ويَخلق له شماعةً جاهزةً ليحمِّلَ عليها نتائج تقاعسه وفشله، ويُشَرعِنُ مِن خلالها كلَّ تجاوزٍ وانتهاك؛ ومِن ثَمَّ يُبْطِلُ -مَن يتبع هذا الرأي- أيةَ مساءلةٍ له مُسْبقًا، طالما أنه يَنسِبُ تقصيرَه وتجاوزاتِه للقضاء والقدر.

إن مِن أكثر الردودِ بداهةً على المتمسكين بفكرة الجَبْرِ، هي أن الواقعَ نفسَهُ يصادمُ رأيهم؛ فمعلومٌ أن فِعْلَ الإنسانِ يَصدُر بقراره واختياره، ولو كان اللهُ قد أجبرَ الإنسانَ على أفعاله، فلِمَ وعلامَ يحاسبه؟ فمن المنطقي ألا أكون قد ألقيتُ بشخصٍ مُكَبَّل اليدين في البحرِ، ثم أحاسبُه وأقول له: لماذا ابْتَلَّتْ ثيابُك؟

إننا نجدُ في دوائرِ القانونِ أن المتَّهَمَ إذا اعترفَ بجريمةٍ ما، ثُم تَبَيَّنَ لعدالةِ المَحكَمةِ، بعد ذلك، أن اعترافَه هذا قد وقعَ تحت ضغوطاتٍ بعينها مِن الخارجين عن القانون، أو في ملابساتٍ ألجأتْهُ إلى هذا الاعتراف؛ لكان ذلك كفيلًا ببراءتِه؛ إعمالًا لمبدأ العدالةِ، ولامتناعِ ضمير القُضاة، في المَحكَمةِ، عن اتخاذِ إجراءٍ بعقابِ المُضْطَّر، فما بالنا بربِّ العباد، والذي هو العدلُ ذاته، ومِن أسمائه: العدل؟ فهل بعد ذلك يَحقُّ لنا نلْصِقُ بالله تعالى -حاشاه- ما نُنَزِّه عنه عبادَه؟

وفي ظني، أن فِكْرةَ الجَبْرِ لَم تكن لِتَجِد كل هذا الرَّوَاجِ لولا وجود أبعاد اجتماعيةٍ وسياسيةٍ لها في تاريخِنا الإسلامي، ولوجود بعض المستفيدين مِن مذهب الجبرية، الذين أشاعوه ورَوَّجوا له خِدمةً لمصالحهم(١)، فأدى كل ذلك إلى أن كانت فكرة «الجبر والجبرية سببًا في شَلِّ فعالياتِ الإنسان؛ فتُسْهِم بذلك في تأييدِ وتأبيدِ التخلفِ السائدِ في العالَمِ الإسلامي»(٢).

ولَقد تَمَدَّدَتْ قضيةُ الجَبْرِ؛ لتشكِّلَ العقلَ الجمعي عند المؤمنين بها، وذلك عَبْرَ مداخلَ مختلفة، ومنها: قضيةُ «التوكُّل على الله»، والتي جَعَلَها بعضُهم مرادفةً للجَبْرِ! فنجِدُ أحدُهم يتقاعسُ ويتكاسلُ عن تأدية ما عليه، ثم يستشهد بالتوكل! وحقيقةُ الأمرِ أن التوكلَ بريءٌ مما أُلْصِقَ به مِن معاني الجَبْرِ والتكاسل؛ ولْنَعُد إلى الموقفِ النبوي؛ لبيان هذا الأمر، فعندما جاءه عمرو بن أمية الضمري، رضي الله عنه، وظن أن التوكلَ يعني تَرْكَ الأخْذِ بالأسبابِ والعمل، فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّمَ: هل أترُكُ ناقتي حرَّةً دون قيْد وأتوكَّل؟ بمعنى أنه يريد إهمالَ ناقته دون أن يربطها حفاظًا عليها من الضياع، ويظن أنه بذلك يتوكلُ على الله، فجاءه التوجيهُ النبوي، الذي أبعدَ كلَّ فهمٍ تكاسلي وتبريري عن التوكل، إذ قال له النبي، صلى الله عليه وآله وسلمَ: اِعْقِلْها وتوكَّل(٣)، أي اربطها ثم توكل على الله.

وهذا دَرْسٌ كبير مِنه، صلى الله عليه وسلم، في عدم التراخي عن تأدية الدور، ثم التحجج بالقضاء والقَدَر والتوكل، فهناك فارقٌ بين التوكلِ والتواكل؛ إذ التوكل يعني الأخْذَ بالأسبابِ، وتقديم كل ما في جُهد الإنسان واستطاعته، ثم بعد ذلك يتوكل على الله، بمعنى استحضاره دائمًا والدعاء له، والطلب منه، فيكون الإنسانُ بذلك جَمَعَ بين الأمريْن: العمل والجهد والأخْذ بالأسباب، وكذلك الثقة في أن الله سيكلل مجهوده هذا بما يستحقه، كما قال ربنا، وهو أصدَقُ القائلين: «إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا». (سورة الكهف، مِن الآية: ٣٠)، أما التواكُل، فهو تَرْكُ العملِ والأخْذ بالأسباب، ثم انتظار أن يتغيرَ الأمرُ مِن تلقاء نفسه، وتناسى قوله تعالى: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ». (سورة الرعد، مِن الآية: ١١).

إن «اعْقِلْها وتوكَّل» ليست وصيةً تتعلقُ بربْط ناقة؛ ولكنها منهجٌ حضاريٌّ كامل؛ يربطُ الإيمانَ بالعمل، والثقةَ بالله بتحمل المسؤولية، ويرفضُ أن يتحولَ القضاءُ والقدرُ إلى ذريعةٍ لتعطيل الإنسان عن أداء دوره في عمارة الأرض، وإلى مبرِّرٍ وشماعةٍ جاهزةٍ لتحميل التجاوزاتِ والانتهاكاتِ والفشل عليها.

ــــــــــــ

هوامش المقال:

ــــــــــــ

(١) القاضي عبد الجبار، «المُغني في أبواب التوحيد والعدل»، تحقيق: د. توفيق الطويل ـ سعيد زايد، (ط١، القاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ١٩٦٠م)، ج ٨، ص ٤.

(٢) د. محمد عمارة، «المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية»، (ط٢، القاهرة، دار الشروق، ١٩٨٨م)، ص ٦.

(٣) أبو عبد الله الحاكم، «المُستدرَك على الصحيحيْن»، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، (ط٢، بيروت، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٢م)، ج ٣، ص ٧٢٣.

ـــــــــــــــــــــ

  • ثقافةُ الإقصاءِ.

يَبدو أنَّ الاختلافَ سُنَّةٌ قديمةٌ قِدَم الخَلْقِ؛ ونستطيعُ أن نتلمَّسَ ذلك في القرآنِ الكريمِ، ففي قوله تعالى: «وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰۖ وَلَا یَزَالُونَ مُخۡتَلِفِینَ ۝١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَ ٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ». (سورة هود ـ الآيتان: ١١٨: ١١٩). دليلٌ على مصاحبةِ سُنَّةِ الاختلافِ للخَلْقِ منذُ الأذَلِ، فإن المراد بقوله: ولا يزالون مختلفين، أي: اختلافهم في الأديانِ والأخلاقِ والأفعالِ، ولا تنحصرُ مذاهبُ الناسِ في الأديانِ والفِرَقِ والتوجهات، فلكلٍّ توجُّهٌ ورؤيةٌ ينطلقُ مِن خلالها(١).

ومِن ثَمَّ، فإن مَن يَصْعُبُ عليه تقبُّلُ هذا السُّنَّةِ ويَدَّعي الإطلاقَ؛ فإنه بذلك يصطدمُ بواقعٍ مغايرٍ تمام المغايرةِ لِمَا ظنه وتوهمَهُ، مهما حاولَ التنَكُّرَ لذلك.

ومع ذلك، فإن مِن أهمِّ المآسي في تاريخِنا الفكري: السَّعْي الدؤوب للامتلاكِ الحصري للحقيقةِ المُطْلَقَةِ، والتغافل عن أن الواقعَ يَحمِلُ الآراءَ المتباينةَ، والتي لا يمكن أن تتفقَ في كل شيء مِن كلِّ وجْهٍ؛ وذلك لأن طُرُقَ «الناسِ متباينةٌ في استخدامِ العقل»(٢)، ولا يمكن أن تتطابق تلك الطرق مِن جميع الوجوه بين بني البشر.

وهذا السَّعْي لامتلاكِ الحقيقةِ المُطْلَقَةِ، وادِّعاءِ التفرُّدِ بالحقِّ، ورَمْي المُخالفِ بالاتهاماتِ المختلفة، لا يَصدرُ إلا عن عقليةٍ إقصائيةٍ، تظنُّ أنها حازَتِ الحقَّ مِن جميع وجوههِ، وهذه النظرةُ، فضلًا عن كونها إقصائيةً، فهي دعوةٌ إلى الجمودِ والانزواءِ وإماتةِ الإبداعِ؛ إذ لا مجالَ لهذا كله في بيئةٍ تَفْرِضُ الوصايةَ، وتَنتزِعُ حَقَّ التفكيرِ والاختيارِ، فالباري يقولُ: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ». (سورة الكهف ـ مِن الآية: ٢٩). فكَفَلَ حقَّ الإيمانِ والكفرِ به، ولم يَفْرِضْ ذلك عُنْوةً، فما بالنا بما دون ذلك، مِن ضمانِ حقِّ الاختلافِ والتفكيرِ والاختيارِ، في سائرِ الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ.

  • كلنا إقصائيون؟!

وينطوي الخطابُ المعاصرُ على كمٍّ هائلٍ مِن «ثقافةِ الأقصاءِ»، فضْلًا عن الازدواجيةِ التي تكتنفُ بعضَ جوانبِهِ، وكثيرون ممَّن يرفعون رايةَ التجديد وشعاراتِ عدم التعصبِ والجمود؛ يقعون فيما ينهون عنه؛ إذ إنهم مع مبدأ الحريةِ الفكريةِ وعدمِ الوصايةِ، ويلومون -ونحن نلوم معهم- ثقافة التقوقعِ على الذاتِ، وعدم الاعترافِ بالآخر عند التياراتِ الإقصائيةِ، وبينما هم يعلنون مبدأهم السابق هذا، سرعان ما يقعون في نقيضه -أي فيما ينهون عنه-؛ فنجد ثقافةَ الإقصاءِ للصوتِ الآخرِ جزءٌ أصيلٌ مِن هذا الخطابِ، الذي يرفعُ رايةَ التنويرِ والتحررِ! مع أن أولى مبادئ التنويرِ والحريةِ (والذي قال عنها الفيلسوفُ الفرنسي ڤولتير: أيتها الحرية، كم مِن الجرائم تُرتَكَب باسمك) تقتضي تقبُّل الآخرِ، ما دام رأيه يحملُ رؤيةً للأمورِ مِن زاوية بعينها، وأتذكَّرُ في هذا المقامِ كلمةَ الفيلسوفِ العملاقِ: حسن حنفي، حين قال: العلماني في بلادنا هو سلفيٌّ مقلوب!.

بمعنى أنه يريدُ إقصاءَ غيرِه، كما يريدُ السلفيُّ إقصاءَ مَن يخالفُ رؤيتَه، والتحدي الحقيقيُّ أمام ثقافةِ الإقصاءِ هذه، والتي تضربُ في طول وعَرْضِ الخطاباتِ المعاصرةِ -أو أغلبها- بشِقَّيْها: الإسلامي والعلماني، أقول: والتحدي الحقيقيُّ أمام هذا، أن تكون لدينا القدرةُ على الخروجِ مِن هذه الحالةِ الاستقطابيَّةِ، والازدواجيةِ في المعاييرِ، وأن التجديدَ الحقيقيَّ يتطلبُ -في المقامِ الأوَّلِ- سيادةَ ثقافةِ تقبُّلِ الآخَرِ، طالما كان رأيه لا يخرُجُ على أسسِ الاختلافِ وآدابِهِ.

وذلك إذا أردنا التطلعَ نحو مستقبلٍ أفضلَ لوطننا، تأسيسًا على أن هذا المستقبلَ مرهونٌ بمراجعةٍ دقيقةٍ، وأمينَةٍ، لكثيرٍ مِن عواملِ التكوين المعرفي، التي كوَّنَتِ الفِكْرَ والسلوكَ، فما بقي صالحًا مِن هذه الأفكارِ والقِيَمِ؛ فعلينا إعادةُ إنتاجِهِ ليكون معينًا للأجيالِ القادمةِ لتكونَ أفْضَل، وما كان غير ذلك؛ وجَبَ إبعادُهُ؛ كي لا يَقِفَ عائقًا في طريقِ نهضةِ الأمةِ وتقدمها(٣).

ـــــــــــــ

الهوامش:

ــــــــــــــ

(١) الفخر الرازي، «مفاتيح الغيب»، ط١، القاهرة، دار الفكر، ١٩٨١م، ج ١٢، ص ٧٨: ٧٩.

(٢) د. مراد وهبة، «مُلَّاك الحقيقة المُطْلَقَة»، ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص ١٦.

(٣) د. سيد عبد الستار ميهوب، «هؤلاء المثقفون وفكرهم الإصلاحي»، ط١، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، ٢٠٠٩م، ص ٣.

ــــــــــــــــــــ

صناعةُ الأصنام.

مِن البَدَهي أن هناك فرقًا بين الدين، والذين ينتسبون للدين، ويُقدِّمون أنفسَهم على أنهم «رجال هذا الدين»(١)، وهذه التفرقة ليست تَرَفًا؛ وإنما هي رُكْنٌ رئيسٌ في سبيل نَزْعِ القداسةِ عن البشر، فالقداسةُ وحدها للدين ونصوصه القطعية: القرآن الكريم، أما المتلقُّون لهذا الدين، يبقى فهمهم فهمًا بشريًّا، لا يمكن بحال مِن الأحوال أن نُضفي عليه طابع القداسة التي هي للدين ذاته، لماذا هذه التفرقة مهمة؟

أولًا: لأن النصَّ الدينيَّ إنما هو مِن الله، والله سبحانه لا يمكن الإحاطة بمراده وبكلامه وفهمه فهمًا نهائيًّا مطابقًا لِمَا صَدَرَ عن الذات الإلهية نفسها، لأننا إنْ زَعَمْنا ذلك؛ لكانت الأفهامُ البشريةُ مساويةً ومُطابقةً لمراد الله كما هو في نفس الأمر، أي كما صَدَرَ عن الله، وحاشا لله أن تُحيطَ به أفهامُ المخلوقين بالله من كل وجوه من الوجوه.

ثانيًا: إذا لم تَحْدُث التفرقةُ بين الدين والمنتسبين إليه من العلماء وغيرهم؛ فستَنْسَحِب القداسةُ التي هي للدين ذاته، لتشملَ الممثِّلين لهذا الدين؛ فيصبح «رجال الدين» مُقدَّسين فيما يصدرُ عنهم، ولا تصحُّ مراجعتُهم في أي قولٍ من أقوالهم ولا أفعالهم.

ثالثًا: إذا ساوى بعضُهم بين الدينِ ورجاله؛ حينها سنكون أمام أفهامِ بشرٍ مثلنا، تُقدَّمُ إلينا على أنها «نهائية» لا مراجعةَ فيها، ويترتبُ على ذلك أن الجمودَ والركودَ الفكري سيَضْربُ المجتمعَ، ويسُودُ الاحتكارُ للفِكْر، فلا يمكن للإنسان في مجتمعٍ كهذا أن يمارِسَ حقًّا بَدَهيًّا له في التفكير والنقد والأخْذِ والرد، وإذا كان على مستوى الاقتصاد والمجتمع توجد طبقةُ «الإقطاعيين»، وهم طبقة المُلَّاك الذين يمتلكون الأراضي والأموال على نطاقٍ شديد الاتساع، ويصبح الباقي مِن الشعبِ عاملين عند هذه الطبقة، وتتَّسِمُ العَلاقةُ بين المُلَّاكِ الكبارِ والفلاحين الذين يعملون عندهم بالتسلُّطِ مِن قِبَلِ طبقة الإقطاعيين/المُلَّاك(٢)، وإذا كان الإقطاعُ في النِّظام الاجتماعي والاقتصادي على هذا النحو؛ فإنه يحق لنا أن نُسَمِّي العَلاقةَ التي بين «رجال الدين»، الذين يَدَّعون القداسةَ، من الناحية العملية، حتى ولو لم يصرِّحوا بذلك من الناحية النظرية، أقولُ: يحق لنا أن نسمِّي العَلاقةَ بين «رجال الدين» وبين الناس بما أصطلِحُ عليه بـ «الإقطاع الفكري»؛ فرجال الدين الذين يزعمون القداسةَ -هم تمامًا أو أشد- كطبقة الإقطاعيين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن عَلاقةَ رجال الدين هؤلاء بالناس تقوم أيضًا على التسلُّط، واستلاب الحق في التفكير؛ فهم يفكرون بدلًا مِن الناس، ويقررون لهم ما يكون وما لا يكون، هذا كله يَحدث كثمرة مِن ثمار التسوية بين الدين ذاته، وبين رجاله أو المنتسبين إليه.

فاستَخَفَّ قومَهُ فأطاعوه.

هل اللوم كله يَقَعُ على كاهلِ «رجال الدين» مع نفْي اللوم عن المُتلقِّين؟

إن المُتلقِّي تقع عليه مسؤولية إفساح المجالِ لهؤلاء؛ فما توغَّلَ رجالُ الدين في المجتمعات إلا من خلال الاستقواء بأتباعهم، والطاعة العمياء التي تُقدَّم لهم، ونَجِدُ القرآن الكريم يُلقي باللوم على مَن يتَّبِع الآخَر في إغوائه له، ففي قوله تعالى: «فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ». (سورة الزخرف، الآية: ٥٤). نَجِد أن اللهَ قد ألقى باللوم على الذين اتَّبَعوا فرعون ووصفهم بالفِسْقِ، هذا على الرغم من أن فرعون هو الذي «استخفَّهم»، ولكن لأنهم قد قبلوا هذا الاستخفافَ، واستجابوا له؛ فاستحقوا بذلك الذمَّ، وهذه الآية، في رأيي، مِن أكثر الآيات التي يمكن أن نَستشهدَ بها على مسؤوليةِ الإنسانِ عن أفعاله، وأن التبريرَ -في الغالب- بإلقاءِ اللوم على مَن صدرَ منه الفعل والاكتفاء بذلك لا يصح؛ فالمتلقِّي له دورٌ في صناعةِ الأصنامِ وتقديسها.

وسيُقال من طبقة «الإقطاع الفكري» أو «رجال الدين» إنه ليس هناك تقديسٌ، وأننا لا نُقَدِّسُ أحدًا، هذا الكلام يتردد مِن ألسنتهم فقط، وهناك فجوةٌ عميقةٌ بين التنظيرِ والتطبيق، فللإنسان أنْ يقول ما شاء، ويَدَّعي ما شاء، والكاشف القوي عن صِدْقِ هذا هو «التطبيق والواقع»، والتطبيق والواقع يُخبرنا أن قول هؤلاء بأنه ليس هناك تقديس لأحد، لا يجاوز تراقِيَهم؛ إذ إنهم عند التطبيق لا يتقبلون المساسَ برجل دين ممن ذاع صيتُهم مثلًا وأصبحت له شعبية جارفة، ولكي يَعلم القارئ عدم صِدق رجال الدين في قولهم إنه لا يوجد تقديس لأحد، فليختبر كل شخص مِنا ذلك بنفسه، وليتعرَّضْ بالنقد لبعضِ أفكار رجلِ دين ممن ينتسب إلى هذه الطبقة، خاصة إذا كانت له شعبيةٌ كبيرة، لِيَجِد على الفورِ سَيْلًا مِن الاتهاماتِ الجارفةِ، التي ترميه بالجهل والألفاظ القميئة والسب والشتم، واتهامه بأنه يطعن في العلماء وفي الدين! أرأيتم؟ يتهمون غيرَهم، ممن يتعرض لرجل دين منهم بأنه يطعن في «الدين» لا في «فهم» بعضهم للدين، وهذا ما أشرتُ إليه من أهمية التفرقة بين الدين ومنتسبيه، ولكي أضعَ يدَ القارئ على مثال حي في هذا الأمر لا كلام مُرسَل، فسأسوقُ هذا الموقف:

حدثَ أن تعرضَ الدكتور زكي نجيب محمود، والأديب يوسف إدريس، بالنقد لبعض أفكار وآراء الشيخ الشعراوي، وقد نال الدكتور زكي ويوسف إدريس جرَّاء ذلك هجمات شديدة من جماهير الشيخ ومريديه، لا أظن أنهما تَعَرَّضا لمثلها طوال حياتهما، على الرغم من كوْن النقْد -خاصة من الدكتور زكي- قد صيغ  بأشد العبارات تأدبًا ورِقَّة(٣).

ولم يكتفِ الشيخ بهجمات جماهيره ومؤيديه؛ ولكنه شَرَعَ في كيل الاتهامات لهما، متهمًا إياهم بأن «كل» كلامهم خارج الدين، وأنهم «يريدون» التعدي على مقدسات الدين وتشويهه(٤).

دعونا نقرر، ونُذَكِّر، أن الدكتور زكي نجيب محمود، ويوسف إدريس، تَعَرَّضا بالنقد لبعض أفكار الشيخ الشعراوي، ولكن أرأينا كيف يرى الشيخُ نفسَه هو وجماهيره؟ يرى أن التعرضَ لأفكاره بالنقد إنما هي تَعَدٍّ على مقدسات الدين، ولا نستطيع أن نَفهمَ من كلام الشيخ إلا أنه يساوي بين أفكاره وبين الدين المُقدَّس؛ ومِن ثَمَّ استعار قداسةَ الدين وأضْفاها على نفسه، وهذا مثالٌ واقعي على طبيعةِ نظرة رجال الدين لأنفسهم.

وليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد؛ فنفْس الشيخ -الشعراوي- لا يتوقف عند الكلامِ في الدين فقط؛ إذ يسمح لنفسه بالحديثِ عن التخصصاتِ العلمية التي لا يتقنها، وليست لديه أيَّة معرفة بها، فيتكلم في علوم الفلك وعَلاقة السماوات السبع ببعضها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل راحَ الشيخُ يقلل ويحقِّرُ من النظرياتِ العلميةِ الحديثة، ليصِل به الموقفُ إلى الذُّروةِ حين يقوم بتأكيدٍ قاطعٍ على أن علومَ الفضاءِ وتكنولوجيا الأقمارِ الصناعية كلها لا تساوي شيئًا، وأن الذي اخترعَ «ورقة الكلينكس» أو عود الكبريت قد أفاد البشريةَ بأكثر مما أفادها ذلك الذي اخترعَ صاروخًا يصل إلى القمر(٥).

إننا نَصِل بهذه إلى كيفية تدجين رجال الدين لعقول الجماهير، وذلك من خلال إبراز أنفسهم على أنهم يفقهون في كل شيء، وأن كلَّ رأي سواهم، حتى إذا كان يستندُ إلى أدلةٍ علمية، لا قيمةَ له، إن كل هذا من شأنه أن يعودَ بحالةٍ من الركودِ والجمودِ على المجتمع، مما يؤول بنا إلى التخلف عن رَكْبِ الحضارة، ومجاراةِ الأممِ من حولنا، فإما الاستفاقة في وجه هؤلاء، وتحجيم دورهم وكهنوتهم الذي يمارسونه على المجتمع، أو خسران عقولنا وأنفسنا، وتسليمها إلى هؤلاء يتلاعبون بها كما يحلو لهم، وليس هناك مستفيد من هكذا حال إلا رجال الدين.

وفي رأيي أن هناك عاملًا آخر، قد يكون مستترًا، في سبب إصرارِ رجال الدين على الاستبداد الفكري، والتمسك بالجمود، وتقديس آراء وردتْ في كتبٍ صفراء لبشر مثلنا، هذا السبب يتمثل في: الخوف على سلطتهم المركزية في المجتمع؛ حيث إن الناسَ لو تعلَّموا النقدَ والتمحيص لآراء رجال الدين، وتجرأوا على استخدام عقولهم بأنفسهم لا أن يفكر لهم غيرُهم، وانتشر هذا على نطاقٍ واسع؛ لَتفككتْ سُلطتُهم -أي سُلطة رجال الدين-، وخسروا نفوذَهم ومصالحهم؛ حيث إنهم حينئذ يكونوا قد كُشِفوا، ولم يصبح لديهم ما هو حصري ومقصور عليهم وحدهم؛ وهنا تنهار قداستُهم، وتضيع معها مصالحُهم.

ـــــــ

الهوامش:

ـــــــ

(١) مصطلح «رجال الدين»، ارتبطَ تاريخيًّا بالكهانة والتسلُّط مِن قِبَلِ الكنيسةِ الغربيةِ ورجالها على المجتمعِ، وتوغلهم في كافةِ الميادين، ولذلك، ومِن المفتَرَض ألا يكون عندنا في الإسلام «رجال دين»، وإنما «علماء دين»، والفارق بينهما يتمثل في كون المصطلح الأول (رجال الدين) يرتبط بالدكتاتورية الفكرية والتسلط، ولكن لأنه قد أصبحت عندنا طبقة تُضْفِي -ويُضْفَى عليها- طابعُ القداسة؛ فاستحقَّ هؤلاء لقب «رجال الدين» لا «علماء الدين»؛ لِمُشابهةِ حالهم في التسلط حال رجال الكنيسة في العصور المُظلمة في أوروبا.

(٢) د. فؤاد زكريا، «الجوانب الفكرية في مختلفِ النُّظُمِ الاجتماعية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٦.

(٣) د. فؤاد زكريا، «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة»،(ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م)، ص ٢٣.

(٥) د. زكي نجيب محمود، «قِيَم من التراث»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢١م)، ص ١١٥: ١١٦. 

(٦) د. فؤاد زكريا، «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة»، ص ٢٥: ٢٦.

ـــــــــــــــــــ

  • الفلسفة في قفصِ الاتِّهام.

في التاسعَ عشرَ من أغسطس عام ٢٠٢٤م، تم إلغاءُ مادة الفلسفة، كمادةٍ رئيسةٍ مضافة للمجموع في الثانويةِ العامةِ المصرية.

هذه الواقعة ليست الأولى في الحقبة المعاصرة؛ فقد حدثَ في العهد الناصري، أن اتُّخِذَ قرارٌ من كمال الدين حسين بإلغاء مادة الفلسفة من الثانوية العامة، غير أن هذا القرار واجهَ اعتراضاتٍ قويةً من بعض أساتذة الفلسفة، وعلى رأس الذين قاموا بالتصدي لهذا القرار: د. مراد وهبة، د. زكي نجيب محمود، د. عثمان أمين، مما اضطَّرَّ مُتَّخِذي القرار إلى التراجعِ عنه، وعودة مادة الفلسفة كمادة رئيسة في الثانوية العامة(١).

إن الفلسفة تعني -من ضمن ما تعني- طَرْحَ السؤال، فهل هناك تقدُّم ونهضة علمية، في أي مجال كان، دون طَرْح السؤال؟

إن الفلسفةَ تتطلب التفردَ والتفكيرَ النقدي، ومعنى أنْ تتم المحاولةُ، أكثر من مرة، لإقصاء الفلسفة كمادة تعليمية؛ إذن فهذا ليس عَبَثًا، ولكنها ذهنيةٌ تريدُ الاتباعَ لا الإبداع، تريدُ إماتة كل تفكيرٍ نقدي مِن شأنه أن يوجد، ومعنى أن تُلغى في مرحلة الثانوية العامة، أي أننا نقول للجيل الذي في هذه المرحلة: لا قيمةَ للتفكير ولا لإعمال العقلِ، ونُربِّي فيهم السمع والطاعة، ومِن ثَمَّ تَسْهُل السيطرةُ على هذه العقول، وتكون لديها قابليةِ التطرفِ أكثر من غيرها، ومعنى هذا أيضًا أننا نُسلِّمُهم للتيارات المتطرفةِ تتلاعبُ بعقولهم، وتسخِّرُهم لتأكيد تمددها في بِنية مجتمعاتنا.

ومِن الغريب أن بعضهم لا يَكُفُّ عن المناداة باتِّباعِ خُطَى الغربِ، وفي نفس الوقت تصل بهم الحالُ إلى ازدراء الفلسفةِ إلى حد إلغائها، فهل هم بذلك مُقلِّدون للغرب الذي يأخذونه أنموذجًا للاتباع؟ وهل قامتْ أوروبا بإلغاء الفلسفةِ وازدراء التفكير النقدي، والسعي وراء تنشئة جيلٍ منزوع التفكير النقدي، وغير قادرٍ على طرْح السؤال؟

الفلسفة والنهضة الأوروبية.

إن أوروبا الحالية، بكل ما فيها مِن تقدُّمٍ على المستوييْن: العلمي والفكري، تعود بهذا الفضل إلى عصر التنوير والذين أسسوا له، والذين جاءوا بعده وأكملوا المَسِيرةَ، وإذا عَلِمْنا أن هذا العصر قد دارتْ فيه، وفي الحقبة السابقةِ عليه، معاركُ طاحنةٌ بين الفكر اللاهوتي الأصولي المتشدد، الرافض لكل إبداعٍ وجديد، حتى على مستوى العلومِ التجريبيةِ، والرافض كذلك لأي خروجٍ عن النهْج التقليدي المتوارَث، هذه المعارك من قِبَل فلاسفة هذه الحقبة، كانت السبب الرئيس في القطيعة التي حدَثَتْ بين أوروبا المُظلمة، وأوروبا الحديثة(٢)، التي بدأتْ عصرًا جديدًا تُمثِّلُ الفلسفةُ الركنَ الرئيس فيه إلى جوارِ العِلْمِ التجريبي.

وإذا عَلِمْنا أن أبرز الأسماء في هذه الحقبة كانت أسماء مثل: ديكارت، فرانسيس بيكون،، سبينوزا، جون لوك، ديڤيد هيوم، إيمانويل كانط، ڤولتير…إلخ، كانوا فلاسفةً في المقام الأول، فأقولُ: أليست هذه دلالة على أن الفلسفةَ هي التي حَمَلَتْ على كاهلها عبء النهضة الأوروبية؟ وتَهْيئة الطريق أمام حضارةٍ عملاقة؟ إننا نرى أكثر الدول الغربية تقدمًا لم تفكِّر يومًا في إلغاء الفلسفة؛ بل على النقيض من ذلك؛ فإن الدراسات الفلسفية تزدهِرُ أكثر بشتى فروعها في هذه البلدان، ويتزايد عددُ المشتغلين بالفكر الفلسفي أضعاف ما كان عليه في السابق، وليس من ناحية العددِ فقط؛ وإنما من ناحية الموضوعاتِ الفلسفية المطروحة، والمشاكل التي تتصدَّى لها الفلسفةُ؛ للوصول فيها إلى حلول(٣).

إن الحاجةَ إلى الفلسفةِ تتمثلُ في الذي حلَّ بالعقل الإنساني من تغير من بنيته الذهنية، بحيث أصبح أداة لتدمير الحضارةِ الإنسانية بدلًا من أن يكون أداة لتطويرها، كما أن شيوعَ الفكر الأصولي من أبرز الأسبابِ الداعيةِ إلى إحياء الفلسفةِ والتفكيرِ الفلسفي؛ فالتوجُّه الأصولي المتزمت المنغلق دائمًا ما يَدَّعي أنه هو وحده القادر على حيازةِ الحقيقةِ المُطلقة، وحيث إن المُطَلَق بطبيعته واحدٌ لا يقبل التعدد؛ وبالتالي فإن مَن يدَّعي امتلاك الحقيقةِ المُطلقة لن يَسْمَحَ بظهورِ مُطْلَقٍ آخَر أو عِدة مُطلقات، وإذا تجرَّأتْ وتجاسَرَتْ هذه المُطلقاتُ وأرادت الظهورَ والإعلانَ عن نفسها؛ فالقضاءُ عليها أمرٌ لازمٌ عند مُلَّاك الحقيقة المُطلقة، ومِن هنا ينشأ صراعُ الأصولياتِ، وهو صراعٌ في حدِّهِ الأدنى التكفير، وفي حده الأقصى الإرهاب(٤).

ويكفي أن أنقلَ للقارئ نظرةَ الغربيين لمَن يحتقر الفلسفةَ ويهمِّشُها، ويظن أنها عديمة النفْع، ففي هذا الصدد، يرى الغربيون أن: الأصواتِ التي نسمعها اليوم تعلن عن قرْبِ انتهاء الفلسفة، أو الزَّعْم بأنها من الأمور الكمالية التي لا نفْعَ فيها، إنْ هي إلا أصوات تَصْدُرُ عن «جهل» بماهية الفلسفة ومعناها ورسالتها التي من المفترض أن تقوم بها، ونحن في بلادنا الناهضةِ، لا ينبغي أن نظنَّ أن الفلسفة الآن تُعَدُ نوعًا مِن الترفِ، وأن البلادَ النامية (يقصد دول العالَم الثالث المتخلفة) عندها ما يكفيها من التفكير في مسائل الحياة المادية؛ والفلسفة في حقيقةِ الأمرِ ليست ترفًا؛ وإنما الفلسفةُ -كما قال ديكارت- هي وحدها التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارةَ الأمةِ وثقافتها إنما تُقاسُ بمقدار شيوعِ التفلسف والفكر الفلسفي فيها، ولذلك فإن أجَلَّ نعمةٍ ينعمُ اللهُ بها على بلدٍ من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين(٥).

أرأينا كيف يُنظَر إلى المُهمِّشين للفلسفة؟ يُنظَر إليهم على أنهم أقوامٌ همجيون، ويرى الغرب أن احتقار الفلسفة إنما هي سِمَة الدول المتخلفة/ دول العالَم الثالث، كما وردَ في النص السابق.

وفي رأيي، أن هناك سببًا آخر لمحاولات إقصاءِ الفلسفة، بالإضافة إلى العاملِ السابقِ المذكور من كون هؤلاء يجهلون الفلسفة وقيمتها، وينغمسون في التفكير المتخلف، فأقولُ: هناك سبب آخر غير جهْل هؤلاء بالفلسفة، وهذا السبب يتمثل في: خوف بعضهم من شيوع التفكير الفلسفي، لأن شيوعَ هذا التفكيرِ يعني أن الوسطَ الذي ستنتشرُ فيه الفلسفةُ سيكون لديه وعي بما يدور حوله من أمور، ولن ينظرَ إلى الأمورِ نظرة سطحية، ولن يقبلَ الانقيادَ كالقطيع، ولن يكون مِن السهلِ إقناعه بتوافه الأمور، ولا بالتنازلِ عن حقه، فالفكرُ الفلسفيُّ لا يتناسب مع البيئات الاستبدادية في الفكر وغيره؛ فهذه البيئات يناسبها التفكيرُ الديني الأصولي المنغلق؛ فهو القادر على التبرير للأمر الواقع البائس، وإيجاد المستندات الشرعية له، وإلباسه ثوْب الشرْع والقداسة.

وآية ذلك أننا في الوقتِ الذي نجِدُ أن الفلسفة تم إقصاؤها كمادةٍ مضافة للمجموع من الثانوية العامة، والتهميش للفكر الفلسفي على قَدَمٍ وساق؛ نجِدُ على الجانبِ الآخر الإعلاءَ مِن سُلطة رجال الدين على الناسِ، وإبراز كثير منهم بخطاباتهم المُدَجِّنة للعقول، ولا أبرِّئ المتلقين وكثير من الناس مِن سبب الإزراء بالتفكير الفلسفي، وشيوع الفكر الأصولي على حسابه؛ فنحن نتحمل جزءًا من هذا الأمر؛ وذلك بالاستماع إلى هؤلاء وتقديسهم، حتى حدثَتْ تسوية -تقريبًا- في العقل الجمعي بين هؤلاء -رجال الدين- وبين الدين نفسه؛ ونتيجة ذلك أنْ أصبح النقْد لهؤلاء نقْدًا وطعنًا في الدين ذاته، ولا يمكن أن تزدهِرَ الفلسفةُ في بيئةٍ كهذه تسيطرُ فيها الأصولياتُ المنغلقة؛ فالأصولياتُ تزْعم امتلاك الحقيقة المُطلقة، بينما الفلسفة تدعو إلى النسبيةِ والسلام والتعايش والتعدد، ولا يمكن -في العقل المُطْلَق- أن يلتقي المُطلَق بالنسبي في كأس واحد، فالمُطلقات لا تريد إلا التفرد بالساحة.

وإذا كانت المعاناةُ مِن التيارات الدينيةِ والمتطرفةِ ظاهرةً، بما تتسببُ فيه مِن تكريسِ، بل وتقديس الجمود والجهل، ومواجهة أيَّةِ محاولاتٍ للإصلاحٍ؛ فإنه لم يَعُد أمامنا إلا إحياء الفلسفة كمادة رئيسة وإرجاعها إلى وضعها، بل أفضل من وضعها الذي كانت عليه؛ وتقريرها حتى على الشعبةِ العلمية، لا في الثانوية العامة فقط؛ بل وفي كافة الجامعات والكليات؛ فالفلسفةُ تتعلقُ بالتفكير وبناء العقل، الذي يُنتِجُ المعارَفَ والفنونَ والعلوم، ولا يكفي هذا فقط؛ ولكن لابد من إحياء الفلسفة كأسلوب حياة، وليس حصْرها في القاعات الأكاديميةِ فقط، وكقيمةٍ عُليا، لمواجهة حالة الركودِ والانحطاط، الذي خَيَّمَ وسيطرَ على العقلِ الجمعي، بحيث لا نترْك الساحةَ لتياراتٍ متطرفةٍ أو جامدة تُقدِّسُ الجهلَ وتُفرِزُ التطرفَ، ولا تريد إلا ترسيخَ مزيد من هذا الجهل و القداسة على نفسها وعلى خطابها، الذي يرى «أن كل الناس على خطأ، وهذا يُعَد نوعًا مِن الحَوَلِ الثقافي، الذي يَبْخَثُ تجارِبَ الآخرين حقها، لأن الثقافةَ تُملي على صاحبها أن يقْبَلَ التعددَ، بل والتغير؛ فلا يسعى لِمَحْو ثقافةِ الآخرين أفرادًا وأفكارًا…فالحقيقةُ لم يُصِبْها ككل أحدٌ بعينه، ولم يُخطئها ككل أحدٌ بعينه»(٦).

ــــــــ

الهوامش:

ــــــــ

(١) د. مراد وهبة، حوار في جريدة «المصري اليوم»، الاثنين: ٢٤-١٠-٢٠١٦م:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1029534

(٢) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(٣) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ترجمة: د. محمود حمدي زقزوق، (ط٣، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٩٦م)، ص ١٦: ١٧. 

(٤) د. مراد وهبة، «رؤيتي للقرن الحادي والعشرين»، (ط١، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠٢١م)، ص ١٥٩: ١٦٠.

(٥) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ص ٦.

(٦) د. سيد عبد الستار ميهوب، «هؤلاء المثقفون وفكرهم الإصلاحي»، (ط١، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، ٢٠٠٩م)، ص ١٦٥.

ــــــــــــــــــــ

  • عِلْمُ الكلامِ وسؤال العصر.

يترددُ أحيانًا على لسان بعضِهِم، أن مسائلَ عِلْمِ الكلام قد عفا عليها الزمنُ، وأنه ما الجدوى من الكلام الآن في خلافاتٍ تَمَّتْ قبل مئات السنين، فلنتحدث عن قضايا تمس واقعنا.

هذا فحوى الكلام الذي يفْتأ بعضهم يردده زاعمًا بذلك أنه يَعملُ على تطوير وتجديد الفكرِ الإسلامي، والقضية، في نظري، تحتاجُ إلى تفكيكٍ لهذا الاعتراض المُركَّبِ.

فمِن ناحية أننا لابد أن نتناولَ قضايا لها عَلاقةٌ بواقعنا، فهذا أمر لا شك فيه، وبالفعل لابد منه، وهو صحيح، هذه نقطة نتفق عليها بدايةً.

أما مكمن الخلل في الاعتراض المُركَّب، فيتمثل في أنه ينطوي، سواء بشكلٍ ضمني أو صريح، على أن القضايا الكلاميةَ التي وقعَ فيها الاختلافُ منذ مئات السنين، لم يَعُد لها جدوى في واقعنا، وأن تناولها غير مؤثر، وغير مفيد للحاضر الذي نحياه، وهنا يكمن لُب المشكلة والخلل في هذا الطَّرْح.

فالواقع الذي نحياه، والاصطفاف المذهبي، والتناحر الطائفي، لم يكن إلا على هذه القضايا في الأساس، فانقسام المسلمين إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، وغير ذلك من المذاهب والطوائف، كان قائمًا على هذه القضايا، بالإضافة إلى العامل السياسي التاريخي الذي دعَّم هذا الانقسام.

ومِن ثَمَّ تُصبح الدعوةُ إلى ترْكِ السبب والقضايا الرئيسة في انقسام الأمة شيئًا من العبث الفكري؛ فهذه القضايا، وإن زُعِمَ أنها في ظاهرها لا تمس الواقع، إلا أن الانقسام الدائرَ حولها هو سبب رئيس في حالة الضعف والتردي القائم، والذي تعاني منه الأمةُ أشد المعاناة.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو مواجهة هذه القضايا وليس الهروب منها، ولا أقصدُ بمواجهتها أن نطرحها من باب أن ينتصرَ كلُّ فريقٍ لنفسه ويُقْصي غيرَه، لا، وإلا فنحن بذلك لم نغيِّر شيئًا، وسنزيد الواقعَ سوءًا، ولكن الهدف والمقصد من مواجهة تلك القضايا، هو إقامة حوار بشأنها، وتغيير منهجيةِ التناول ولغته، فمثلًا: الخطابُ الكلامي القديم، في كثيرٍ من جوانبه واتجاهاته، يقوم على «الإقصاء» للآخَر وتبديعه أحيانًا، وتفسيقه أحيانًا، وتكفيره أحيانًا أخرى، بل والسخرية من الخصم والشماتة فيه وسَبِّه(١)، وهذا ما نحتاج بالضبط إلى معالجته، فنتناول هذا بآلية وخطوات واضحة، كالتالي:

أولًا: نعيدُ بحْث كثير من القضايا وننظر فيها، فلربما كان جزء من الخلاف من قبيل «الخلاف اللفظي»، وحينها يهون الأمر كثيرًا ونَعلَمُ أن المضمون واحدٌ وإن اختلفت العبارة.

ثانيًا: ننظر في مدى قطعية هذه الاختلافات، وفي ظني أن هذه الاختلافات مِن قبيل الظني الذي لا نستطيع أن نقطع من كل وجه على صحته، وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذا النحو، فهل يصبح من العقل أن نتطاحن على قضايا ليست بالقطعية من الأساس؟!

ثالثًا: منهجية الخطاب، وكما تقدَّم، كانت المنهجيةُ الكلاميةُ القديمةُ -أغلبها- قائمة على الإقصاء في جوانب عديدة، والتجديد لا يكون بالإهمال والتَّرْك لكل شيء كما هو عليه؛ وإنما بتوضيح هذه القضايا وإقامة النقاش حولها، سعيًا إلى تغيير منهجية «الإقصاء» إلى «التعايش» مع الآخَر وتَقَبُّله.

ولربما قال قائل: لن تجدي هذه المحاولات شيئًا، فكلٌّ سيبقى على ما هو عليه.

لتأتي الإجابة وأقولُ: إذا كان تناول هذه القضايا ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لن يجدي، فهل التَّرْك لهذه المسائل يجدي؟! فعلى أقل تقدير، تناول هذه القضايا بمنهجية عقلانية غير إقصائية، مِن شأنه أن يقوم بعمل حراك فكري، ثمرتُه تأتي عاجلًا أو آجلًا، وما الثورة الفكرية في أوروبا على العصور المظلمة ببعيدة، فلم تَصِل أوروبا إلى ما هي فيه من يومٍ وليلةٍ، وإنما من محاولاتٍ دؤوبةٍ في طريق تمهيد الطريق للإصلاح والتجديد والتأسيس، وراح في سبيل ذلك ضحايا، ودَفَعَ آخرون ضريبةً باهظةً جرَّاء هذا التجديد، فأوروبا لم تصل إلى حالها هذا فجأة، ولم تهبط عليها الحضارةُ هديةً من السماء(٢)، هذه ثمرةٌ مرجوةٌ مِن تناول هذه القضايا.

أما على الجانب الآخَرِ، فإن إغلاق هذه القضايا بزَعْم أنها لا جدوى منها، ما ثمرته؟ ثمرته أن كل شيء سيصبح كما هو عليه، التناحر المذهبي ظاهر وواقع، وجزء منه كامنٌ، وعلى استعداد أن يلتهمَ سعي الأمة ويدحض محاولة نهضتها.

كما أنه من غير المنطقي أن تكون هناك قضايا شائكة تمس جوهرَ الواقع، كالفِكْر الجبري والتواكلي والمُشَرْعِن لكثير من الخطايا، ثم نقول بعد ذلك: هذه خلافات تاريخية ما دخْلنا بها! فتكون هذه الدعوة بذلك قد خدَمَتِ اتجاهاتٍ بعينها، مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه، ومن رَوَاجِ فكرها، وسيطرتها الكاملة على العقل الجمعي، واستخدام ذلك في التنكيل بغيرهم، هذه أبعاد قد تكون غير مرئية وراء هذه الاختلافات، وهي أبعاد اجتماعية بالغة الخطر، ومِن ثَمَّ تصبح مواجهة هذا الحَشْد ضرورة فكرية ودينية واجتماعية، وإلا، فمَن يتمسكُ بغلْق هذه القضايا ويزعم عدم جدواها، فهو بذلك يُكرِّس للخطاب السائد، والذي هو المستفيد الأكبر من بقاء الأوضاع كما هي عليها.

وهذا كله لا ينفي التفاعلَ مع المستجدات الفكرية، فنتفاعل معها، ولكن ليس على حساب خطاب كامن شَكَّلَ العقلَ الجمعي، ثم بعد ذلك ندعو إلى إغلاقِ كل شيء وبقاء الأوضاع كما هي عليه.

وهذا التناول، بهذه المنهجية، لهذه القضايا جزء من تجديد عِلْم الكلام، فتجديد عِلْم الكلام لا يكون فقط بطرْح قضايا جديدة بالكلية لا علاقة لها بالتراث، هذا تعريف بعضهم لتجديد عِلْم الكلام، وبناء عليه يصبح تناول أية قضايا تراثية لا لندرج تحت عِلْم الكلام الجديد، وفي نظري هذا قصورٌ في النظر إلى تجديد عِلْمِ الكلام؛ فتجديد عِلْم الكلام لا يكون، فقط، بتناول قضايا جديدة؛ وإنما -أيضًا- بإعادة طرْح قضايا قديمة ولكن بتغيير منهجيةِ التناول.

ومن الاعتراضات المطروحة أيضًا على عِلم الكلام: اتهامُه بأنه سبب الفرقة بين المسلمين! فهل بالفعل يتحملُ عِلمُ الكلام -من حيث كونه عِلمًا- الانشقاق الذي حدث بين الأمة؟ بمعنى آخر: هل عِلم الكلام هو الذي «أنشأ» هذا الخلاف والانشقاق؟

إذا نظرنا إلى نشأة علم الكلام؛ نجدُ أنه نشأ في فترةٍ مبكرةٍ من التاريخ الإسلامي، بسببِ عدد من العوامل الداخلية، وعلى رأس هذه القضايا: قضية الإمامة(٣). وإذا عَلِمنا أن الجذور الأولى لبذوغ قضية الإمامة كان بُعَيْد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فكيف يكون عِلم الكلام هو الذي أنشأ الخلاف؟ ومَن السابق؟ بمعنى: هل كان قبل بذوغ الاختلاف حول الإمامة يوجد تنظير وعلماء كلامٍ ثم جاء الاختلافُ حول الإمامة متأثرًا بهذا التنظير ومستجيبًا له؟ أو أن العكس هو الحاصل، وأن عِلم الكلام جاء ليصوغ أمرًا قد وقعَ وحدثَ بالفعل قبل التنظيرات الكلامية؟ الواضح هو أن السؤال الأخير هو الأدق، فقد أثبتنا وجود ونشأة البذور الأولى العِلم الكلام، متمثلًا -في البداية- في قضية الإمامة، والتي كان ظهورها قبل أي تأليفٍ وتنظيرٍ كلامي، ومِن ثَمَّ، كيف يتأتَّى لنا بعد ذلك أن نقول إن عِلم الكلام هو سبب الاختلاف بين المسلمين؟ الواقع أن نقيض هذا الطَّرْح هو الصحيح كما أثبتنا.

ــــــــ

الهوامش:

ــــــــ

(1) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق». تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ن)، ص ١١: ١٢.

(2) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(3) د. عبد الجبار الرفاعي، «عِلم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العِلم والدين». (ط١، تونس، دار التنوير، ٢٠١٦م)، ص ٧.

ـــــــــــــــــــــ

  • فلسفةُ الأرزاق في الخطاب الجبْري المعاصر.

منبر العراق الحر :يؤدِّي بعضُ «رجال الدين» أدوارًا مِن شأنها أن تُكرِّسَ الفقرَ وتُشَرْعِنه، وتَرفع المسؤوليةَ عن كاهل بعضهم، وتبرِّر للأوضاع القائمة، محاولين بذلك إقناع الذين يتبعونهم بأن الفقرَ والغنى قضاءٌ وقدرٌ -بمعناهما الجبري-، يجبُ التسليمُ له والرضا به، وإلا يُعَد الشخصُ ساخطًا على الله، رافضًا لقضائه.

ومن أشهر النظريات العجيبة التي خرجَ بها أحدُ رجال الدين، تلك النظرية التي ابتكرها، وأصبحت تترددُ على الألسنةِ بكثرة، هذه النظرية تتمثل في: أن كل إنسانٍ له 24 قيراطًا من الرزق، ويختلفُ توزيعها من شخصٍ إلى آخَر، بمعنى أن رزق شخص ما 24 قيراطّا، ويكون تقسيمهم مختلفًا باختلاف الأشخاص.

فمثلًا: شخصٌ ما، له 24 قيراطًا، وآخَر له نفس نصيبه 24 قيراطًا، وكل الناس على هذا المنوال، ولكنهم يختلفون في توزيع هذه الأرزاق، فهناك شخص يأخذها في الصحة والأولاد، وآخَر يأخذها المال والجمال، وثالث يأخذها في السُلْطة، وهكذا فلا يوجد بهذه الطريقةِ تفاوت بين الناس، فكلٌّ أخذَ نصيبَه بشكل معين.

ولا يخفى ما في هذه النظرةِ من تبريرٍ لأوضاعِ الفقراءِ، وشَرْعنة للفقر، فطالما أن النظريةَ تقول إن كل إنسانٍ أخذَ نصيبه بطريقة أو بأخرى، فينتهي حينئذ أي اعتراض أو مطالبة بأية حقوق، ولا يمكن حينها أن يتحدثَ أحدهم في وجود ظلمٍ اجتماعي، كما ينتهي طموحُ الفردِ فورًا مع هذه النظريةِ؛ فلو كنت فقيرًا فأنت أخذتَ نصيبك كاملًا من الصحة والأولاد، فعلامَ السعي؟ ولو كنت غنيًّا ومريضًا، فلا مجال للتخلص من المرض، لأنه جزءٌ وركن رئيس من تقسيمة الأرزاق! وأي تغييرٍ في فقرك؛ سيعني بالضرورةِ أن يتم سحْبُ إحدى المميزات والأرزاق الأخرى منك، حتى تتم المحافظةُ على نظام الـ 24 قيراطًا، التي لا يمكن أن تتعداها! فكأن المالَ والأولادَ وراحةَ البالِ والسعادة لا يجتمعون مثلًا في هذه النظرية!

ولسنا في حاجةٍ إلى عناءٍ شديد لبيان تهافتِ وسَخَفِ وسذاجةِ تلك النظريةِ، ومحاولتها لتبريرِ الواقعِ الاجتماعيِّ البائس، ورفْع المساءلة عن بعضهم، فيكفي أن تنظرَ في عشراتِ بل ومئات الأمثلةِ من حولك؛ لتنْقُضَ هذه النظريةَ المتهافتةَ في نظرتها إلى الأرزاق، لأن مقتضاها أن الفقيرَ دائمًا تصاحبُه راحةُ البالِ والصحةُ والسعادة، والغني تُنْزَعُ منه هذه الراحةُ وتلك السعادة، ولكن ماذا لو أتينا لصاحبِ هذه النظريةِ بعشرات الأمثلةِ، يكون فيها الشخصُ غنيًّا، ومرتاح البال، ومعه أولاد، وصحته جيدة، وفي سعادة غامرة؟ ألا توجَد هذه الأمثلة في الواقع؟ وماذا يكون رد صاحبِ النظريةِ على هذا الخَرْقِ لنظريتِه؟

وعلى النقيض: ماذا عن مئات وآلاف الحالات التي نشاهدها بأم أعيننا كل يومٍ، من وجود الفقراء الذين يصاحبهم المرضُ ولا يجدون علاجًا؟ ماذا عن عشراتِ المستشفياتِ العامةِ التي تكتظُّ بالفقراءِ والمعدومين، الذين أثقلتهم الأمراضُ، وقَضَّ مضجعَهم القلقُ والخوفُ من تدبيرِ وتوفيرِ قوتِ أولادِهم أو أنفسهم وأسَرِهم؟ أين السعادةُ وراحة البال التي وعدهم بها صاحبُ نظرية الـ 24 قيراطًا؟ إننا نجدُ أن نقيضَ كلامِه يتحققُ في الواقع؛ فالفقيرُ غالبًا هو المُثقَلُ بالهمومِ التي لا تفارقُه، وإلا لَمَا كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، استعاذَ من الفقرِ وغلبةِ الدين وقهْر الرجال!

إنها نظريةٌ كأنها صُنِعَتْ بعنايةٍ لتخديرِ الناسِ والفقراءِ، وتكميم أفواههم، وإرهابهم بعدم الاعتراضِ على نصيبهم من الرزق، فلْيرضوا أن يبقوا في طبقةِ المعذَّبين في الأرضِ، فصاحبُ النظرية حسمها لهم وأخبرهم أنهم أخذوا رزقهم كاملًا، مثلهم مثل أغنى الأغنياء: 24 قيراطًا بالتمام والكمال، فانتهى بذلك أيُّ كلامٍ ونقاشٍ وطموح، ورَحِمَ ربي صاحبَ هذه النظريةِ، الذي جَمَعَ بين المالِ والأولادِ والشهرةِ والمناصبِ والسعادة، بينما راح يقنعُ غيرَه بأوضاعهم البائسة، ويرفعُ عن كاهلِ الظالمين كل مسؤوليةٍ وإحساسٍ بالظلمِ، ويطمئنهم أن يناموا قَرِيري العين؛ فإنهم لم يفعلوا شيئًا يستحقُّ تأنيب ضميرِهم، فالأرزاقُ مُقسَّمةٌ بالنظام البارع 24 قيراطًا، ولا مجالَ لأي حديثٍ آخَر.

ــــــــــــــــــــ

  • تفاحةُ نيوتن.

مِن سِمات العقلِ الخرافي والأسطوري، أنه يميلُ، غالبًا، إلى التبسيطِ والاختزال، وإلى إرضاء الخيال أكثر مِن إرضاء العقل والمنطق، ونَجِدُ هذا جليًّا في قصةٍ مِن أشهرِ القصصِ في التاريخ العلمي، وهي:

أن نيوتن، أثناءَ جلوسِهِ تحت الشجرة، سقطتْ على رأسِهِ تفاحةٌ، وكان هذا السقوطُ سببًا مباشرًا في اكتشافِ نيوتن لقانون الجاذبية!

ولقد تحوَّلَتْ هذه القصةُ إلى أيقونةٍ تترددُ في محافلَ كثيرةٍ، إلى درجةِ أن أولَ شعارٍ لشركة «آبل»، كان يمثِّلُ نيوتن تحت شجرة التفاح، ولكن هذا الرمزَ تم تغييرُه لاحقًا إلى التفاحة الشهيرة الحالية(١).

إن أولَ ذِكْرٍ لقصةِ نيوتن مع التفاحة، كانت عن طريقِ الفيلسوف والكاتبِ الفرنسي: ڤولتير، الذي نَقَلَها عن كاثرين بارتون، ابنة أخت نيوتن، ونقلَ هذه الواقعةَ في كتابٍ كتبَه بالإنجليزية في عام 1727م، وهو العام الذي تُوفي فيه نيوتن، وجاء في رواية ڤولتير: أنه خَطَرَتْ فكرةُ الجاذبية لنيوتن عندما رأى تفاحةً تَسقط مِن شجرة، أثناء تجوله في الحديقة آنذاك(٢).

 

وفي روايةٍ في كتاب مذكرات حياة السير إسحاق نيوتن، الذي كتبه صديقُه وليام ستوكلي، يَذْكر:

في الخامسَ عشرَ من إبريل، زُرْتُ نيوتن ليلًا، وذهبنا إلى الحديقة، وتناولنا الشاي تحتَ ظلال بعض أشجارِ التفاح بمفردنا، وأثناء حديثنا، أخبرني نيوتن أن فكرة الجاذبية أتتْه أول مرة في وضعه الذي هو فيه الآن، عندما سَقَطَتِ التفاحةُ أمامه، وتساءلَ: لماذا لا تنحرفُ يمينًا أو شمالًا، ولماذا لا تذهب إلى الأعلى(٣).

ونستنتجُ من هذه النصوص، أن سقوطَ تفاحةٍ على رأس نيوتن لم يَحدث بأي حال مِن الأحوال، فحتى النصوص الغربية، التي ذَكَرت القصةَ، كما تقدَّم، توضحُ أن نيوتن رأى تفاحةً تَسقط، ولم يَرِد أبدًا أنها سقطتْ على رأسه.

لا يقتصر الأمرُ والنَّقْدُ لقصة التفاحة على هذا الحد؛ فإثبات عدم سقوط التفاحة على رأس نيوتن- كما تقدَّمَ- كما يشيع ذلك، غالبًا، في القصص والكتابات التي تتناولها، ليس هو المراد فقط؛ وإنما القصدُ ينصبُّ على مدى الاختزالِ والتبسيطِ لاكتشافٍ علمي كبير كقانون الجاذبية، وحَصْر ذلك في لحظة عابرة سقطتْ فيها التفاحةُ؛ فاكتشف نيوتن قانون الجاذبية!

إن هذه السرديةَ تحوِّلُ العِلْمَ الذي يتطلبُ البحثَ والتقصي والعملَ الدؤوب، إلى لحظاتٍ أسطورية ساذجة، بل وتَجعلُ النظرياتِ التي يُعمَلُ عليها، منذ مئات، السنين شيئًا بسيطًا، يُختَزَل في مشهدِ سقوطٍ لتفاحة.

إن الأمرَ أعمق، كذلك، مِن وقوعِ هذه القصة مِن عدمها؛ إذ ليس من المستبعَد أن يرى إنسانٌ تفاحةً تسقط، فهذا يَحدُثُ بلا شك، وليس مِن المستبعَد أيضًا سقوطها على رأس إنسان، رغم عدم حدوث ذلك مع نيوتن، كما أثبتنا سابقًا، ولكن الخللَ يَتمثلُ في حَصْر واختزال الاكتشاف لقانون الجاذبية في لحظة عابرة، على الرغم أنه مِن الثابت أن نيوتن نفسه أقر بأن ما توصلَ إليه، إنما هو ثمرةُ عملٍ طويل، يتجاوز حَصْرَه في شخصه فقط؛ إذ إنه جُهد متواصل لعلماء كثيرين(٤)، فكيف بعد ذلك نحصُرُه في ثوانٍ معدودةٍ سقطتْ فيها التفاحةُ على رأسه؟!

فالعِبرة لم تكن في تفاحةِ نيوتن؛ وإنما في «عقْل» نيوتن؛ فالتفاحُ وسقوطه قد يَحدُث لنيوتن ولغيره، والتفاحُ يَسقُطُ من الشجر قبل نيوتن، فلماذا لم يَكتشف أحدُهم الجاذبيةَ بمجرد رؤيته لتفاحة تسقط؟

إننا لا ننكرُ وجودَ لحظات مُلهمة للإنسان، ولكن هذه اللحظات لا تُولِّدُ عِلمًا وقانونًا كاملًا مِن الألف إلى الياء، كما يَزْعُمُ أصحابُ قصةِ التفاحة؛ ولكنها تكون لحظات دافعة للإنسان إلى البحثِ والتقصي، فالعِلْمُ جُهدٌ متصل، لا لحظات عابرة، بدليل أن فكرةَ الجاذبيةِ هذه شَغَلَتْ كثيرًا مِن العلماء قبل نيوتن، حتى منذ عهد أرسطو نفسه، هذا بغض النظر عن صحةِ نظرهم للجاذبية من عدمه، ولكن الفكرة ذاتها -الجاذبية- كانت محل بحثٍ ونظر عبر قرون متتابعة، ولم تُولد في لحظة سقوط تفاحةٍ على رأس نيوتن!. 

ـــــــــــ

الهوامش:

ــــــــــــ

(١) أنطوان هولو ـ جارسيا، «لم تسقط التفاحة على رأس نيوتن». ترجمة: أحمد عصام، (ط١، القاهرة، دار الرواق، ٢٠٢٥م)، ص ٦.

(٢) المصدر السابق، ص ٧.

(٣) المصدر السابق، ص ٧: ٨.

(٤) رونالد سترومبرج، «تاريخ الفكر الأوروبي الحديث». ترجمة: أحمد الشيباني، (ط٣، القاهرة، دار القارئ العربي، ١٩٩٤م)، ص ٨٧.

ــــــــــــــــــــــ

  • الثوابت والقطعيات: تفكيكٌ لسيولة الدلالة ومآلاتها.

كم مِنَّا سمعَ مصطلحات مثل: «الثوابت»، و «المعلوم من الدين بالضرورة»، تترددُ في الأوساط الدينية والفكرية؟ إنها مصطلحاتٌ مِن أكثرِ المصطلحاتِ المُستَخدَمَةِ مِن قِبَلِ «رجال الدين»؛ حيث يصدِّرونها في وجهِ كلِّ مَن أرادَ أن يسْلكَ طريقَ الاجتهادِ والتجديد، ولكن المصطلحَ -الثوابت- شديدُ الميوعة والسيولة؛ وهذا ما دفعني إلى أن أكتبَ في تفكيك هذا الادِّعاء، الذي دائمًا ما تتلقفه آذانُنا ليلَ نهار.

إن من أهم النقاط في طريق «المنهجية»: تحرير المصطلحات، وبيان ما تنطوي عليه من مضمون، وفي هذا السياق نسأل عدة أسئلة تتعلق بإشكالية «الثوابت»:

هل مصطلح «الثوابت» يعبِّر بالفعل عن المضمون الذي يُروَّج له من كون الثوابت أمورًا قطعية لا خلافَ عليها؟

ثم: مَن الذي يُحدِّدُ هذه الثوابت؟ وهل عند اختبار هذا الادعاء نجد تطابقًا بينه وبين الواقع؟ وما مقدار هذه الثوابت؟ ومعيار تحديدها؟

كل هذه أسئلة تتولد عن إطلاق مصطلح «الثوابت» ومشتقاته، ولنبدأ بتوجيه سؤال محوري لمَن يطلقون هذا المصطلح: أي ثوابت تَعنُون؟ أتريدون بهذه الثواب -على سبيل المثال- «نص» القرآن الكريم بالنسبةِ للمسلمين؟ «إن» كان هذا مقصودكم من إطلاق كلمة ثوابت؛ فعلى الرَّحْبِ والسعة، ولكن الإشكال أن أغلب المرددين لهذا المصطلح يطلقونه على نطاقٍ واسعٍ، يشملُ عددًا غير قليل من القضايا المذهبية، التي تنتمي إلى مذهبهم فقط، ثم يقولون إنها من ثوابت الدين.

فتعالَ أسوقُ لك، على سبيل المثال لا الحصر، بعضَ القضايا؛ حتى نرى: أفيها اتفاق وثوابت أم لا؟

ولنبدأ بقضية «الإمامة»، تلك القضية الكبرى التي دارَ حولها خلافٌ طاحنٌ في تاريخنا الفكري، هل هناك اتفاقٌ حدثَ على الإمامةِ وتصورها مثلًا حتى ندَّعِي بعد ذلك أنها من «القطعيات» و «الثوابت»؟ يقول الشهرستاني فيما يتعلق بالخلاف حول الإمامة: «وأعظمُ خلافٍ بين الأمةِ خلافُ الإمامة؛ إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلامِ على قاعدةٍ دينيةٍ مثل ما سُلَّ على الإمامة»(١).

وها هو ينص الشهرستاني على: لا وقوع الخلاف فقط حول الإمامة؛ بل يصفه بأنه أعظم خلاف حدثَ بين المسلمين، منذ بواكير الإسلام، وبين الصحابةِ الكبار أنفسهم، وبهذا سيصبح من نافلة القول عدم وجود شِبْه اتفاق على الإمامة، ولا أي من تفاصيلها.

ولنتطرقْ إلى قضية أخرى، وهي: 

القطعي والظَّنِّي في القرآن، أو: المُحكَم والمتشابه. 

هل يوجد اتفاقٌ أصلًا على «القطعيات» والمُحْكَمَات التي وردت في القرآن الكريم؟

لو نزَلنا إلى ميدان التطبيق؛ سنجد أن «كل واحدٍ مِن أصحابِ المذاهب يدَّعي أن الآيات الموافقة لمذهبِهِ مُحْكَمَة، والآيات الموافقة لمذهبِ الخصمِ متشابهة؛ فالمعتزلي يقول: إن قوله تعالى: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]، مُحْكَمَة، وقوله: «وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ». [سورة الإنسان، مِن الآية: ٣٠] مُتشابهة، والسُّنِّيُّ يَقْلِبُ القضيةَ في هذا الباب، والأمثلة كثيرة»(٢).

والنصُّ السابق يشرحُ نفسه، وينطقُ بأن كل مذهبٍ يبتكرُ معيارًا من عنده للمُحْكَمِ والمتشابه؛ ومِن ثَمَّ ينعدمُ أي اتفاق على هذا الأمر فضلًا عن أنْ يكون من الثوابت أو القطعيات، وهذا يمسُّ سؤالًا طرحناه في بدايةِ هذه المقالة، والذي يقول: مَن الذي يحدِّدُ هذه الثوابت؟ والنصُّ السابقُ الذي عرَضناه للفخر الرازي كافٍ في الإجابة، وهي أن الذي يحدِّدُ هو «الهوى المذهبي»، ولا معيار في هذا الصددِ سوى الهوى.

ولننتقل إلى قضية أخرى، وهي: الانتساب إلى «أهل السُّنَّةِ والجماعة»، هل هناك معيارٌ «غير مذهبي»، أو مجموعة قواعد نلجأ إليها لتخبرنا أن شخصًا ما يندرج تحت «أهل السُّنة»، وغيره يُعَد من المحرومين من هذا الاندراج؟

في هذه النقطة أيضًا سنجد «الهوى» هو الذي يحدِّدُ، ولا يوجد معيار مُتَّفَقٌ عليه نحتكمُ إليه في هذا الاختلاف، ولقد وصَّفَ الزمخشريُّ هذا الأمرَ خير توصيفٍ حين قال: لَجَمَاعةٌ سمُّوا «هواهم» سُنَّةً وجماعة(٣)، أي حتى هذه القضية لا يوجد معيار فيها؛ وإنما المعيار على طريقةِ قول القائل: كُلٌّ يَدَّعي وَصْلًا بِلَيْلَى.

ولقد تطرَّفَ أحدُهُم فيما له تعلق بالثوابت، وزعَمَ أن مَن يتكلم بالنقْد عن حديثٍ وردَ في صحيح البخاري؛ فهو بذلك ينقضُ وينقد «ثوابت» الدين(٤)، مع أن صحيح البخاري ليس عليه اتفاق بين الفِرَق الإسلامية، وإنما هو محل تبجيل ممن ينتسبون إلى «أهل السُّنة»، بل وحتى داخل أهل السنة، هناك مَن تعرضَ بالنقد لبعض الأحاديث التي وردت في صحيح البخاري، مثل حديث «سِحْر النبي» صلى الله عليه وسلم، والذي قال عنه أبو بكر الجصاص: إنه مِن وَضْع الملحدين(٥)، فكيف بعد ذلك يَزعم أحدهم ويتوهم أن مَن يتعرض لحديث في صحيح البخاري بالنقد؛ فهو بذلك ينقض وينقد ثوابت الدين؟ الظاهر أنه يقصد الثوابت التي على هواه، فليس هناك ثوابت مُتَّفَقٌ عليها أصلًا فيما نعرضه حتى تُنْقَض.

ثم ننتقلُ إلى قضية أخرى: وهي: «تأويل القرآن» وتفسيره، هل اتفقتْ كلمةُ المسلمين على تفسير القرآن؟ الإجابة لا، وحتى الذين دائمًا يقولون إن القرآن هو المعيار، فقولهم هو قولٌ عام، يصدرونه بحيث لا يستطيع المتلقي الاعتراضَ عليه، وإلا تم تكفيره، ولكننا إذا قمنا بتفكيك أقوالٍ محدَّدةٍ، من قبيل: «الاحتكام إلى القرآن» و «القرآن هو المعيار»، و «الرأي الصحيح هو ما وافقَ القرآن»؛ سنجد أن كل هذه العبارات عبارات بها نوع من السيولة، تُساق في مقام التخويف أو التدليس، لأن القرآن من حيث هو «نص» لا نتكلم فيه، وإنما الكلام عن «تفسير وتأويل» النص، وبالتالي، فإن مَن يقول لك: القول الصحيح هو ما نطقَ به القرآن؛ قل له فورًا: بأي تفسير للقرآن؟ تفسير السُّني أم المعتزلي أم الشيعي أم الخارجي أم الأشعري…إلخ مِن التفسيرات؟ فإطلاق المصطلح هكذا خادعٌ، وينطوي على قدر من إرهاب المتلقي؛ إذ عندما يُقال له «إن الحق ما وافقَ القرآن»؛ بناء على ظاهر هذه العبارة لن يجرؤ على الاعتراض؛ وإلا لَعُدَّ أنه يَعترض على القرآن، بينما القائل للعبارة الخادعة -في هذا السياق- «إن الحق ما وافق القرآن، أو ما وافق القرآنَ والسُّنة» يَقْصد أن الحق هو ما وافقَ «هواه» و «تفسيره للقرآن» لا «للقرآن» ذاته؛ فكما قال الإمامُ علي بن أبي طالب -عليه السلام-: القرآنُ بين دفَّتَي المصحفِ لا يتكلم؛ وإنما يَنطقُ به الرجالُ.

وإذا كانت أكبرُ القضايا -كما عرضناها سابقًا- لم يَحدُثْ عليها شِبْه اتفاق، وإنما الاختلاف متجذِّر في كل تفاصيلها، فما الأمرُ في الذين يَلُوكُون مصطلحات: «الثوابت»، و «القطعيات»، و «المعلوم من الدين بالضرورة» والتي على شاكلتها؟ وإذا كان الاختلافُ واقعًا في هذه القضايا الكبرى، فما بالنا بما هو أقل وأصغر منها؟ وسيتضحُ لنا حينئذ أنها مصطلحات -في الغالب- خالية مِن أي مضمون؛ وإنما يتم ترديدها مِن قبيل «تخويف» المُتلَقِّي، الذي ارتبطَ في ذهنِهِ أن الثوابت هذه أمورٌ لا تقبل النقاشَ ولا المَسَاسَ، وأن الاقتراب منها يُفضي لا محالةَ إلى تكفيرِهِ، وربما استحلال دمه، بينما حقيقة الأمر أن كلَّ -أو أغلب؛ لخطر «التعميم» من الناحية المنطقيةِ- ما يُزْعَمُ أنه من الثوابت، ليس مِن الثوابت في شيء، فالاختلاف واقع في كل القضايا الكبرى التي عرضناها، وكذلك الصغرى من باب أولى، وعلى هذا؛ يتبين لنا مدى التدليس الذي يُمارَسُ على الناس، من خلال إيهامهم بثوابت وقطعيات، بينما هي آراء شخصية وأيديولوجيات، يروِّجها أصحابُها على أنها القول الفصل والنهائي.

ولا يجب علينا أن نستهينَ بخطر هذا التدليس؛ إذ هذا التفكيك ليس من قبيل الترف الفكري؛ وإنما جاء تحليلي النقدي لهذه القضية؛ لِمَا يترتبُ عليها من إرهاب لكل مختلِف مع رجال الدين، بل وتهديد لحياة الشخص نفسه إذا ما صدَّقَ المجتمعُ أن هذا الشخصَ قد خالفَ ثوابت الدين وقطعياته، كما يقول رجال الدين، وسأضربُ مثالًا تطبيقيًّا على هذه القضية وما تمثله من خطورة، وهي لشخص تعرضَ للاتهام بمخالفة الثوابت والقطعيات، ثم بُني على هذا الاتهام أذى كبير لنفسه ولأسرته وحياته، وهذا الشخص هو:

الدكتور نصر حامد أبو زيد.

في قضيته الشهيرة في تسعينيات القرن الماضي، تم اتهامه بالرِّدَّة عن الإسلام، وبناء على ذلك؛ حُكِمَ بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، ومِن ضمن المسوِّغات التي اعتُمِدَ عليها في هذا الحُكْم: ذلك الاتهام الذي ساقه عبد الصبور شاهين في حق الدكتور نصر حامد أبو زيد؛ إذ اتهمَه بأنه «يُنكِر معلومًا من الدين بالضرورة»، وأنه يتهجم على «الغيب» الذي هو أساس الإيمان(٦)، مع أن نصر حامد أبو زيد يفرِّقُ بوضوح بين «الدين» و «الفكر الديني»؛ فالدين مُقدَّسٌ، بينما الفكر الديني ما هو إلا اجتهادات بشرية لا يمكن أن تأخذ صفةَ القداسةِ التي هي للدين ذاته(٧).

وهذا الذي أشرنا إليه سابقًا، من أن رجال الدين يظنون أن هواهم وآراءهم قطعيات وثوابت ليس بينها وبين الدين أي فرق يُذكر؛ ودليل ذلك ما ذكرناه من أن نصر حامد أبو زيد يفرق بوضوح بين الدين والفكر الديني، ودليل آخر: يتمثل في أن عنوان كتابه «نقْد الخطاب الديني» يكفي لإبطال أي تصور من كونه يوجه نقده للدين أو «المعلوم من الدين بالضرورة» كما يتهمه عبد الصبور شاهين، فعنوان الكتاب كاشفٌ بنفسه ونصه على أن النقد موجَّهٌ «للخطاب الديني» وليس «للدين» ذاته.

أرأينا خطورة الأمر؟ وأن التلاعبَ بالمصطلحاتِ وتصديرها دون مضمون حقيقي تحتها كان كفيلًا بأن يتسبب في اتهام شخص بريء بأنه مرتدٌ عن الدين؛ بل والتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك، بالتفريق بينه وبين زوجته! أي أن الأذى تعدى الأمر الفكري، ليقتحم الأسرة نفسها، ويسعى إلى تفكيكها وتدميرها.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) الشهرستاني، «المِلَلُ والنِّحَل»، تحقيق: أمير علي مهنا ـ علي حسن فاعور، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ١٩٩٣م)، ص ٣١.

(٢) الفخر الرازي، «تأسيس التقديس»، عُني به: أنس محمد عدنان ـ أحمد محمد خير، (ط١، بيروت، دار نور الصباح، ٢٠١١م)، ص ٢٢٧.

(٣) الزمخشري، «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل». عُني به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٣٨٦.

(٤) ڤيديو بعنوان: «كريمة والتلميذ»، على يوتيوب، الدقيقة ٧: https://youtu.be/-aNgPRwBAOw?si=EXnLYZ4-BXrIgpeD

(٥) أبو بكر الجَصَّاص، «أحكام القرآن»، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، (ط١، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٩٩٢م)، ١/٦٠.

(٦) د. نصر حامد أبو زيد، «نقْد الخطاب الديني»، (ط٢، القاهرة، دار سينا للنشر، ١٩٩٤م)، ص ١٥.

(٧) د. نصر حامد أبو زيد، «نقْد الخطاب الديني»، ص ١٢.

ــــــــــــــــــــ

  • الانهزامُ والاستبدادُ وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة(١).

إننا نظن، من جانبنا، أن الأفكارَ، أو أغلبها، لا تُولَد مُعلَّقَةً في الهواء، ومعزولةً عن السياقِ الاجتماعي والسياسي والنفسي، والذي يكون له دورٌ، بِنَسَبٍ متفاوتةٍ، في بلورةِ هذه الأفكارِ وصياغتها، وأشيرُ في البداية إلى أنني لا أقولُ هذا على سبيل «الحتمية»، وأن سياقًا اجتماعيًّا ما لابد وحتْمًا أن يُفرِزَ نمطًا معينًا من الخرافة والتبعية على سبيل «الحتمية» والضرورة، لا، ليس هذا مرادي، وإنما أردتُ التنويهَ إلى وجود أثر حقيقي لهذه الأشياء، ولكن لا على سبيل الجبْر والحتمية.

كما أنني أقررُ قاعدةً أخرى مهمة في هذا السياق، وهي أنه ليس بالضرورة، عند كلامنا في «ظُلْمٍ وانهزام» وقع لأحدهم، وتسبب هذا الظلمُ أو الانهزام في صياغةِ مجموعةٍ من الأفكار، أو التأثير فيها، أقولُ: ليس «بالضرورة» أن يكون هذا الظلمُ والانهزامُ قد وقعَ بالفعلِ؛ فقد تكون هناك حال مِن «ادِّعاء» المظلومية وغيرها؛ لاتخاذها كمُبرِّرٍ ومدخلٍ لفكرة واتجاه ما يُراد تثبيته وشيوعه، وأقول إن هذا الأمر ليس بالضرورة أيضًا؛ فصحة هذا من عدمه متروكة للبحث في كل قضية على حِدة؛ ومِن ثَمَّ نتبين مدى صِدْقِ الادعاء فيها أو كذبه.

هذه إشاراتٌ مهمةٌ؛ تَضْبِطُ ما نريد الحديثَ عنه خلال السطور القادمة.

جدل العلاقة بين الانهزام والخوف والمعتقدات الدينية.

ظهرَ في مدرسة التحليل النفسي اتجاهٌ يرى أن الدينَ ينبعُ من عجْزِ الإنسانِ عن مواجهة قوى الطبيعة في الخارج، والقوى الغريزية داخل نفسه، ووجود الدين حينئذ يرتبطُ بعدم استطاعة الإنسان أن يفكرَ بطريقة عقلانية؛ ليتصدى لهذه المخاطر في حياته، ونتيجة لعدم هذه الاستطاعة؛ يلجأ الإنسانُ إلى مواجهتها بقوى عاطفية أخرى، أي يُقابِل العواطف بعواطف مضادة، ويكون دور الدين في هذا الصدد: تأدية الوظيفة التي يعجز الإنسانُ عن التعامل معها ومواجهتها(١).

هذا الطرح السابق، وإن كان لا ينطبق على جميعِ الأديانِ، وذلك بسبب وجود بعض الأدلة في بعض الأديان يَصْعُبُ أن تتَّسِقَ بشكلٍ كاملٍ مع الدافع والمعيار النفسي السابق، وذلك لأننا يمكن، على سبيل المثال، أن نتخذ الإسلام وظهوره ونطبِّقَ عليه هذا المعيار، فهل سيصمُد هذا المعيار أمام كل الجزئيات؟ إذا نظرنا إلى ظهور الإسلام، فإننا نجد أن البيئةَ التي ظهر فيها لم يكن لديها ترحيب بهذا الدين على نطاق واسع في بداية الأمر، وهذا أمرٌ معلومٌ ومشهور، وهذه النقطة يمكنها أن تَخْرِقَ بعضَ جوانبِ المعيار النفسي السابق، الذي يفسِّر ظهور الأديان بأنها كانت بسبب حاجة نفسية وخوف لدى جمهرة من الناس لا يستطيعون دفْعَه، وهذا الأمر لا ينطبق بشكل كامل على ظهور الإسلام؛ إذا لم ينشأ الإسلامُ أصلًا بسببِ حالة اجتماعية لاتجاه ما من الاتجاهات وجدَ ظلمًا أو مخاوف لم يستطع مقاومتها؛ فظهور الإسلام كان في بدايته بشكل فردي، صدرَت الدعوة إليه مِن قِبَلِ شخص واحد: محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، ثم بعد ذلك أصبحتْ معه قِلَّة من الناس.

وهنا ينتفي، على الأقل، وجود جماعة أو اتجاه وقع عليه ظلم ثم لجأ إلى مجموعة معتقدات وخرافات تعويضًا له عن هذا الظلم؛ فما حدث على النقيض تمامًا؛ إذ لم يتعرض نبي الإسلام، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، لأذى مضاعَف إلا بعد دعوته للإسلام، أي أننا لو قررنا السيرَ مع ما يقوله المعيارُ النفسي، من أن ظهور الأديان يكون بسبب دافع نفسي وظلم ومخاوف طبيعية وغيرها لا يستطيع الإنسانُ مواجهتها، فهل هذا الأمر انطبق على النبي محمد؟ الإجابة كما وضحنا لا، فكما ذكرنا أنه لم يتعرض لأذى كبير إلا بسبب دعوته هذه، وهذا نقيض ما يقوله المعيار النفسي، لأن النبي بذلك قد قَبِلَ هذا الأذى والظلم الذي تعرض له في سبيل دعوته الجديدة، وكان قبلها مستقر الحال، يأمن على نفسه من الأذى.

ولكن هل هذا يعني أن المعيار النفسي باطل من كل وجوهه؟ لا أقول ذلك، فهناك بعض الحالات التي يمكن بالفعل تفسيرها، ولو جزئيًّا، من خلال هذا المعيار، وسأضربُ على ذلك بعضَ الأمثلةِ لنتبين حقيقة الأمر.

عقيدة المهدي.

لقد لَعِبَت عقيدة المهدي دورًا كبيرًا من القرن الأول إلى اليوم، وذلك يرجع إلى سببين:

الأول: أن نفسية الناسِ تكره الظلمَ وتحب العدلَ، فإذا لم يتحقق لهم العدلُ في زمنٍ من الأزمنةِ؛ تطلعتْ نفوسُهم إلى حاكم عادل، تتحقق فيه العدالة بجميع أشكالها، فبعض الناس يلجأ في ذلك إلى الخيال يعيش فيه، ويؤلِّف في ذلك اليوتوبيا والمدن الفاضلة، وكل ذلك في خياله يعيش فيه، ومن الناسِ من لجأ إلى الثورة لرفْع المظالم، فلما عجزوا عن تحقيقها على أرض الواقع؛ أمَّلوها، خاصة إذا جاءتْ هذه الفكرة عن طرق الدين، فهنا يكون الناس أكثر حماسة لها؛ وبالتالي وجدوا في عقيدة «المهدي» ما يحقق أملهم، وهذا يفسر لنا انتشار عقيدة المهدي في اليهودية والمسيحية والإسلام على حد سواء(٢).

ومما يشير إلى رجاحةِ المعيار النفسي في تفسير ظاهرة المهدي -أو بعض جوانبها- أن بدايات ظهور هذه الفكرة كانت عندما رفض محمد ابن الحنفية بن علي بن أبي طالب -عليه السلام- مبايعة عبد الله بن الزبير، فتعرضَ عبد الله بن الزبير له بالأذى وأساء جواره؛ مما اضطره إلى الخروج من مكة مع بعضِ أصحابه، ونشأت حينئذ فِرقة تُسمى «الكيسانية»، يتزعمها المختار بن أبي عبيد الثقفي، وزعمَ هو وفرقته أن محمد ابن الحنفية هو الإمام وهو المهدي، بمعنى أن هذا المهدي سيرجعُ إلى الدنيا ليملأها عدْلًا(٣).

أرأينا كيف كانت الفكرةُ في مهدِها؟ ترتبطُ، كما قلنا بعامل القهر والاستبداد؛ ففرار محمد ابن الحنفية، مِن بطْشِ عبد الله بن الزبير، خلقَ نوعًا من التفكير في كيفية المواجهة القادمة مع هذا الاضطهاد، ولو لم يُنْفَ لَمَا كانت هذه من البذور الأولى التي شكَّلَتْ عقيدة المهدي، وهذا يدلنا على أن جو الحرية في التعبير يساعد بطبيعة الحال على نمو التفكير العقلاني، على نقيضِ جو الاستبداد والقهر؛ الذي يُفْرِزُ لنا، أو يساعد في ذلك، أفكارًا خرافية، ويغذي الأوهام أكثر من تغذية العقلانية، فأنْ تُغْلَق جميعُ وجوه التعبيرِ عمَّا يَنْزِلُ بالإنسان؛ فمعناها ألا تأمَن العواقب بعد ذلك.

ولقد ساعدَ في ترسيخِ فكرة المهدي، الظلمُ والبطْشُ من قِبَلِ السلطاتِ الاستبداديةِ ضد المعارضين، خاصة مِن الطالبيين، أي مَن هم مِن نسْل أبي طالب، والتنكيل بهم، وتقتيلهم بكل أنواع القتل، مِن السم وغيره، وتشريد كثير منهم في البلاد(٤)، هذا الاستبداد والتنكيل بالمعارضين خلقَ أزمةً نفسيةً واجتماعيةً لدى هؤلاء؛ وفي غالب الظن أن كثيرًا منهم لم يَقْوَ على الثبات على العقلانية المجرَّدَةِ إزاء هذا القهر النفسي والعذاب المتواصل والاضطهاد، الأمر الذي يتطلب تسليةً نفسيةً وتطييبًا لهذه الجراح؛ وبالتالي يزدادُ التمسكُ بمخلِّصٍ تشْرَئبُّ إليه النفوسُ لإزالة هذا الكم من استفحال القهر، ولا يعني هذا الأمر أن هؤلاء قد قصَّروا في مواجهة الظلم بالثورة عليه والكتابة ضده بعقلانية رفيعة؛ وإنما أردتُ الإشارةَ إلى أن هذا الاضطهادَ تركَ آثاره على النفوس والأفكار، ومن بينها عقيدة المهدي.

ولقد أشار ابن خلدون إلى العلاقة بين القهر وصناعة الخرافة والأوهام، ومن ذلك عقيدة المهدي، التي يقْوى اعتقادُ الناس فيها فرارًا من الظلم، وأن هذا المهدي ينبغي أن يكون ظهوره ومكان ظهوره غير مقرون بالاستبداد والقهر والظلم(٥).

هذا عن دوافع فكرة المهدي النفسية والاجتماعية، ومن ناحية أخرى، فإن مِن أكبر المنتفعين من هذه الفكرة هم أرباب الاستبداد؛ إذ إنهم في حال من الاستقرار والأمان طالما أن جزْءًا من عقيدة أغلب الناس ينبني لا على تغيير الوضع بأيديهم؛ وإنما بيد شخص مجهول -المهدي-، وبالتالي فالاستبداد في أمان طالما لم يظهر هذا المهدي، والذي لن يظهر أبدًا.

وتنطوي عقيدة المهدي أيضًا على قدْرٍ من إفساد الإصلاح وتثبيط الهمم؛ إذ هذه الفكرة كفيلة وحدها برفْع المسؤولية عن عاتق الإنسان، وتعليقها على شماعة الخرافة والمجهول، تعزيةً للنفس وعجْزها عن مواجهة واقعها، ونَسِي هؤلاء، أو تناسوا، قول الباري: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ». [سورة الرعد، مِن الآية: ١١]. وأن الأمم مِن حولنا ما تقدَّمَتْ بانتظارها للمخلِّص؛ وإنما بالعمل والسعي نحو تغيير واقعهم، وما أسعد العالَم الاستعماري الاحتلالي بهذه الأفكار التي تملأ عقول هذه الجمهرة من الناس؛ فهم -ونحن- يرون البينة، وأن ما أضاعه كثيرون من الوقت في انتظار مَن ينتشلهم من أوضاعهم، لو قضوا ربع هذا الوقت في تطوير مجتمعاتهم، ومحاولة مواجهة الإشكال لا الفرار منه؛ لَمَا وصلنا إلى هذه الحال مِن التردي، غير أننا مع هذا لا يمكن أن ننكر أثر العامل النفسي في فكر صاحبه، وفي بعض الأحيان لا تكون الأمور مواتية ومساعِدة على التخلص منه ومن آثاره في صياغة أفكار للتعزية والتسلية، وقليلون هم الذين يستطيعون أن يفلتوا من أسْرِ هذا العامل النفسي والاجتماعي؛ بالعمل على تغيير نمط تفكيرهم، وعدم الاستسلام لفكر الأوهام والخرافة، الذي قد يزيد من انغماسهم في ظلام حالِكٍ.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) يُنظَر: إيريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كامل، (ط١، القاهرة، مكتبة غريب، د.ن)، ص ١٥: ١٦.

(٢) أحمد أمين، «المهدي والمهدوية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٢م)، ص ٧: ٨.

(٣) المصدر السابق، ص ١٠.

(٤) أبو الفرج الأصفهاني، «مقاتل الطالبيين»، تحقيق: السيد أحمد صقر، (ط٤، بيروت، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ٢٠٠٦م)، ص ٢٤: ٢٥.

(٥) ابن خلدون، «المقدمة»، تحقيق: إبراهيم شبوح ـ إحسان عباس، (ط١، تونس، الدار العربية للكتاب، ٢٠٠٦م)، ١/٥٦٩.

ــــــــــــــــــــــ

  • سيولةُ الشكِّ في عصرِ الآلَة.

مع مطْلع العصرِ الحديث، هلَّتْ علينا ثورةٌ منهجيَّةٌ عميقة، على المستوييْن: الفلسفي والعلمي، ولقد قاد هذه الثورةَ كبارُ الفلاسفةِ والعلماء، أمثال: جاليليو وكبلر وفرانسيس بيكون ورينيه ديكارت…وكان كُنْهُ هذه الثورة يتَّسِمُ بطابع «الشك» المنهجي؛ وبناء عليه تمَّتْ مراجعة كثير من الأفكار التي كانت راسخةً في الأذهان على مدى قرون مديدة، إلى درجة اقتراب بعض هذه الأفكارِ مِن القداسة التي لا تَقْبلُ المساسَ(١).

هذه الثورة المنهجية الشكية كانت تَحمِلُ معها شرارةَ التقدم العلمي والفكري الذي عاشَتْه، وما زالت، أوروبا؛ إذ كان هذا الشكُّ يَهدِفُ إلى التخلص مِن المعارف الزائفة، وأننا لابد أن نبني معارفنا على قواعد متينة، خالية من الأشياء التي لا تَحمِلُ برهانًا عليها(٢).

إلى هنا نعتبرُ هذه الثورة الشكية، في مجملها، كانت باعثةً على النهضةِ والتفكيرِ العلمي، والتحرر من خرافات العصور الوسطى، وتسلُّط رجال الدين، ولقد مرَّتِ العقودُ متتابِعَةً، والتقدُّم العلمي يقولُ كلمتَه، ويَفْرِضُ هيْمنتَهُ على العالَمِ، ويزدادُ هذا الأمر توغلًا مع مرور الزمن، الذي يَحمِلُ معه مزيدًا من إفرازاتِ الثورة العلمية.

غير أن ما حدثَ في العقود الأخيرة، وخاصة العقد الأخير من القرن الحالي، الذي حملَ معه ثورةً غير مسبوقة في المجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، أحدَثَ حالةً مِن التخبطِ، ما بين اتجاه ينبهِرُ بهذا المستوى من التقدم في المجال التقني والذكاء الاصطناعي، وبين آخَر ينتقِدُ هذا المستوى غير المسبوقِ.

وكانت «بعضُ» هذه الانتقاداتِ نابعةً مِن الخوف على مكانةِ الإنسان، وخطورة هيمنة الآلة على أدواره؛ وبالتالي يتم، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، إقصاءُ «الإنسان» وإحلال الآلة محله في كثير من الأدوار التي كان يقومُ بها(٣).

غير أن حالةً مِن الشك السائل -مِن السيولة- «غير المنهجي» بدأتْ تَدُبُّ في السياقِ الاجتماعي المصاحِبِ لهذا التطور؛ إذ أصبحَتْ نظرةُ الارتياب والاتهامِ طاغيةً وغالبةً تُجاه كثير مِن الكتابات وأصحابها، بسبب التوجُّسِ من كوْن هذه الكتاباتِ قد تم إنجازها بواسطة بعض برامج الذكاء الاصطناعي، وأودُّ هنا الإشارة إلى أنني لا أُسارِعُ إلى أي حُكْمٍ على سبيل «التعميم»، سواء مع أو ضد خطاب الشك والارتياب هذا، ولكني أطرحُ مشكلةً، وأسعى لتحليل جوانبها، عصيَّةً في هذه الحقبة، فلربما كانت «بعضُ» الانتقاداتِ في محلها، وأن هناك مَن يقوم بالفعل بالاعتماد على برامجِ الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوصه وكتاباته، ولربما كانت بعض هذه الانتقاداتِ مُلْقاةً على عواهنها، دون أدنى بينةٍ؛ فيُطلقها بعضُ أصحابها فقط كنوعٍ مِن الاتهام لغيره، إما لاستكثاره أن يُنتِج صاحبُ هذه الكتابات إنتاجًا جيدًا، وإما بدافع المجاراة لبعض مَن يكتبُ عن هذه الظاهرة، اعتبارًا بأن مَن يُحذِّرُ مِن استخدامِ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي في توليدِ النصوص؛ فهو -ولو بشكْلٍ ضمني- يستبعِدُ نفسَهُ مِن هذا المُنزَلَق، وأنه -طالما يكتب انتقادًا لهذه الظاهرة- مُنَزَّهٌ عن أن يقعَ فيها؛ إذ كيف يقعُ فيما يُحذِّرُ منه؟ هكذا قد يتصور بعضُهم، أنه بمجرد انتقاده وتحذيره من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة؛ فهو بذلك لن يتوقع أحدٌ وقوعه في كل ما يحذر منه.

ولا يَعْلَمُ هذا الناقدُ أن حالة الشك السائلة هذه لن تجعله مُستثنى من القاعدة؛ إذ بإمكان أحدهم أيضًا أن يرميه بما يرمي به غَيْرَهُ، ويقول له على سبيل المثال: إن كتاباتك ذاتها، التي تَنْتقِدُ فيها مَن يعتمدُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ في مؤلفاته ومقالاته وبحوثه، لا تخلو من الاتهام والشك أيضًا؛ فما المانعُ مِن أنك تكون أنت شخصيًّا قد قمتَ بالاعتمادِ على الذكاء الاصطناعي في توليد مقال أو بحثٍ تنتقِد فيه مَن يعتمِدُ على الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ لا مانعَ مِن هذا أبدًا؛ بل -أحيانًا لا على التعميم- يكون هذا الشخصُ يسعى إلى إبعاد الشكوك عنه، من خلالِ تصدير انتقادٍ لغيره، سواء أكان هذا الانتقاد لشخص محدد أو مجرد تناول للقضية بوجه عام، وبذلك يأمَن، ولو قليلًا، من الاتهام، بينما حقيقة الأمر أنه لن ينجو لا هو ولا غيره من عاصفةِ الشكِّ التي ستكون كاسحةً في هذا السياق؛ بل لشخص آخَر أن يقول، وبِمَدِّ حبْل الشك العاصف على استقامته: ما أدرانا، فلعل كاتب هذه السطور -أنا- قد اعتمدَ أيضًا على تحليل هذه الظاهرة من خلالِ أحد برامج الذكاء الاصطناعي، وقام هذا الذكاء بإنتاج هذا النص له؟

أرأينا سبب تسميتي للمقالة بـ «سيولة الشك»؟ لأنه بالفعل شك سائل عاصف، لو استخدمنا نفس المنطق؛ فلن يكون بمقدور أحد الفرار مِن اتهامٍ يلاحقُه، طالما أنه لا ضابطَ لعملية الاتهامات، وأن البرامج ذاتها التي تكشِفُ عن توليد نص ما بالذكاء الاصطناعي ليست محل ثقة مئة بالمئة، وليست أحكامها كذلك دقيقة بشكلٍ كامل، ومِن هنا يَنْفَلِتُ المعيارُ، لأن كثيرًا من المنتقدين الشاكِّين في غيرهم لم يعتمدوا أصلًا على برامج لديهم للكشْف عن أن نصًّا ما تمت كتابته بالذكاء الاصطناعي أم لا، بل يعتمدون في ذلك على الظن، والفهلوة أحيانًا، وهنا أريد أن أؤكد مرة أخرى على أن كلامي ليس على سبيل «التعميم»؛ فقد يكون بالفعل هناك كثيرون لا إبداع في كتاباتهم، وإنما بالفعل قد يكونوا اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي في كتابتها، وأعترفُ كذلك بحالةِ التردِّي والتدنِّي في كثير من الكتابات، ومع عدم إرادتي التعميم، إلا أنني أدُقُّ ناقوسَ الخطر، الذي يتصاعد يومًا بعد يوم.

فنحن نرى الآن بعض الأساتذة يتوجسون من طلابهم، خاصة الذين لا تربطهم بهم صلة معرفة قوية، وينظرون إليهم نظرة ارتياب، على اعتبار أن ما يكتبونه من نصوص مُتَّهَمٌ ومشكوكٌ فيه، وفي سياق هذا الشك العاصف؛ قد يُظْلَمُ كثيرون، وقد يُكشَف بالفعل مَن استحق هذا الاتهام، ولكن بين هذا وذاك، لن يكون هناك معيار صارم لكل هذا، وإنما ستكون «سيولة الشك» هي صاحبة المقام الأعلى إزاء هذه الظاهرة، ولربما يستسهِلُ أحدُهم الحل ويقول إن اكتشاف النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي أمر يسير، من خلال تتبع النص بقراءة دقيقة فاحصة، وننظر فيما يتكرر، وفي مواضع الخلل.

لأرد قائلًا: هذا الحل، وغيره من الحلول، لا يتعدى كونه قائمًا على الظن، ولا يمكن الجزْم بنتائج هذا الظن، الذي لا يغني مِن الحق شيئًا، فالتكرار والتشابه ليس دليلًا جازمًا أيضًا على أن النص مكتوب بالذكاء الاصطناعي؛ إذ لطالما نَجِدُ، حتى في الكتابات القديمة، قبل ظهور برامج الذكاء الاصطناعي الحديثة، كُتَّابًا يقعُ منهم التكرار، أو كثرة التنبيه والتناول لظاهرة معينة، أو مصطلح معين، أو قضية معينة، يراها محورية في مشروعه؛ فبالتالي يستخدمها بطرق مختلفة في ثنايا كتاباته، ولنأخُذْ على ذلك مثالًا: المفكر المصري د. عبد الوهاب المسيري، له قضايا معينة عملَ عليها في مشروعه الفكري، مثل قضية: الجماعات الوظيفية، والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وانتقاداته لفلسفة ما بعد الحداثة، المُتتبِّع عن قُرْبٍ لكتابات عبد الوهاب المسيري؛ يَجِد أن هذه المصطلحات والقضايا تتكررُ في مشروعه الفكري في أكثر من كتاب من مؤلفاته؛ إذ هي تمثِّلُ نقطةً جوهريةً في مشروعه، وبالتالي كانت حاضرة بشكل أو بآخَر في كتاباته المتنوعة.

هذا مجرد مثال، وهناك أمثلة كثيرة غيره، وهنا لا أريدُ تبرئة مُتَّهَمٍ ولا اتهام بريء؛ ولكن، كما قلتُ، أدقُّ ناقوسَ الخطر، لثورة شك -غير منهجي- سائلة عاصفة تضربُ في نواحٍ متعددة لا نهاية ولا حصرَ لها، وليس هذا الشك كالشك المنهجي الفلسفي، الذي يكون «المنهج» حاضرًا فيه وله أهداف وغايات، ولكن هذا الشك غير المنهجي: الشك السائل، لا حدود ولا ضوابط له، وهي قضية أطرحُها وأقوم بتحليلها من أجل محاولة إحداث مقاربات مِن شأنها أنْ تضبط حالة الانفلات في هذه الظاهرة، مع اعترافي بأن عملية «الضوابط» ذاتها ستكون نسبية ومتغيرة من شخص لآخَر.

وإنْ كانت هذه القضية التي أطرحها هي شك غير منهجي، وشك سائل، فإنني حاولتُ تناولها من خلال «الشك المنهجي»، الذي من شأنه أن يعيد طرْح السؤال في كثيرٍ من جوانب هذه الظاهرة.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) رونالد سترومبرج، «تاريخ الفكر الأوروبي الحديث»، ترجمة: أحمد الشيباني، (ط٣، القاهرة، دار القارئ العربي، ١٩٩٤م)، ص ٦٤.

(٢) جينيفر مايكل هيكت، «تاريخ الشك»، ترجمة: عماد شيحة، (ط١، المركز القومي للترجمة، ٢٠١٤م)، ص ٥٣٦.

(٣) د. هشام نبيه، «الذكاء الاصطناعي»، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٢٤م)، ص ١٤٥.

ــــــــــــــــــــــ

  • مِن البرِّ إلى القهْر: قراءةٌ في سرديةِ طاعةِ الوالدين وآثارها النفسية الاجتماعية.

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.

كثيرًا ما تترددُ على آذانِنا، وفي المحافلِ الدينيةِ، وغيرها من وسائلِ الإعلام، مواعظُ عن طاعةِ الوالديْن وفضلها، وعن خطورةِ العقوقِ لهما؛ حتى كرَّسَ هذا الخطابُ نوعًا مِن الدكتاتورية والتسلُّط مِن كثير مِن الآباء -لا على الإطلاق- والأمهات على شتى مناحي حياةِ أبنائهم، بل وإرغامهم على أشياءَ مصيريةٍ تحت مسمَّى «الطاعة».

وهنا يَحِقُّ لنا التوقفُ لننظرَ إلى الأمرِ من أكثر من زواية.

  • أولًا: المنظور الديني.

فمِن جهةِ القرآنِ الكريم، لم تَرِدْ كلمةُ «طاعة» أثناءَ الحديثِ عن الوالدين أبدًا، وإنما أتتْ كلمةُ «البِرِّ»، حتى إن لفظَ «الطاعةِ» الوحيدِ الذي أتى في معرِضِ الحديثِ عن الوالدين، كان بنفْي الطاعةِ لهما لا بإثباتها، وذلك إذا أمرَ الوالدان أبناءَهم بالشرْكِ بالله، كما قال تعالى: «وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰۤ أَن تُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِیلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَیَّۚ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ». (سورة لقمان، الآية: ١٥).

وورد الحديثُ عن الوالديْن بألفاظٍ مثل: «ووصيْنا» و «البِر» و «الإحسان»، وهناك فارقٌ كبيرٌ بين الطاعةِ والبر؛ فالطاعةُ تقتضي تنفيذَ ما يَصدُرُ عن الوالديْن -أو غيرهم- تنفيذًا جازمًا لا نقاش فيه، ولا خيارَ للرفْض، بينما البِر لا يعني إلا حُسْن المعاملةِ، والإحسان إليهما، واللطف معهما، ورعايتهما، كل هذه أمورٌ جيدة، ولا خلافَ عليها، متى كانت الأوضاع مستقرة.

والبِرُّ لا عَلاقةَ له بأن ينفِّذَ الأبناءُ ما يقولُه آباؤهم لهم من قراراتٍ تمسُّ حياتَهم -حياة الأبناء- الشخصية، خاصة إذا كانت هذه القرارات مصيرية، تترتبُ عليها أمورٌ عديدة، سيتحملها الأبناءُ وحدهم، وحينها سيُسألُ الأبناءُ أمامَ اللهِ إذا كان أمْرُ والديْهم دَفَعَهُم إلى ضررٍ في أنفسِهِم، أو ترتبَتْ على اتباعهِم لآبائهم آثارٌ نفسيةٌ سلبية، فالله تعالى يقول: «وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلۡزَمۡنَـٰهُ طَـٰۤىِٕرَهُۥ فِی عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ كِتَـٰبࣰا یَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا». (سورة الإسراء، الآية: ١٣).

بمعنى أن كلَّ إنسانٍ مسؤولٌ عما يصدرُ عنه مِن أفعال، ولا يمكن تبريرُ هذه الأفعالِ أمامَ اللهِ بأنها كانت طاعةً للوالديْن أو لغيرهما.

ولنا في رسولِ الله، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، أعظمُ مثالٍ على عدم إجبارِه لأحدٍ من بناتِهِ على شيء، فمِن الثابتِ أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، كان يستشيرُ بناته عندما يتقدمُ أحدٌ لخطبتهنَّ، هذا ورسول الله له من المكانة ما تسمحُ له بصلاحيات ليست لغيره، ولكنه لم يتخذْ سبيلَ الإجبارِ وفرْض الرأي وقهر بناته فيما يختص بشؤون حياتهم.

والخطابُ الداعي إلى الطاعةِ المُطلقة للوالديْن خطابٌ أحادي، يَغفلُ عن أن هناك عقوقًا للأبناءِ، مثلما هناك عقوق للآباء، وهذا مصداق لقول عمر، رضي الله عنه، للرجل الذي جاءه شاكيًا عدم بر ابنه به، وعندما تحققَ عمرُ، من الأمرِ، وسمِعَ من الولدِ سوءَ والده معه، حينها قال عمر للأب: لقد عَقَقْتَهُ قبل أن يَعُقَّك، بمعنى أن اللومَ توجَّهَ إلى الوالدِ لا إلى الوَلَد، الذي زُعِمَ أنه عاقٌ، مع أن والدَه لم يفعلْ له شيئًا جيدًا طوال حياته.

ومِن هنا نفهم أن الخطابَ المتسلِّط، الذي يريدُ قَهْرَ الأبناء، ثم يبرِّرُ موقفَهُ بالطاعة، من خلالِ التلاعبِ بمفهوم البرِّ والإحسان، أقولُ: من هنا نفهم أنه خطابٌ كهنوتي، يريدُ إلباسَ موقفه ثوب الشرع، والشرعُ بريءٌ من مثل هذه التصرفات؛ فاللهُ تعالى قد كَفَلَ حريةَ الإيمانِ والكُفْر به، فيقول: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ». (سورة الكهف، آية ٢٩). يقول هذا وهو رب العالمين، فما بالنا بمَن دونِهِ مِن البشرِ، أيحق لهم أن يَسْلِبوا حريةَ الإنسانِ في شتى أمور الحياة؟!

  • ثانيًا: المنظور النفسي والاجتماعي.

كما لا ينتبه الآباءُ أنهم بمحاولاتِ إجبار أبنائهم على قراراتٍ معينةٍ، أو أفعالٍ لا يرتضونها، إلى أن ذلك قد يوجههم للانحرافِ الفكريِّ والسلوكي، وقد يدفعُهم إلى الحصولِ على مرادِهم بطرقٍ غيرِ مشروعة، أو مشروعة ولكن ضريبتها ثقيلةٌ على الأسرة، بعد أن سُدَّ بابُ الاختيارِ في وجهِ الأبناءِ من قِبَلِ آبائهم، ومَن يتفطنُ إلى مثلِ هذه الأبعادِ الاجتماعية، ومآلات قهْر الأبناءِ وإجبارِهم؛ سيمنعُ بذلك آثارًا قد تكون مدمِّرةً لحياةِ الأبناءِ ونفسيتهم، وسَيَحْمي المجتمعَ مِن بعضِ السلوكياتِ الخطيرةِ الناتجةِ عن قهْرِ الأسرةِ للأبناء؛ الذين إذا وجدوا أن البيتَ لا يمثل مصدرَ أمانٍ لهم؛ لجأوا -في أحايين كثيرة- إلى البحثِ عن مرادِهم خارج البيت، فليحذَرْ كلُّ أب وأم مِن إجبار أبنائهم على أشياء بعينها؛ ثم يعودون يندمون على نتائجَ خطيرةٍ حدثتْ للأبناء -أو للآباء أنفسهم- بسبب سلوكِ الإجبارِ والتسلطِ مِن والديْهم.

وطبعًا كل هذا لا يبرر أي انحرافٍ سلوكي للأبناء، ولا يرفعُ عن كاهلهم المحاسبةَ، فالأبناء مسؤولون أمام الله، ولا يمكن تبرير أخطائهم بأنها كانت بدافعٍ مِن الوالديْن أو غيرهم، إلا أن ذلك يختلفُ عن المراد الذي أسعى إلى إيصالهِ للقارئ، وهو: الأثر الذي يتركُه كثيرٌ مِن الآباءِ والأمهاتِ على حياةِ أبنائهم وسلوكِهِم، كما أن محاسبة الذي تعرضَ لقدر مِن القهر تختلفُ عن الذي تجردَ مِن كل الضغوطات والصعوبات والعراقيل، سواء مِن الوالديْن أو غيرهم.

إن الآثارَ الاجتماعيةَ لقهْرِ الأبناءِ وإجبارهم ليست باليسيرةِ، وسأضربُ على ذلك مثالًا محددًا: إن أُجْبِرَتْ فتاةٌ مِن والديْها على الزواجِ مِن شخصٍ لا ترغبه، وتَرغبُ غيرَه، فهذه خطوة مِن الوالديْن لدفْع الفتاة خطوات نحو طريقِ الخيانةِ، فإذا استطاعَ الأهلُ إجبار جسد الفتاة على العيش مع مَن لم ترغبْه، فلن يستطيعوا إجبار قلبها؛ فيكون مِن آثار ذلك أن يبقى قلبها معلَّقًا بمَن ترغبه، وجسدها حبيس عند آخَر لا ترغبه، وهذا نوعٌ مِن الخيانةِ القلبية، التي لا تقل خطورة وقسوة عن الخيانة الحسيَّة، بل هذا النوع مِن الخيانة -الخيانة القلبية- مِن الصعب أو مِن شبه المستحيل اكتشافه، لأنها حالة في داخل الإنسان، وكل ذلك بسببِ إجبار مِن الأهل لابنتهم على قرار كهذا، لغرضٍ أو مصلحة ما يبتغونها.

ولقد ردَّ -أي أبطلَ- النبيُّ، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، نكاحَ خنساء بنت خِذامٍ الأنصارية، عندما زَوَّجها أبوها وهي كارهة لذلك(١)، وهذا دليلٌ قويٌّ على أن مخالفةَ الوالديْن في مثل هذه الأمور أو ما يشبهها ليس مِن العقوق في شيء.

إن مثال الإجبار على الزواج هذا ليس الوحيد في حالات الإجبار؛ فهو نموذج فقط، ولكن الإجبار يتعدى ذلك إلى مظاهرَ كثيرةٍ، كالإجبارِ للأبناء على اتخاذِ مسارٍ تعليمي بعينه لا يريدونه، ثم قد تكون مآلات هذا القرار: فشل الأبناء في دراسةٍ لا يرغبونها، وبذلك قد تتكوَّنُ عقدةٌ كبيرةٌ تعرقلُ حياةَ الأبناء، بعد فشلهم هذا.

إن فكرة الإجبار لا تسيطر على مثال واحد فقط؛ وإنما تتعداه إلى نواحٍ عميقة في مجتمعاتنا، فحتى النظام التعليمي، أو معظمه إلا مَن رحِمَ ربي، يقومُ على فكرة الإجبار، والحفظ والتلقين، وأن معايير الكفاءة في هذا النظام تعتمدُ على الطاعة العمياء مِن الطالب لأستاذه ولِواضعي المناهج التعليمية، مِن خلال الالتزام بكل حرفٍ مما يُملى عليه، وحفظه وترديده، دون أدنى اعتراض أو إعمالٍ للفكر النقدي(٢).

ومثال آخَر على فسادِ منهج الإجبار: إذا أجبرَ الآباءُ أبناءَهم على أداءِ الطقوسِ الدينيةِ إجبارًا، كالصلاة، فهذا السلوك لا يصنعُ إلا حالةً مِن النفاق، لأن الشخصَ حينها سيؤدي شيئًا لمجرد الضغطِ عليه مِن غيره، لا عن قناعةٍ ورغبةٍ قوية نابعة مِن داخله، وهكذا، فإن سلوك القهر والإجبار لا يُفرِزُ إلا حالاتٍ مثل: الخيانة، أو النفاق، أو شخصية غير سوية، أو كل هذه الصفات مُجتمِعَة، وأولُ طريقٍ في محاولةِ بناء شخصيةٍ سوية: هو البُعد عن اتباعِ منهج القهرِ والإجبار، نعم لابد مِن التوجيه والتدريب للأبناء وغيرهم على السلوك القويم، ولا مانع أيضًا مِن إبداء الوالديْن أو غيرهم لخبراتهم وتوجيهاتهم، ولكن في النهاية يُترَك المصيرُ لصاحب الأمر، سواء أبناء أو غيرهم، يقررُه بنفسه، طالما أنه لم يهتك حقَّ غيره أو يتعدى عليه ويسبب له أذى ماديًّا أو نفسيًّا، نعم الأمور المشتركة تحتاج إلى قرارٍ مشترك، ولكن فيما يتعلق بمصير الإنسان الذي لن يعود على غيره بالضرر، فهنا منطقة خاصة لا يجب أن يكون هناك مدخل للجبر والقهر فيها، لأننا في النهاية نريدُ أن نصنع أشخاصًا أسوياء لا معقدين أو مقهورين، ونريد كذلك أن نصنع صادقين لا منافقين، ومِن ثَمَّ تتضح لنا مآلات القهر والجبر الوخيمة على الفرد والمجتمع.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) البخاري، «الجامع الصحيح»، اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب النكاح، باب: «إذا زوَّجَ ابنتَهُ وهي كارهةٌ فنكاحُه مردود»، ص ٦٣٠.

(٢) د. فؤاد زكريا، «مرض عربي اسمه الطاعة»، (مجلة العربي، العدد٣٣٢، يوليو ١٩٨٦م)، ص ٢٠.

ــــــــــــــــــــــ

  • الانهزامُ والاستبدادُ وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة(٢).

تناولْنا، في الجزءِ الأولِ من هذه المقالةِ، المعالِمَ العامة للانهزام والاستبداد وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة، وضَرَبْنا على ذلك مثالًا بعقيدة المهدي، وسنتناولُ في هذه المقالةِ مثالًا آخَرَ يتعلقُ بهذه القضية، ولكن قبل أن ننتقلَ إلى المثال، ينبغي علينا أن نتذكر ما أشرتُ إليه في الجزء الأول، وهو أنه ليس بالضرورة عند كلامنا في ظُلْمٍ وقعَ لأحدهم أن يكون بالفعل قد وقعَ؛ فكما قلنا إن ذلك قد يكون على سبيل الادِّعاء أو المبالغة؛ لغَرَضٍ كامنٍ خلف ذلك، ولْننتقل الآن إلى المثال الذي نود تقديمه في هذه المقالة.

  • أحمد بن حنبل وقضية خَلْقِ القرآن.

لقد أخذتْ قضيةُ خلْقِ القرآن مساحةً كبيرةً في تاريخنا الفكري؛ خاصةً عند تعلقها بـ أحمد بن حنبل وما حدثَ بينه وبين السُّلْطَةِ القائمة آنذاك، ممثلةً في الخليفة المأمون والمعتصم والواثق.

وتتلخَّصُ قضيةُ ما يُطلَق عليه «المحنة»(١) في أن المأمون دعا إلى القول بخلْق القرآن، واختبرَ بعضَ العلماء في ذلك، ومَن امتنع؛ كان جزاؤه الحبس والتنكيل، وعلى رأس هؤلاء الممتَحَنين الرافضين للاستجابة لدعوة المأمون في القول بخلْق القرآن، كان: أحمد بن حنبل، ولقد تعرض ابن حنبل في هذه القضية للحبس وبعض التعذيب، وضُربَ بالسَّوْطِ حتى أُغْشي عليه(٢).

لقد رأى أتباع ابن حنبل أن هذا نوع من الاضطهاد ضد إمامهم، ولكن ليتهم قدَّروا الأمر قدْره، وتكلموا فيما حدثَ فقط دون مبالغات وأسطرة، ولكن، ومن المنظور النفسي، فإن ابن حنبل خرجَ من قضية الامتحان هذه مختلفًا عمَّا كان قبلها، ولو أن المأمون ومَن تَبِعَهُ من الخلفاء لم يمتحنوا ابنَ حنبل؛ لَمَا حاز ابنُ حنبل نصفَ هذه المكانة والقداسة التي أُضْفِيَت عليه؛ ولكن يبدو أن بعض الحُكَّام يساهمون في تلميع بعض الناس مِن حيث أرادوا التنكيل بهم، ولنا على ذلك مثال في الحقبة المعاصرة، يتمثل في إعدام سيد قطب، وفي رأيي أيضًا، أنه لو تُرِكَ دون إعدام؛ لَمَا رُفِعَ إلى مصاف الأبطال عند أتباعه، ولكن إعدامه أعطى فرصةً على طبقٍ من ذهبٍ لأتباعه كي يستثمروا هذا الأمر في تلميعه والترويج لأفكاره، ولأن بعض الناسِ كانوا يمقتون جمال عبد الناصر؛ ومِن ثَمَّ رأوا في شخصية سيد قطب، الذي عارضَ عبد الناصر وتصدى له، بطلًا يعبر عن أفكارهم، وازدادت هذه الحالةُ اشتعالًا بعد إعدامه، وإعدامه هذا كان العامل الأبرز في تلميعه والتفات كثيرين لأفكاره أكثر من غيره.

وهكذا في القديم، فما تعرَّضَ له ابن حنبل، تم استثماره على يد أتباعه أشد الاستثمار، وتم وضْع ابن حنبل في مقام لا يضاهيه فيه أحد، وقد ذهبتْ بعضُ المبالغات في حقه إلى القول بأنه أثناء ضرْبه بالسوط في المحنة، سقطَ سرواله، فحركَ ابنُ حنبل شفتيْه؛ فعادَ السروالُ إلى مكانه(٣).

ومما يدل على تعامل أتباعه معه بمنطق التقديس، واستثمارهم لِمَا يقال عنه «المحنة»: ما أورده ابنُ الجوزي في كتابه: «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، والذي أوردَ فيه عددًا مِن المنامات، التي رأى فيها كثيرٌ من أتباع ابن حنبل أنها مناقب وفضائل لشيخهم، ومن هذه المنامات، على سبيل المثال: أن الإمام الشافعي أرسل الربيع بن سليمان برسالة مكتوبة إلى أحمد بن حنبل، فَحْوى هذه الرسالة يدور حول: أن الشافعي رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، في المنام، فأخبر النبيُّ الشافعيَّ بأنْ يكتب رسالة إلى أحمد بن حنبل، وأن يبلغه سلام النبي له، ويقول له: إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلْقِ القرآن؛ فلا تُجبْهم؛ يرفع اللهُ لك علمًا إلى يوم القيامة(٤).

أرأينا هذه الإيحاءات؟ النبي -طبقًا للرواية السابقة- يدعو ابن حنبل إلى عدم القول بخلْق القرآن، وهذا إسقاط شنيع للأيديولوجيا الحنبلية وتحميلها للنبي، أي أنهم يحاولون استنطاق النبي بمذهبهم ورؤيتهم، وهذه النقطة لها حمولة ضمنية غير واضحة بشكل كافٍ، وهي: أنه طالما تم استنطاق النبي بمذهب أحمد بن حنبل ورؤيته؛ فبالتالي، مَن يعترِض على أحمد بن حنبل بعد ذلك؛ يكون قد اعترضَ على النبي، هذه نتيجة متوقَّعَة طالما أن هناك محاولة لتحميل النبي مذاهب وأيديولوجيات ظهرتْ بعد وفاته.

إننا هنا أمام حالة مظلومية يدَّعيها الحنابلة لإمامهم، أو يبالغون فيها، وقد أحسنوا استغلالَ هذه القضية، وارتفعوا بإمامهم إلى درجة القداسة، بل والخرافة، التي قمتُ بالإشارة إليها في العنوان، خرافات ينسبونها إلى إمامهم، سواء أكانت رؤى منامية أو تعظيم وتبجيل مُلفِت، هذه الحال بدورها أفرَزَتْ نوعًا من التبعيةِ العمياء في هذه القضية عند المنجرفين خلف إمامهم، ولقد يَصْدُقُ قولنا هنا: إنه لولا الاحتكاك الذي حدثَ بين أحمد بن حنبل وبين بعض خلفاء الدولة آنذاك؛ لَمَا وصلَ ابن حنبل إلى هذه المكانة من التقديس ولا اقتربَ منها.

ويزيد مِن دعْم رؤيتنا لهذه القضية: أن هناك مَن امتُحِنَ غير ابن حنبل في القول بخلْقِ القرآن، مثل: أحمد بن نصر الخزاعي، والذي لم يُمتحَن مثل ابن حنبل فقط؛ وإنما امتُحن أشد منه، إلى درجة أنه تُوفي في السجن على إثْر امتحانه وتعذيبه(٥)، وهنا لا يمكن أن تمر مثل هذه اللمحة مرور الكرام، إذ لو كان من ضمن معايير مكانة أحمد التي يُمتَدَح بها أنه ثبتَ في المحنة وتعرض للأذى وتحمل ذلك في سبيل الله -كما يُقال عنه-، فما الأمر إذًا بالنسبة لمَن تم إيذاؤهم أكثر منه إلى درجة الوفاة لا الضرب فقط، كما في مثال أحمد بن نصر الخزاعي؟ هنا تترجح كفة ما نذهب إليه، من أن الحنابلة قد تلقفوا الواقعة واستثمروها غاية الاستثمار، ومما مكَّنهم من ذلك: الانقلابُ الذي قام به المتوكل العباسي، وتقريبه لابن حنبل وأتباعه، واضطهاد المعتزلة؛ وبالتالي تكون الساحة قد خَلَتْ للحنابلة وأساطيرهم عن المحنة، ونحن نعلم أن التاريخَ يكتبُه المنتصر، وعلى هذا الأساس؛ تم تلميع ابن حنبل مِن قِبَلِ أتباعه، خاصة بعد وجود هذه الأرض الخصبة المُعَدَّة لهم.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) مصطلح «المِحنة» خير دليل على ما نذهبُ إليه من أن أتباع ابن حنبل حاولوا استثمار ما حدث من مواقف له في امتحان قضية خلق القرآن، للمبالغة في ادعاء المظلومية، ومِن ثَمَّ رسْم صورة ملائكية عن إمامهم ومواقفه.

(٢) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، (ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨٣م)، ج ١١، ص ٢٣٧: ٢٤١، ٢٥١.

(٣) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ٢٥٥.

(٤) يُنظر: ابن الجوزي، «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، تحقيق: محمد أمين الخانجي، (ط١، القاهرة، مكتبة الخانجي، د.ن)، ص ٤٥٥: ٤٥٦.

(٥) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ١٦٦: ١٦٨.

ــــــــــــــــــــــ

  • إسبينوزا وأثرُه في تأسيسِ الحداثةِ الغربية.

بِقَلَم محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.

قد يكون مِن اليسير علينا الآن أن نتناول الفيلسوفَ الهولندي «إسبينوزا» وآراءَه بالتحليلِ والانبهار به أو الاختلاف معه، غير أن هناك أمرًا لا يجب أن يغيب عن حسباننا، وهو: السياق الذي ظهرَ فيه إسبينوزا، فمِن هنا يمكننا أنْ نُنْزِلَه منزلته التي يستحقها، لأننا لو نظرنا إلى كتاباته بعيون اليوم، وما استقر مِن فكر في الغرب؛ لَمَا استطعنا إذًا أن نعرِفَ حجمَ الثورةِ التي أحدثها في الفلسفة الغربية، فقد تكون أفكاره محلَّ قبولٍ وأُلْفة اليوم في الغرب وغيره من المناطق، إلا أن السياق الأصولي المتزمِّت الذي عاشَ فيه، ومدى الانغلاق الفكري والتربص بكل مَن على نهْجه، ومحاكم التفتيش والمطاردات التي تعرَّضَ لها، وترْكه لجماعته اليهودية والخروج عليها(١)؛ يجعل نظرتنا إليه تختلفُ، فأنْ يكون المجتمعُ الذي تحيا فيه يتسمُ بالتزمت والظلامية، ثم يخرج عليه شخصٌ مثل إسبينوزا، بأفكار ونقْد ثوري جذري صادم لكثير مما كان يُعَد من قبيل البَدَاهات والمُسلَّمات؛ فهنا نقول إننا أمام حالة غير معتادة يمثلها هذا الفيلسوف.

معالِمُ منهجه النقْدي.

يمكننا تناول ذلك في النقاط الآتية:

  • قلْبُ دلالة المصطلحات.

مِن أهم المعالِمِ التي قد تكون كامنةً في فلسفة إسبينوزا: قلْبُ دلالة الألفاظ، بمعنى أن هناك لفظًا مثل: «الله»، له تصورات محددة في أذهان الناس قبل إسبينوزا؛ إلا أن استخدام إسبينوزا لمصطلح «الله» لا يُفهم منه أنه أراد الدلالة القديمة الشائعة قبله لهذا المصطلح؛ بل أراد دلالةً مغايرةً تمام المغايرَة، وذلك بإشارته إلى أن فكرة «الله» مساوية لـ «الطبيعة»(٢)، لاعتقاده بأنه لا يُمكِن لجوهر أن يُنتِجَ جوهرًا آخر، بمعنى أن الوجود كله جوهرٌ واحدٌ لا ينقسم؛ وعلى هذا لن يصبح هناك فرق بين الله والطبيعة، طالما أنهما شيءٌ واحد(٣)، ومن هنا نجد أنه لا عَلاقة دلالية بين مصطلح «الله» بمعناه الشائع القديم، ومعناه الذي أضْفاه عليه إسبينوزا، فالتطابق واقع في المصطلح فقط من حيث كونه مصطلحًا، أما دلالته، فقد اكتسبتْ وجهًا مختلفًا تمامًا.

وهنا تظهر مشكلة لدى كثيرين مِن قُرَّاء إسبينوزا، وهي أن تحويل دلالة ألفاظ مستقرة على مدى قرون مديدة، من شأنه أن يُحدِثَ ارتباكًا كبيرًا للقارئ؛ فحتى إذا كان إسبينوزا قد أشار إلى معنى دلالي جديد للفظٍ قديم سيستعمله، تكون هذه الإشارة عابرة، ولا يكررها في كل موضع يتكلم فيه عن هذه المصطلحات ذي الدلالة الجديدة، وهنا لابد لقارئ إسبينوزا من الانتباه العميق إلى هذه النقطة؛ حتى لا يقعَ في خطأ يتمثل في فهْم مصطلحات إسبينوزا على غير ما أرادها تمامًا، ومن النقاط التي تساعد في تفادي هذا الأمر: القراءة المتأنية العميقة لمقدمات كتب إسبينوزا.

إن القلْبَ في دلالةِ المصطلحاتِ الذي أحدَثَه إسبينوزا، هو اختبارٌ عسيرٌ لقدرة الإنسان على التخلص من الدلالاتِ المألوفةِ للمصطلحات الشائعة، وهو اختبارٌ عسيرٌ لأن الألفاظَ التي قام إسبينوزا بتحويل جذري في دلالتها كانت راسخة بشدة في الأذهان، وموغِلة في القِدَمِ، إلى درجة أنها قد أصبح لها تأثيرٌ نفسيٌّ وانفعالي قوي على الإنسانِ، وما سعى إليه إسبينوزا هو القضاء على حالة الحتمية والضرورة لدلالاتِ كثيرٍ من المصطلحات، وعلى الرغم من كثرة الكتابات التي أُنْجِزَت عن إسبينوزا، إلا أن قليلين هم الذين انتبهوا إلى هذا الأمر في فلسفته(٤)، إلى درجة أن فيلسوفًا مثل برتراند رَسِل عند حديثه عن إسبينوزا يقول: «وُلِدَ يهوديًّا، ولكن اليهودَ حَرَموه مِن الانتماءِ إليهم، وقد مَقَتَهُ المسيحيون أيضًا مَقْتًا شديدًا، ورغم أن فلسفتَه بأسْرها تهيمِن عليها فكرةُ الله؛ فقد اتهمه أصحابُ العقيدةِ التقليديين بالكفر»(٥).

في النص السابق نجد أن برتراند رَسِل يتعجبُ مِن معاداة إسبينوزا واتهامه بالكفر على الرغم من حضور فكرة «الله» وهيمنتها على فلسفته، وهنا يكون رَسِل قد وقع في فخ سطوة الدلالة القديمة لمصطلح «الله»، فتعامل معه، في موضع كلامه في هذا النص، على أنه يَحمِلُ نفْسَ الدلالاتِ القديمة، ومِن هنا جاء تعجبه مِن مطاردة إسبينوزا واتهامه بالكفر، غير أن دلالة مصطلح «الله» قد تحولَتْ تحوُّلًا جذريًّا على يد إسبينوزا، كما أشرنا سابقًا من كونه يساوي بين «الله» و «الطبيعة»، فإذا أطلقَ مصطلح «الله» في كتاباته، فهو -غالبًا- يريدُ الدلالةَ الجديدةَ له من كونه مساويًّا للطبيعة، وأنه فَقَدَ أيَّ ارتباطٍ بمدلولاتِه القديمة، خاصة عند أصحاب الديانات المقدسة، ومِن ثَمَّ، فإن العبرةَ ليست بورودِ مصطلح: «الله» في كتابات إسبينوزا؛ بل بالمضمون الجديد الذي أضْفاه إسبينوزا على هذا المصطلح وغيره مِن المصطلحات.

  • القطيعة بين الفلسفة والدين.

الناظرُ في فلسفة ديكارت؛ يجد أنه لم يَدخل في صدامٍ جذري مع رجال الدين، ولا أدل على ذلك أكثر من أنه أهدى كتابه: «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى» لعلماء أصول الدين في كلية اللاهوت المقدسة في باريس، حيث أكدَ في هذا الإهداء على إيمانه العميق بالله، وأن ما يسعى إليه من محاولة إثبات وجود الله بالأدلة العقلية، فهذا ليس لأنه يشكُّ في وجودِ اللهِ ولا يقتنع إلا بالأدلة العقلية؛ وإنما يسوق ذلك لغير المؤمنين بالله، والذين لا يمكن الحوار معهم وإقناعهم بغير الدليل العقلي(٦)، وهذا يشير إلى أنه على الرغم من حركةِ التجديد التي قام بها ديكارت وغيره في هذه الحقبة، إلا أن سطوة رجال الدين لم تختف؛ بل كان تأثيرهم ما زال قويًّا، والخشية منهم حاضرة عند كثير من الكُتَّاب، كما يتضح أن ديكارت قد يكون اختار هذه الطريقة تجنُّبًا منه لحال التزمت الحاصلة في وقته، كما يتضح لنا أن ديكارت لم يكن صاحب مزاج صدامي بالطريقة الجذرية؛ وإنما تقوم طريقته على التدرُّجِ في تحديث المجتمع ومواجهة الجمود.

ولكن ما علاقة هذا بـ إسبينوزا؟ إن إسبينوزا يكاد يكون الوحيد من الديكارتيين الذي استطاع أن يطبِّقَ منهجَ ديكارت في الشك على الحقول التي استبعدها ديكارت بنفسه من أن تندرج تحت منهج الشك؛ فلقد قام إسبينوزا بثورة في تطبيق منهج الشك الديكارتي على الحقل الديني والعقائد والكتب المقدسة؛ ولذلك حدثَتْ عدة محاولات لاغتياله مِن قِبَلِ رجال الدين(٧).

وهنا يجدر بنا أن نقول إن التطويرَ الحقيقيَّ لفلسفة ديكارت كان أوضح ما يكون على يد إسبينوزا؛ ففي حين أن ديكارت لم يستطع أن يصطدم بشدة مع رجال الدين، وراح يبرِّر لهم بعضَ كتاباته الفلسفية، وأن جزءًا منها كان من أجل إثبات العقائد الدينية وكذلك إثبات وجود الله من الناحية العقلية، كان إسبينوزا على الجانب الآخر يتحرر من كل هذه الحمولة والتبرير، ولذلك فقد أحدثَ صدمةً معرفيَّةً في الوسط الاجتماعي آنذاك، وفي الحقيقة، فإن هذه الصدمات المعرفية تكون مطلوبةً في بعض الأحيان، خاصة في البيئات التي انطبع الظلامُ والجمودُ عليها، نعم هناك ضريبة كبيرة يتعرض لها مَن يقوم بهذه الصدمات المعرفية لمجتمعه؛ ولكن مَن قال إن الوصولَ إلى الأشياء المتميزة في حياتنا ليس له ضريبة؟ كل شيء -غالبًا- جميل في هذه الحياة له ضريبة تُدْفَعُ، والتنوير الأوروبي لم يشذ عن هذه القاعدة، فلقد تعرضَ كثيرون للتنكيل بهم في سبيل التخلص من العصور المظلمة التي عاشتها أوروبا، وكان إسبينوزا من أشد الفلاسفة الذين تعرضوا للتنكيل والمطاردة والنفْي، وكان جزء من شدة ما تعرض له يعود إلى منهجيته الصادمة التي فاقت احتمالَ مجتمعِه آنذاك، ولكن ما قام به من ثورة فلسفية اختصرَ كثيرًا من السنين التي كان يمكن أن يمر بها الفكرُ الأوروبي لو كان يسيرُ بالتدرج البطيء في التصدي لظلام العصور الوسطى، ومداهنة رجال الدين.

وهناك عامل مهم في هذا السياق نشيرُ إليه، وهو: أن بعض الترجمات العربية لكتابات إسبينوزا، لم تُقدِّمْه بنفس القدر من الجرأة في الطرح التي كان عليها في كتاباته الأصلية قبل الترجمة، ويعود ذلك إلى أن بعض المجتمعات، التي تُتَرجَمُ فيها كتاباتُ إسبينوزا، لم تبلغ درجةً من التطور والتنوير تجعلها تتقبل الطرْح الجديد، والجريء، عليها بسهولة، وهناك سبب آخر كامنٌ، وهو: أن المُترجِم، أحيانًا، يريد التعبيرَ عن نفسِهِ من خلالِ الآخرين، فتكون ترجمته بذلك تحمل بصمةً من تفكيره الخاص، عبَّرَ عنها من خلالِ شخصية مَن يترجِم له كتاباته(٨)، وقد يكون هذا التوجه مِن بعض الكُتَّاب المترجِمين بسبب التزمت الأصولي في مجتمعاتهم.

ومن خلال ما سبق، يتضح أن إسبينوزا لم يسعَ، كغيره، للتوفيق بين الفلسفة والدين؛ ولكنه كان واضحًا في توجهه ونزوعه الفلسفي، الذي لا يقبل وصاية النصوص عليه، وهذا المنهج حرَّرَه من حمولة التكلُّف في إيجاد تأويل للنصوص المقدسة يتناسب مع الطرح الفلسفي والعلمي؛ وهذا جعلَ كتاباته مباشرة وواضحة في كثيرٍ من أجزائها.

  • البُعد الاجتماعي في فلسفة إسبينوزا.

إن ديكارت لم يستبعد العقيدة والله فقط من منهج الشك؛ فقد استبعدَ أيضًا النُّظُم السياسية، والتشريعات الوطنية، وعادات البلد؛ وبذلك يكون ديكارت قد أخرجَ الجانب الاجتماعي كلَّه من الوقوع تحت طائلة منهج الشك، أي كان منهج الشك لديه يقتصرُ على بعضِ التوجهات فقط في الفكر، أما إسبينوزا، فقد أحدثَ نقلةً جديدةً في الربْط في الفكر والمجتمع؛ فكما طبَّقَ منهجَ الشك على العقائد الدينية والنصوص المقدسة، فقد طبَّقه أيضًا على المجال السياسي والاجتماعي، وبهذا يكون إسبينوزا قد سبَقَ كانط وهيجل في هذا اللون من الفكر السياسي والاجتماعي(٩)، ومن خلال هذا الطرْح، يتضح مدى الشمولية التي أضْفاها إسبينوزا على منهج الشك الديكارتي، وأنه يعود إليه فضل كبير في الربْط بين الفكر والواقع، وبذلك لم يُهمَّش الجانبُ الاجتماعي في فلسفته، ويُعَد هو الممهِّد الأكبر لعصر التنوير وما تلاه مِن ثورات فلسفية وعلمية، كان مِن نتاجها: إفرازُ نمط الحضارة الأوروبية، التي ما زالت تنتعشُ وتجدد وتطوِّر نفسها.

إسبينوزا من منظور التحليل النفسي.

لحياة الفرْد -غالبًا لا بالضرورة الحتمية- أثرٌ في توجهه الفكري وكتاباته، وما يمر به الإنسانُ من صراعات نفسية أو عاطفية أو اجتماعية، من الممكن أن تولِّد بصمةً ما في سلوكه وأفكاره، وإسبينوزا يمثل مادةً ثرية في هذا الصدد؛ إذ إن حياته مليئةٌ بالأحداث والتحولات والصراعات المتنوعة.

وإذا نظرنا إلى لمحةٍ من هذه القضية؛ نجد أن إسبينوزا قد طُرِدَ من طائفته اليهودية وهو لا يزال شابًّا، وأصبح منبوذًا حتى من بين أفراد عائلته وأسرته، ولا يمكن تجاهل كل هذا وتأثيره المحتمَل على إسبينوزا وفكره وحياته، خاصة إذا عَلِمنا أنه قد خصصَ ما يقرب من ربع كتابه عن الأخلاق لمسألة «التغلب على عبودية العواطف»، وما كان لهذا الجزء من الكتاب أن يوجد إلا بوجود صراع في مشاعره عانى منه(١٠)، ومما يدعم هذا الرأي، أن إسبينوزا قد مرَّ بتجرِبةٍ عاطفيَّةٍ قاسية، وهي أنه كان يحبُّ كلارا ماريا ابنة أستاذِهِ فرانسيسكو فان دين إندن، وقد كانت تساعد والدها في تدريسِ اللاتينية لـ إسبينوزا، ولكنها لم تُبادلْه نفس الحب؛ حيث وقعتْ في حب طالبٍ آخَر زميل إسبينوزا(١١).

وهذا يدلُّنا على أثر التجارِب الشخصية والحياتية في كتاباتِ المرء، فالقارئ لكتاب الأخلاق لـ إسبينوزا، وخاصة الفصل الذي تكلمَ فيه عن «التغلب على عبودية العواطف»، إذا لم يكن لديه عِلْمٌ بتجرِبة إسبينوزا العاطفية؛ فقد يظن للوهلة الأولى أن هذه الآراء له مجرَّدة عن أية تأثيرات خاصة، إلا أنه بعد الاطلاع على تجرِبته الخاصة في الحب، يتبين لنا كيف يمكن لمواقف خاصة في حياة الشخص أن تجعله يتبنى رؤية فكرية بعينها، لا أقول ذلك على سبيل الحتمية، ولا أن هذه الأسباب هي الوحيدة في توجيه الكاتب والتأثير عليه، ولكني أشيرُ إلى قابلية هذه التجارِبِ الشخصية للتأثير في حياة الفرد الفكرية، وإلا فكيف لـ إسبينوزا بعد أن كان يهوى ويحب كلارا ماريا يتحول كل هذا التحول ليكتب: «التغلب على عبودية العواطف»؟ لابد أن هذا التحول نبَعَ، أو جزء منه، بسبب تجرِبته القاسية التي مر بها، ورفْض ابنة أستاذه له، وعدم مبادلتها له بنفس حبه لها.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) بيار فرنسوا مورو، «إسبينوزا والإسبينوزية»، ترجمة: د. جورج كتوره، (ط١، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ٢٠٠٨م)، ص ١٠، ١٥.

(٢) إسبينوزا، «رسالة في إصلاح العقل»، ترجمة: جلال الدين سعيد، (ط٢، المغرب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ٢٠١٧م)، ص ٨٣: ٨٥.

(٣) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م)، ص ١٣.

(٤) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، ص ١٣: ١٤.

(٥) برتراند رَسِل، «تاريخ الفلسفة الغربية»، ترجمة: د. محمد فتحي الشنقيطي، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٧م)، ج٣، ص ١٢٠.

(٦) رينيه ديكارت، «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى»، ترجمة: كمال الحاج، (ط١، بيروت، منشورات عويدات، ١٩٨٨م)، ص ٣ من المقدمة، صفحة الإهداء.

(٧) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، ترجمة: د. حسن حنفي، (ط١، بيروت، دار التنوير، ٢٠٠٥م)، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٩.

(٨) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٥.

(٩) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ١١.

(١٠) إيرفين د. يالوم، «مشكلة إسبينوزا»، ترجمة: خالد الجبيلي، (ط١، بيروت، منشورات الجمل، ٢٠١٩م)، ص ٨: ٩.

(١١) دان تايلور، «إسبينوزا ومَشاق القلب»: https://mana.net/spinoza-and-love/

ــــــــــــــــــــــ

  • جذورُ ما بعد الحداثةِ عند سيجموند فرويد.
  • مُقدمةٌ منهجية.

علينا، بدايةً، أن نُنَوِّهَ إلى أن النظرياتِ الفلسفيةَ ليست بالضرورة، ولا على الدَّوَام، ترتبطُ بتاريخٍ مُحدَّدٍ يكون بمثابة ميلاد لها مِن العدم، فهذه في ظنِّي طريقة غير دقيقةٍ في التأريخ للفلسفة؛ ومستندنا في ذلك: أن الأفكارَ -غالبًا- لا تُولد بمعزلٍ تمامٍّ عن السياقِ الذي سبقها؛ ولكنها -في كثير من الأحيان- تَسْري وتُولد في الظلِّ، وتأخذُ في النمو والتشكُّل عبْر مدة قد تطول أو تَقْصُرُ، وسيتضحُ قصدي مِن هذه المقدمة الاستهلالية فيما هو قادمٌ من السطور.

عند تناولنا فلسفات مثل «الحداثة» و «ما بعد الحداثة»، علينا أن ننظرَ إليها لا على أنها حِقَبٌ تاريخية، تبدأ في تاريخ، ثم تنتهي، ثم تَحُلُّ مكانها نظريةٌ فلسفية أخرى في تاريخ محدد، وإنما هناك، في رأيي، منظورٌ فلسفيٌّ فكري للتأريخ للأفكار والفلسفات، يتجاوزُ حصْرَ الأمور في مدة زمنية محددة بالسنة والشهر واليوم، نُعلنُ فيها عن ميلاد فكرة أو نظرية ما وأفول أخرى، الأمر من الناحية الفلسفية أعمق مِن هذا وأكثر تركيبًا؛ ومنظوري في التأريخ لظهور فكرة أو نظرية ما وأفولها يعتمد على الآتي:

تحديد الأسُس والمعالِم الفلسفية السائدة في هذه النظرية أو الفلسفة، التي تقوم عليها، وإذا عَرفنا الأسسَ والمرتكزاتِ التي تقوم عليها نظريةٌ ما؛ يمكننا حينئذ أن نتلمَّسَها بمجرد أن تقع أعيننا على هذه المرتكزات والأسُس، بغضِّ النظر عن الحقبة التاريخية التي وُجِدتْ فيها هذه المرتكزات، وموضوع هذه المقالة سيعطينا مثالًا تطبيقيًّا على هذه القضية، على الرغم من أن هذا الأمر ليس هو المقصود فقط من المقالة؛ بل يُقصَد منها التماس جذور فلسفة ما بعد الحداثة عند مؤسس مدرسة التحليل النفسي: سيجموند فرويد.

وإذا كان موضوعنا في هذه المقالةِ يتناول «جذور ما بعد الحداثة»، فعلينا أولًا التعرف على أبرزِ مرتكزات «الحداثة»؛ حتى إذا ما وجدنا تحولًا في هذه المرتكزات؛ يمكننا إذًا تتبُّع جذور الانتقالِ إلى «ما بعد الحداثة».

  • معالِمُ الحداثةِ ومرتكزاتها.

تذهبُ بعضُ الآراء إلى وجود صعوبةٍ في تحديد مفهومٍ دقيق للحداثة(١)، ولذلك، فإن المُجْدي في هذه الحال ليس محاولة تتبع تعريف ليس عليه اختلاف للحداثة؛ ولكن علينا أن نلتمسَ ذلك من خلال أبرز المرتكزات التي قامتْ عليها الحداثة، وحينئذ، سنجد أن هناك بعض الخطوط العامة التي كانت واضحةً كفكرة بارزة في فلسفة الحداثة، وهذه الخطوط تتمثل في:

الذاتية: من أهم البُنى التي تقوم عليها الحداثة، فكرة: الذاتية، وتعني أن حرية الإنسان هي المبدأ الذي سيكون سائدًا في حقبة الحداثة، وهنا يمكننا القول إن الذات الإنسانية اكتسبتْ مركزيةً، وأصبح الإعلاء منها ضرورة في فلسفة الحداثة، إلا أن حرية الفرد في هذه الحقبة لابد أن يُراعى فيها وجود الآخرين، أي لابد ألا تكون حرية الفرد مناوئة لحرية غيره من الناس ومتعارضة معها(٢)، وهنا تظهر لنا سمة أخرى تميِّزُ فلسفةَ الحداثة، وهي: وجود اهتمام بفكرة القانون المُنظِّم، وعدم الفوضى الفكرية والاجتماعية.

العقلانية: مِن السمات التي ظهرت مع الحداثة: العقلانية الفائقة؛ فلقد اعتقد فلاسفةُ هذه الحقبة أن للعقل سُلطةً تعلو على أية سُلطة؛ إذ به يمكن التوصل إلى الحقيقة دون حاجة إلى الدين، بل إن الدين نفسه أصبح خاضعًا لسلطان العقل في تفسيره وتأويله(٣) ومحاكمة نصوصه من خلاله، ومن دعاوى الحداثة أيضًا، بخصوص الحقيقة التي يمكن التوصل إليها من خلال العقل: أن هذه الحقيقة موضوعية، تتعالى على الأهواء، وأنه بإمكان الشخص التحرر من الانحيازات ويكون محايدًا، وذلك من خلال المنهج العلمي التجريبي، الذي يكون قادرًا على الوصول إلى حقيقة موضوعية خالية من الانحيازات والأهواء(٤). ومن هنا نستنتج أن فلسفة الحداثة شَهِدَتْ ثقةً تكاد تكون مُطْلَقَة في العقل والإنسان؛ فقد أصبحت له مركزية بحيث إليه تُرَدُّ كلُّ الأشياء ليكون حاكمًا عليها.

سردية التقدم: كان من أبرز المرتكزات التي اتكأت عليها فلسفةُ الحداثة، هو أن حركة التاريخ في تقدمٍ مستمر، وأنه كلما استطعنا أن نستزيد من العِلم واكتشافاته؛ فحينئذ تزداد سيطرتنا على العالَم من حولنا، وهذا كله سبب في رفاهية الإنسان وراحته(٥). ويمكننا استخلاص عبارة جامعة مما تقدَّمَ، لنقول: إن جوهر الحداثة كان يقوم على الثقة المُطلقة في العقل، والإعلاء من الذات الإنسانية، والتطلع إلى الحقيقة الموضوعية من خلال حاكمية العقل، وأن مسارَ التاريخِ يسيرُ في خط تصاعدي، هذه المعالِم جوهرُ ما يمكن استخلاصه من فلسفة الحداثة.

وإذا عَلِمنا أبرزَ المرتكزاتِ والمعالِم التي تقوم عليها فلسفة الحداثة، فبإمكاننا إذًا الانتقال إلى تتبع جذور ما بعد الحداثة، بغض النظر عن الالتزام الحرفي بتاريخ محدد لظهورها؛ حيث إننا الآن نمتلك ملامح المعيار الذي من خلاله نستطيع الحُكمَ على فلسفة الحداثة بأن معالِمها التي تميزها قد آلَتْ إلى الأفول أم لا، وإذا كانت قد اتجهت بالفعل إلى الأفول؛ فمِن هنا علينا تتبع معالِم الحركة الفلسفية التي حلَّتْ مكانها، وهذا بدوره ينقلنا بتسلسل غير مبتور إلى ما نريد تتبعه عند سيجموند فرويد، وهو: جذور ما بعد الحداثة في فكره.

  • جذور ما بعد الحداثة عند فرويد.

هناك نصٌّ لفرويد من الممكن أن نتتبعَ من خلاله جذورَ ما بعد الحداثة عنده، هذا النص يشير إلى أن: الكبرياء والنرجسية البشرية ضُرِبَتْ ثلاث مراتٍ في تاريخِ العِلْمِ:

الضربة الأولى: كانت على يد كوبرنيكوس، عندما كشَفَ أن الأرض ليست مركز الكون؛ بل إنها جزءٌ صغيرٌ مِن نظامٍ كونيٍّ شاسع؛ مما أشعرَ الإنسانَ بأن كوكبَه الذي يعيش فيه ليس هو محور الكون؛ وإنما جزء صغير فيه. أما الضربة الثانية: فكانت على يد تشارلز داروين، والذي أظهرَ في نظريته أن البشرَ متصلون بمملكة الحيوان، وأن طبيعتهم البيولوجية تشتركُ مع باقي الكائنات الحية في أصل واحد، مما قلَّل مِن المُطلق في موقعهم -البشر- بين الخلق، وأنهم ليسوا متميزين من ناحية الخلْق عن باقي الكائنات. والضربة الثالثة: كانت على يد فرويد، والذي أكدَ أن الأنا لا تتحكم بالكامل في سلوكياتها أو دواخلها، وأن اللاوعي/اللاشعور يلعب دورًا مركزيًّا في تكوين السلوك، مما أعاد رسْم حدود السيطرة الذاتية للإنسان على نفسه، وبالتالي على غيره، وأن العقل ليس هو السيِّد الذي يقود حياة الإنسان ويتحكم في حركة الفكر(٦).

وبما أن جوهر الحداثة كان قائمًا -كما عَرَضنا- على مركزية الذات الإنسانية، والثقة المُطلقة في العقل؛ فهنا يمكننا القول إن هذه السردية الحداثية سُحِبَ البساطُ من تحتها على يد فرويد، وذلك بسبب إقصائه للعقل من حالة المركزية، وإحلال اللاشعور بدلًا منه، وهنا تكمن أهمية عدم الاتباع الحرفي -أحيانًا- لفكرة التأريخ لظهور الأفكار والفلسفات وأفولها؛ حيث إننا من خلال نص فرويد نرى أن الأرضية التي قامت عليها الحداثة تتآكَل، وهذا مؤذِنٌ بظهور الحقبة التي تليها: فلسفة ما بعد الحداثة، ولكن التأريخ لفلسفة ما بعد الحداثة يشيرُ إلى ظهورِها في نهاياتِ الخمسينيات من القرن العشرين(٧)، وإذا عَلِمنا أن فرويد توفي سنة ١٩٣٩م، أي قبل التاريخ المذكور لظهور ما بعد الحداثة؛ فإننا حينئذ نزداد قناعةً بأن التحديد الصارم لتاريخ ظهور الأفكار غالبًا لا يعبر عن حقيقة الأمر؛ بدليل أن هناك جزءًا من مبادئ ما بعد الحداثة ظهرت على يد فرويد، رغم وفاته قبل إعلان ظهور فلسفة ما بعد الحداثة.

وأود الإشارة هنا إلى أنني لست معارضًا لفكرة التأريخ لظهور الفلسفات والأفكار، فقد يكون الغرض من التأريخ الدقيق لها هو ظهورها كحالة ونظرية متكاملة، دون ممانعة في وجود جذور لها حتى قبل الإعلان الرسمي عن ظهورها، إلا أنني أردتُ من ناحية أخرى الإشارةَ إلى عدم التقيد الحرفي بهذه التواريخ، وأنه على الباحث في تاريخ الأفكار والفلسفات أن يتتبعَ الجذورَ الفكرية والفلسفية للقضية، وهذا يساعده في تجاوز حالة الاختزال، التي من الوارد أن يقع فيها حال تقيده الحرفي بتاريخ ظهور النظريات، فهذا التقيد من شأنه أيضًا ألا يكشفَ عن الملابساتِ الاجتماعيةِ والسياسية والفكرية التي صاحَبَتِ التحولَ من نظريةٍ إلى نظرية، ومن اتجاه فلسفي إلى آخَر، فحينها قد يظن الناظرُ، الذي قيَّدَ نفسَه بتاريخٍ محددٍ بدقة لظهور الأفكار والنظريات، أن هذه النظرياتِ بينها جُزُرٌ منعزلة، تختفي النظرية وتَحُل الأخرى دون أية مقدمات أو إرهاصات أو سياق اجتماعي وثقافي ونفسي ساعد في إفرازها، ولكن تتبُّعنا، بمثال مقالتنا، لجذور ما بعد الحداثة عند فرويد، يكشف خلافَ ذلك؛ إذ يكشفُ وجودَ جذور لفلسفة ما بعد الحداثة حتى داخل الحداثة نفسها، وذلك حين أشار فرويد إلى أن أول ضربة للكبرياء البشرية في العصرِ الحديثِ كانت على يد كوبرنيكوس، وكوبرنيكوس هذا من حيث التاريخُ والزمنُ ينتمي إلى حقبةِ القرن السادسَ عشرَ، أي أنه قد سبق عصرَ التنوير، ولكن بتطور التاريخ، كانت ضربته، التي وجهها إلى الاعتقاد السائد بمركزية الأرض، حلقةً في سلسلةِ تنحيةِ الإنسانِ عن مركزيته في الكون، والتي بلغت ذروتها مع فلسفة ما بعد الحداثة.

هذا عن الملامح العامة التي قدَّمها فرويد في نصِّه الذي أوردناه، واستنتجنا أنها كانت نقطة مهمة في التأسيس لِما بعد الحداثة، غير أن هناك بعض الملامح الأخرى مبثوثة في كتابات فرويد، نتناولها في السطور الآتية.

  • أثر موقفه من الدين في التأسيس لفلسفة ما بعد الحداثة.

لفرويد موقفٌ خاصٌّ يُحلل من خلاله الأسباب والدوافع في نشأة الأديان، وهذه الأسباب، بطبيعة الحال، كانت تنحو منحى سيكولوجي، باعتبار أن صاحبها هو المؤسس لنظرية التحليل النفسي، فقد رأى فرويد أن نشأة الأديان تعود إلى شعور الإنسانِ بالضعفِ أمام قوى الطبيعةِ؛ الأمر الذي جعله يبحثُ عن شيءٍ يُشْعِرُهُ بالأمان في مواجهة هذه المخاطر التي يعجز عن مواجهتها، كما أن هناك عاملًا آخر يَعزو فرويد إليه سببَ نشأة الأديان، هذا السبب يتمثل في: رغبة الإنسانِ في سد النقْص الثقافي والحضاري في المجتمع الذي يعيش فيه، ولذلك فإن الإنسان احتاجَ أن يُضْفي طابع القداسة على الدين، بحيث يجعله وحيًا مُنزَّلًا، يتسامى على النقد والخضوع للتطورات التاريخية(٨).

ويستلهمُ الإنسانُ فكرةَ الدين، والقوة العليا، التي يلجأ إليها لمواجهة المخاطر التي يعجز عن التصدي لها، مِن تجرِبتِه التي مر بها أثناء الطفولة؛ حيث كانت شبيهة بهذا الموقف؛ وذلك حين كان الإنسانُ في طفولته ينظرُ إلى والده على أنه الحامي له بما يمتلكه من قوة، ولذلك يلجأ هذا الطفلُ إلى طاعة أبيه والانصياع إلى أوامره ونواهيه؛ لِمَا يوفره له من حماية، وهذه الدوافع لنشأة الأديان وُجدت عندما كان الإنسانُ لم يبلغ بعدُ مرحلةً من التطور تجعله قادرًا على تحكيم عقله بدلًا من اللجوء إلى القوى العاطفية(٩).

سأذكرُ ملاحظتي على رؤية فرويد لدوافع نشأة الأديان، ثم أببِّنُ عَلاقةَ ذلك بجذور ما بعد الحداثة، فأما عن رؤية فرويد للأديان، من كونها تنشأ بسبب عوامل نفسية لدى الإنسان في محاولة لتغطية عجزه في مواجهة قوى الطبيعة والمخاطر الأخرى والنقص الذي يعتريه، فأقولُ: هذه الرؤية إذا فسَّرَتْ بعضَ الأديانِ القديمة والتوجهات الفكرية، أو الأديان الوضعية -بعضها لا على التعميم-، فإنها لا تطَّرِد وتصلح لتفسير أديان سماوية أخرى؛ ولنأخذ الدين الإسلامي كمثال لِما نريد قوله: عند النظر إلى ظهور الدين الإسلامي؛ نجد أن نشأته كانت مُحاطة بصعوبات بالغة واضطهاد -في بداية الأمر- لمعتنقي هذا الدين وصاحب الرسالة الذي جاء بها، وهو سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ.

حيث إن صاحب الرسالة كان عزيزًا في قومه، ولم يكن يعاني مخاوف أو ضعف يجعله يلجأ إلى ما قاله فرويد من نشأة دين لسد هذا الضعف والعجز؛ بل الحاصل كان نقيض ذلك، وأنه، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، تعرضَ لأذى شديدٍ بسبب صَدْعه بالرسالة، وواجه اتهاماتٍ عديدةً من قومه وعشيرته، ولذلك، لا تستطيع رؤيةُ فرويد لنشأة الأديان تفسير الدين الإسلامي ونشأته، خاصة في لحظته الأولى على يد صاحب الرسالة، بسبب أن ما قاله فرويد من أن الإنسان يلجأ إلى نشأة الأديان لحمايته تجاه مخاوف الطبيعة لم يكن متوفرًا في حالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ؛ فقد حدث العكس؛ إذ عندما أعلن هذا الدينَ؛ تحولت حياتُه إلى تهديداتٍ ومخاطرَ كثيرة من قومه، وبهذا لم يتحقق شرْط فرويد -في هذه الحالة- من أن لجوء الإنسان إلى الدين يكون بسبب ضعف الإنسان والرغبة في تقديم حماية له.

ثم نعود لنقول: ما عَلاقة نظرة فرويد للدين بفلسفة ما بعد الحداثة؟ إذا كانت فلسفة ما بعد الحداثة تقوم على الثقة المُطلقة بالعقل، والإيمان بالسرديات الكبرى الناظمة لحركة الفكر في المجتمعات، فإن نقْد فرويد للأديان(١٠)، وتحويله إياها إلى مجرد ظواهر نفسية أيديولوجية، تختلف من ثقافة إلى أخرى، وتخضعُ لحركة التطور التاريخي؛ هذه الرؤية تمثل جزءًا أصيلًا من المرتكزات التي تقوم عليها فلسفة ما بعد الحداثة؛ إذ من هذه المرتكزات: السعي إلى نفْي المُطلق والموضوعية، وأن ما يوجد من أفكار هو خاضع للبُنى الأيديولوجية يؤثر ويتأثر بها، وعدم المركزية وعدم الثبات، ورفْض الغاية والقصْد -التي هي جزء رئيس من الأديان السماوية- لحساب المصادفة والفوضى(١١)، هذا كله يدلنا على أثر نظرية التحليل النفسي عند فرويد -في بعض جوانبها- في ظهور مفاهيم ما بعد الحداثة والتأصيل لها.

ـــــــ

هوامشُ المقالةِ:

ـــــــ

(١) د. محمد سَبِيلا، «مدارات الحداثة»، (ط١، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ٢٠٠٩م)، ص ١٢٣.

(٢) يورجن هابرماس، «القول الفلسفي للحداثة»، ترجمة: د. فاطمة الجيوشي، (ط١، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، ١٩٩٥م)، ص ٣٠: ٣٢.

(٣) صلاح سالم، «جدل الدين والحداثة»، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٨م)، ص ١١٩.

(٤) يونس صالح، «حركة ما بعد الحداثة»، (مجلة المعرفة، سوريا، العدد ٦٦٦، ٢٠١٩م)، ص ٧٧.

(٥) سوزان حرفي، «حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري: العلمانية ـ الحداثة ـ العولمة»، (د.ط، دمشق، دار الفكر، ٢٠١٣م)، ص ٦.

(٦) سيجموند فرويد، «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي»، ترجمة: د. أحمد عزت راجح، (ط١، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٨م)، ص ٢٦٣: ٢٦٤.

(٧) جان فرانسوا ليوتار، «الوضع ما بعد الحداثي»، ترجمة: أحمد حسان، (ط١، دار شرقيات للنشر، ١٩٩٤م)، ص ٢٧.

(٨) سيجموند فرويد، «مستقبل وَهْم»، ترجمة: جورج طرابيشي، (ط٤، بيروت، دار الطليعة، ١٩٩٨م)، ص ٢٩: ٣٠.

(٩) إريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كمال، (ط١، القاهرة، دار غريب، ١٩٧٧م)، ص ١٦.

(١٠) لا أريد بهذا أن أقول إن نقْد الأديان لم يظهر إلا في فلسفة ما بعد الحداثة؛ فقد كان هناك نقد كبير «للتصورات» الكلاسيكية للأديان في مطلع عصر النهضة والإصلاح ثم قرْن التنوير، ولكن هذه الحقبة على الرغم من نقْدها للأديان، فإنها كانت تتسمُ بوجود العقلانية ومركزية الإنسان، والإيمان بالمُطلق -وليس بالضرورة أن يكون المُطلق دينًا مُقدَّسًا إلهيَّ المصدر-، ووجود نظم وأطر وشمولية، بينما حركة ما بعد الحداثة -كما بيَّنا في متن هذه المقالة- كانت تقوم على نفْي المُطلقات، والانتقال إلى عدم الثبات، وعدم المركزية، والسيولة الفائقة، التي ترفض الارتكاز إلى مصدر أو نظام أو توجه بعينه.

(١١) ديڤيد هارڤي، «حالة ما بعد الحداثة»، ترجمة: د. محمد شيا، (ط١، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ٢٠٠٥م)، ص ٦٤: ٦٦.

ــــــــــــــــــــــ

 

اترك رد