منبر العراق الحر :
الوزير والنائب ورئيس الهيئة والسفير ورئيس الجامعة، ليست مجرد عناوين وظيفية في الدولة، وإنما علامات تعريفية متقدمة على مستوى الدولة، ومعايير لقياس نجاحها وقدرتها على الحضور في مسار التنمية والتطور، ناهيك عن دورها الفاعل في العلاقات والحوار الدولي.
الدولة الناجحة تحرص على اختيار رموزها وعناوينها المسؤولة وفق معايير عالية من العلم والتخصص والكفاءة والنزاهة، لأن شاغل المنصب لا يمثل نفسه، وإنما يمثل مؤسسة الدولة وهيبتها وقدرتها على أداء وظائفها. ولذلك، فإن اختيار الوزير أو السفير أو رئيس الهيئة العلمية أو رئيس الجامعة وغيرها من المواقع العليا، يكشف بوضوح عن طبيعة الدولة وقوة مؤسساتها الداخلية.
للأسف، يمكن القول إن الدولة العراقية افتقدت، بعد عام 2003، كثيرًا من معايير الدولة الناجحة، وما زالت، بعد أكثر من عقدين، تُصرّ على تكريس هذا الفشل وإعادة إنتاجه، من خلال اختيارات لا تقوم بالضرورة على الكفاءة والتخصص والنزاهة، بقدر ما تخضع لمعايير الحزبية والولاء السياسي وقرب المرشح من زعيم الحزب أو الجهة التي رشحته، واستعداده الكامل للخضوع لها.
ومن هنا تكرّس الفشل والفساد في بنية الدولة، وتحولت الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، من مسؤولية وطنية إلى امتياز حزبي.
أصبح النائب في البرلمان، في العديد من الحالات، أداة للابتزاز السياسي، ويعمل لمصالحه الشخصية في مراكمة النفوذ والثروة على حساب المال العام وحقوق الشعب. أما الوزير، فيكاد الانطباع العام عنه يقول إنه لا يفقه شيئًا في تفاصيل وزارته، فيما يتولى المدير العام مؤسسة لا يمتلك معرفة كافية باختصاصها. وقد يصبح الطبيب البيطري مديرًا عامًا للصحة، والمحامي الفاشل وزيرًا للزراعة، و«شيخ الفخ» وزيرًا للتربية، وهلمّ جرًا، بما يحوّل الوظائف التي يفترض أن ترفع شأن الدولة إلى مجرد واجهات اعتبارية لنظام المحاصصة سيئ الصيت.
وفي توصيف لافت، يقول الدكتور محمود المشهداني، وهو شخصية إسلاموية شغلت منصب رئيس مجلس النواب، عن تجربتهم في الدولة العراقية: “جئنا إلى الدولة العراقية بصفة مقاولين للتفليش”. وبعيدًا عن العبارة ومحمولاتها السياسية، فإنها تبدو توصيفا صريحًا لنتيجة خطيرة، أن تتحول المشاركة في السلطة من مشروع لبناء الدولة إلى وسيلة لإعادة تشكيلها بما يخدم القوى التي تسيطر عليها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة،
هل تبحث أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة في العراق عن فشل الدولة وإسقاطها ؟ أم أنها تبحث عن نجاح تموضعها داخل السلطة، بحيث تصبح الدولة ومؤسساتها ورموزها أمرًا ثانويًا لا يُعتد به، مقابل ترسيخ سلطة الجماعة ومرجعيتها وعقيدتها السياسية؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في وجود تيار ديني في الحياة السياسية، فالدين شأن اجتماعي وثقافي عميق في المجتمع، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها العقيدة أو التنظيم الديني إلى سلطة موازية للدولة، وتصبح الولاءات الحزبية أو العقائدية مقدّمة على القانون والمؤسسات والمصلحة العامة.
وتشير تجارب العراق بعد عام 2003، وبعض تجارب الإسلام السياسي في المنطقة، إلى إشكالية بنيوية في العلاقة بين بعض الحركات الإسلامية السياسية ومفهوم الدولة الحديثة، إذ تميل بعض هذه الحركات إلى بناء شبكات ومؤسسات موازية للدولة، تمتلك نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا، فتضعف المؤسسة الرسمية تدريجيًا، وتنتزع منها وظائفها وأدوارها.
وعندما تصبح المرجعية السياسية أو التنظيمية خارج مؤسسات الدولة، تتحول الدولة تدريجيًا إلى هيكل رسمي محدود الفاعلية، بينما تنتقل القوة الحقيقية إلى مراكز نفوذ موازية. وعندها يصبح الجيش والمؤسسة الأمنية والقضاء والإدارة والجامعات والإعلام وغيرها، عرضة للتسييس والتهميش، أو لإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع مصالح القوى المسيطرة.
وهنا تكمن خطورة المشروع، ليس إسقاط الدولة بالضرورة عبر إسقاطها من الخارج، وإنما قد يتم تفريغها من الداخل، وإبقاء هياكلها وعناوينها قائمة، بينما تُسحب منها وظيفتها الحقيقية تدريجيًا.
وهذا هو أخطر أشكال سقوط الدولة؛ أن تبقى الدولة موجودة في الدستور والوزارات والبرلمان واللافتات الرسمية، بينما تكون السلطة الفعلية موزعة بين الأحزاب والجماعات ومراكز النفوذ والمرجعيات السياسية والمصالح الخاصة.
وعندها يصبح الوزير واجهة، والنائب أداة، والمدير العام عنوانًا، والمؤسسة هيكلًا، والدولة نفسها مجرد غطاء قانوني لنظام محاصصة متعدد مراكز القوة.
التعيينات الأخيرة في العراق تكاد تنطبق، بشكل أو بآخر، على كثير مما تقدم، الأمر الذي يجعل السؤال عن مستقبل الدولة أكثر إلحاحًا من السؤال عن أسماء شاغلي المناصب.
فالمشكلة ليست في تغيير الأشخاص فقط، وإنما في تغيير المعيار الذي تُبنى عليه الدولة، هل تكون الكفاءة والقانون والمواطنة هي المرجعية، أم الولاء الحزبي والعقائدي وموازين النفوذ؟
فحين ينتصر الولاء على الكفاءة، لا تتراجع الدولة فحسب، بل يبدأ مشروع إضعافها من داخل مؤسساتها نفسها !
منبر العراق الحر منبر العراق الحر