*أوروبا في مهب التحولات الكبرى* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
كيف وصلت أوروبا، التي كانت لعقود مركزاً للقوة الصناعية والمالية والسياسية في العالم، إلى مرحلة تواجه فيها ضغوطاً متزامنة على أمنها واقتصادها ونفوذها الدولي؟ وهل ما تشهده القارة اليوم مجرد أزمة مؤقتة فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، أم أنه تعبير عن تحولات أعمق تكشف حدود النموذج الأوروبي في عالم تتراجع فيه الهيمنة الغربية المنفردة؟
لم تعد الأزمة الأوروبية مرتبطة بجبهة أو ملف واحد. فالحرب في أوكرانيا أعادت مسألة الأمن العسكري إلى صدارة الأولويات، والمنافسة الصينية وضعت الصناعة الأوروبية أمام تحديات متزايدة، فيما أثرت أزمات الطاقة والتضخم وتباطؤ النمو في قدرة الحكومات على تمويل التزاماتها الداخلية والخارجية. وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لتحمل حصة أكبر من تكاليف الدفاع عن القارة.
إن جوهر المعضلة الأوروبية يتمثل في اتساع الفجوة بين طموحات أوروبا الاستراتيجية والموارد الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تستطيع توظيفها لتحقيق تلك الطموحات.
*أولاً: الحرب الأوكرانية وإعادة اكتشاف كلفة الأمن*
شكّلت الحرب الروسية الأوكرانية نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي الأوروبي. فبعد سنوات طويلة ساد فيها الاعتقاد بأن العلاقات الاقتصادية والتجارية يمكن أن تحدّ من احتمالات المواجهة العسكرية الكبرى، وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام حرب واسعة على حدودها الشرقية، أعادت إلى الواجهة مخاوف الأمن القومي، وأجبرتها على مراجعة حساباتها الدفاعية.
لقد كشفت الحرب أن الاستقرار الأوروبي لا يمكن ضمانه بالاعتماد على القوة الاقتصادية وحدها، وأن التفوق التكنولوجي والصناعي لا يتحول تلقائياً إلى قدرة عسكرية كافية. فالجيوش تحتاج إلى ذخائر ومعدات وإمدادات مستمرة، كما تحتاج إلى قواعد إنتاج قادرة على تلبية متطلبات الحروب طويلة الأمد.
وقد اضطرت الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع برامج التسليح، وإعادة تقييم جاهزية قواتها المسلحة. غير أن هذه التحولات تطرح سؤالاً اقتصادياً جوهرياً: من أين ستأتي الموارد اللازمة لتمويل الإنفاق العسكري المتزايد، في وقت تحتاج فيه المجتمعات الأوروبية إلى استثمارات واسعة في الصحة والتعليم والبنية التحتية والتحول التكنولوجي؟
المشكلة ليست في زيادة الإنفاق الدفاعي بحد ذاتها، بل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن ومتطلبات التنمية. فكل زيادة في الإنفاق العام تفرض اختيارات تتعلق بالضرائب والاقتراض وإعادة توزيع الموارد، وقد تتحول هذه الاختيارات إلى مصدر توتر اجتماعي إذا شعر المواطن بأن أمن الدولة يُموَّل على حساب مستوى معيشته وخدماته الأساسية.
*ثانياً: المظلة الأمريكية وحدود الاستقلال الاستراتيجي*
اعتمد الأمن الأوروبي، منذ الحرب العالمية الثانية، بدرجة كبيرة على الشراكة الأطلسية والقدرات العسكرية الأمريكية. وقد أتاح هذا الترتيب للدول الأوروبية توجيه قسم مهم من مواردها نحو إعادة الإعمار والتنمية وبناء أنظمة الرفاه الاجتماعي.
لكن تغير الأولويات الأمريكية، وتصاعد المنافسة مع الصين، والضغوط المرتبطة بالحرب الأوكرانية، أعادت طرح سؤال الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
تريد واشنطن من حلفائها الأوروبيين تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم، بينما تسعى أوروبا إلى الحفاظ على المظلة الأمريكية من دون التخلي عن طموحها في بناء قدرة مستقلة على اتخاذ القرار. وهنا يظهر التناقض: فالاستقلال العسكري يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتكامل صناعي، وتنسيق سياسي بين دول تختلف في مصالحها وأولوياتها.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن أوروبا، أو أن حلف شمال الأطلسي فقد أهميته، بل إن العلاقة بين الطرفين تشهد إعادة تفاوض حول توزيع الأعباء والأدوار. غير أن استمرار التباين في الأولويات قد يجعل أوروبا أكثر عرضة للتأثر بالقرارات الأمريكية، خصوصاً عندما تتعلق تلك القرارات بالحروب والعقوبات والتجارة والطاقة.
إن التحدي الحقيقي أمام الأوروبيين ليس إنهاء التحالف مع واشنطن، بل تحويل الشراكة إلى علاقة أكثر توازناً، بحيث تستطيع أوروبا حماية مصالحها الحيوية حتى عندما لا تتطابق حساباتها بالكامل مع الحسابات الأمريكية.
*ثالثاً: الصين والمنافسة التي تهدد قلب الصناعة الأوروبية*
إذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد أعادت طرح سؤال الأمن الأوروبي، فإن صعود الصين يطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل القوة الاقتصادية الأوروبية.
لم تعد المنافسة بين الصين وأوروبا مقتصرة على السلع منخفضة التكلفة، بل امتدت إلى السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والإلكترونيات والتقنيات المتقدمة. وأصبحت الشركات الصينية تنافس قطاعات صناعية كانت تمثل لعقود أحد أهم مصادر التفوق الأوروبي، وفي مقدمتها صناعة السيارات الألمانية.
تكمن خطورة هذه المنافسة في اجتماع ثلاثة عوامل: القدرة على الإنتاج بكميات ضخمة، وانخفاض التكلفة في قطاعات معينة، والتطور التكنولوجي المتسارع. وهذا يضع الشركات الأوروبية أمام معادلة صعبة، فإما أن تستثمر بكثافة في الابتكار وتحديث خطوط الإنتاج، أو تواجه خطر خسارة حصص من الأسواق العالمية.
وقد أشار تحليل اقتصادي نشره مركز الأبحاث الاقتصادي التابع لمجموعة بي إن بي باريبا في مايو 2026 إلى الضغوط التي يفرضها الصعود الصناعي الصيني على قطاعات أوروبية، مع استمرار امتلاك أوروبا نقاط قوة في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية والخدمات.
لكن المسألة لا تتعلق بانتصار الصين على أوروبا بصورة حتمية، فالتنافس الصناعي ليس معركة ذات نتيجة محسومة سلفاً. تمتلك أوروبا خبرات هندسية وقاعدة بحثية وشركات راسخة، غير أن الحفاظ على هذه المزايا يتطلب سرعة أكبر في تحويل المعرفة إلى منتجات تنافسية.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد يؤدي السعي إلى حماية الصناعة الأوروبية بواسطة الرسوم الجمركية والقيود التجارية إلى تخفيف بعض الضغوط مؤقتاً، لكنه لا يعالج وحده مشكلات الإنتاجية وارتفاع تكاليف الطاقة وبطء الاستثمار. فالحماية التجارية قد تشتري وقتاً للصناعة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الابتكار.
*رابعاً: الطاقة والتضخم والضغط على المواطن الأوروبي*
لا يمكن فهم التحولات الاقتصادية الأوروبية بمعزل عن أزمة الطاقة وتداعياتها على تكاليف الإنتاج والمعيشة. فقد أدى اضطراب إمدادات الطاقة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وفرض على الحكومات والشركات إعادة النظر في مصادر الإمداد وسلاسل الإنتاج.
وعلى الرغم من أن أوروبا اتجهت إلى تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، فإن التحول لم ينهِ التحديات المرتبطة بتكلفة الطاقة أو تقلبات الأسواق العالمية.
وتشير توقعات المفوضية الأوروبية الصادرة في مايو 2026 إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي إلى نحو 1.1% خلال العام، مع توقع ارتفاع التضخم إلى 3.1% في ظل صدمة الطاقة الجديدة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط. وهذه توقعات اقتصادية وليست نتائج نهائية، لكنها تعكس حساسية الاقتصاد الأوروبي للصدمات الخارجية.
وتكمن المشكلة في أن ارتفاع الأسعار لا يؤثر في جميع فئات المجتمع بالطريقة نفسها. فالأسر محدودة الدخل تتحمل عبئاً أكبر عندما ترتفع أسعار الغذاء والنقل والتدفئة، فيما تواجه الشركات الصغيرة صعوبة في استيعاب تكاليف التشغيل من دون رفع الأسعار أو تقليص العمالة والاستثمار.
ومن ثم، فإن استمرار الضغوط المعيشية قد يتحول إلى مشكلة سياسية، خصوصاً إذا شعر المواطنون بأن الحكومات تمنح الأولوية للإنفاق العسكري والالتزامات الخارجية، بينما تتراجع قدرتها على تحسين الخدمات وفرص العمل والدخل الحقيقي.
ومع ذلك، ينبغي عدم اختزال الأزمة الأوروبية في التضخم وحده، إذ تختلف أوضاع الدول الأوروبية في مستويات الدين العام والإنتاجية والقدرة التنافسية ومصادر الطاقة. فبعض الاقتصادات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من غيرها، وهو ما يجعل الحديث عن أوروبا باعتبارها كتلة اقتصادية متجانسة تبسيطًا مخلًا.
*خامساً: هل تدفع الأزمات أوروبا إلى الانكفاء أم إلى إعادة البناء؟*
تواجه أوروبا اليوم مجموعة من الضغوط المتزامنة: الحاجة إلى تعزيز الدفاع، وتحديث الصناعة، وتحسين القدرة التنافسية، والحفاظ على أنظمة الرعاية الاجتماعية، والتعامل مع الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي.
ويكمن الخطر في أن تتعامل الحكومات مع كل أزمة على حدة، من دون بناء استراتيجية موحدة تربط الأمن بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة.
فزيادة الإنفاق العسكري، مثلاً يمكن أن تتحول إلى فرصة لدعم الصناعات الدفاعية الأوروبية وخلق وظائف وتطوير التقنيات، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة الضغوط المالية إذا اعتمدت الدول على الاستيراد من الخارج من دون بناء قاعدة إنتاجية محلية مشتركة.
وبالمثل، فإن مواجهة المنافسة الصينية لا تتطلب إغلاق الأسواق الأوروبية، بل تطوير سياسة صناعية تجمع بين الاستثمار في البحث العلمي، وخفض العوائق أمام الشركات داخل السوق الأوروبية الموحدة، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع التمويل المتاح للشركات التكنولوجية.
وقد وضعت المفوضية الأوروبية تعزيز التنافسية والاستقلال الاستراتيجي والاستدامة المالية ضمن أولوياتها الاقتصادية لعام 2026، في إشارة إلى أن التحدي أصبح يتجاوز إدارة الأزمات الآنية إلى إعادة بناء القدرة الاقتصادية على المدى الطويل.
أما سياسياً، فإن تباين المصالح بين الدول الأعضاء يظل عقبة أمام صياغة موقف أوروبي موحد. فالدول الواقعة على الجناح الشرقي تنظر إلى التهديد الروسي من زاوية أمنية مباشرة، بينما تضع دول أخرى في مقدمة أولوياتها التوازنات الاقتصادية والاجتماعية. كما تختلف الدول في مواقفها بشأن الإنفاق الدفاعي والعلاقات مع الصين وحدود الاستقلال عن الولايات المتحدة.
ولذلك، فإن بناء قوة أوروبية مستقلة نسبياً لا يتحقق بمجرد إعلان سياسي، بل يتطلب مؤسسات أكثر تنسيقاً، وقدرات صناعية مشتركة، وقرارات مالية طويلة الأجل، وتوافقاً بشأن طبيعة الدور الذي تريد أوروبا أن تؤديه في العالم.
*سادساً: ماذا تعني الأزمة الأوروبية للنظام الدولي؟*
إن التحولات التي تواجه أوروبا لا تجري في فراغ، بل تتزامن مع انتقال تدريجي نحو نظام دولي تتوزع فيه القوة بين مراكز متعددة، تتقدمها الولايات المتحدة والصين، مع استمرار روسيا قوة عسكرية مؤثرة، وصعود أدوار إقليمية أخرى.
وفي هذا النظام، لم يعد التفوق الاقتصادي وحده كافياً لضمان النفوذ السياسي، كما لم يعد امتلاك القوة العسكرية وحده كافياً لضمان الازدهار. فالقوة الفعلية أصبحت نتاج تفاعل الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والتمويل والقدرة على بناء التحالفات.
وتواجه أوروبا احتمال تراجع قدرتها على التأثير في القرارات الدولية إذا اتسعت الفجوة بين طموحاتها ومواردها. لكنها لا تزال تمتلك سوقاً واسعة، وخبرات صناعية وعلمية، ومؤسسات مالية قوية، وقدرات دبلوماسية يمكن أن تساعدها على التكيف.
أما الولايات المتحدة، فقد تجد في تعزيز المسؤولية الدفاعية الأوروبية فرصة لإعادة توزيع الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي، في حين ترى الصين في السوق الأوروبية مجالاً اقتصادياً مهماً، لكنها تواجه أيضاً احتمالات تصاعد القيود التجارية والتوترات السياسية.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن استمرار الخلافات الغربية يمنحها هامشاً للمناورة، لكنه لا يعني بالضرورة أن أوروبا ستتخلى عن دعم أوكرانيا أو أن التوازنات العسكرية ستتغير تلقائياً لصالح موسكو.
إن النتيجة الأهم هي أن العلاقات الدولية أصبحت أكثر ارتباطاً بالمصالح الاقتصادية والقدرة على تحمل تكاليف الصراع. فالدول التي لا تستطيع حماية قاعدتها الصناعية وتأمين احتياجاتها الاستراتيجية ستجد نفسها أكثر اعتماداً على الآخرين، مهما امتلكت من إرث تاريخي أو نفوذ سياسي.

اترك رد