منبر العراق الحر :
قد تقودنا فكرةٌ عمياء في الوصول إلى النجاح وقد تعجز فكرةٌ أخرى نحسبها مبصرةً في الوصول لذلك ، فمهما كان عطاءنا في رفد عقول الآخرين والذي يمثل نجاح بعينه ، لا يكفي ما لم نترك في هذه الحياة مداداً ينبض فيها ، الكل من حولنا سيذهب بعيدا وما عاد هناك من رباط يأخذ بأيدينا ما لم تنلهُ أيدينا وما لا تقوى أطرافنا على حمله ، فلا عكازة نتعكز عليها ولا حبل نتمسك به للوصول إلى قضاء حوائجنا.
هؤلاء الذين قرأنا لهم وتنورت أفكارنا بهم ، اغرونا بالطيران فوق منصات العبودية ولربما حطموا معابد الشرك في داخلنا ولكن …
السوبرمان الذي صوره لنا نيتشة وجعله يتخلى عن هذا العالم ورفض حتى الزواج خوفا من أن ينجب شخصا قد لا يكون أفضل وأبرع وأقوى منه ، فهو يؤمن بأن الارتباط بين اثنين ما لم يؤدِ إلى خلق الأفضل منهما فلا فائدة من المجازفة في ذلك ، ووفقا لنظريته طلب من العالم أن يكتبوا على قبره مفتخرا بعدم خلق ضحية عندما مات بلا زواج من امرأة ، سبقه في هذا المنوال أبو العلاء المعري الذي طلب هو أيضا أن يكتب على قبره “هذا ما جناه علي أبي ولم اجنِ على أحد” وآخرين كُثر مضوا على هذا الطريق الشائك ، وحتى الفيلسوف إيمانويل گانط عندما وقعت امرأة في حبه ، وكانت في كل مرة تخرج معه تتمنى أن يطلب يدها للزواج منه ، لكنه كان يتحدث معها في كل المواضيع إلا الزواج .
ذهب يوما ما إلى بيتها بعدما حدثته نفسه بالزواج منها ، وجدها هناك مع زوجها وطفليها!
يذكر أن المدة التي استغرقها الفيلسوف ايمانويل كانط في التفكير بالزواج بها بلغت سبع سنوات ، لم يرَ فيها تلك المرأة اطلاقاً!!
لقد أجرموا بحق أنفسهم وطال جرمهم كلَّ مفاصل الحياة ، علما أن الحياة أنجبت عباقرة من الذين استضعفوهم ، عاشوا بعطاء أكثر وقوة أشد في ليْ عنق الحياة لتسير على هدى .
مرت عشرون سنة ومازالت تلك الفتاة تبحث في دهاليز الحياة عمن يلائم فكرها ويوافق تطلعها فمعايير الحياة التي رسمها نيتشه وكانط وأبو العلاء عندها لم تؤشر على من ينفعها ويعيش معها ويمتلك قلبها وروحها ، قدرها أنها وجميع أفراد عائلتها شربوا من مناهل الوعي والفكر الذي آمن به والدها ، لقد علمهم الحرية وزرع في نفس كل منهم كيانا تمرد على قيم المجتمع ومسالكه العقدية والاجتماعية ، حتى بات يشعر كلُّ واحدٍ منهم بأنه عالم قائم بذاته ، تركهم يكابدون شظف العيش ورحل وحده يبحث عن ذاته وملذات ما يؤمن به ، فكل ما مر به لم يحقق معناه .
وصايا الأب وتلك الكتب على الرف فتحت صفحاتها أمام عيني تلك الفتاة الحالمة بحياة غير التي تراها في هذا العالم ، فرقتهم شظايا الحرب وحصار المستكبرين ليعيش كل واحد منهم كيفما يشاء ، تقدم لخطبتها الكثيرون لكنها أبت أن تقبل من تراه غير مناسب لانوثتها ومعالم فكرها وكأنها مع من تعرفت عليهم كالنقائض لايمكن أن تتوافق أبدا .
عادت هذا اليوم من درسها ودموعها تتسابق على خدها الذي عفّره الذبول عندما قابلت من طلبها للزواج قبل عشرين عاما وهو يسأل عن مستوى ابنته المتفوقة حتى تمنت أن تكون أما لتلك الإبنة .
الكل غادرها بلا رجعة ولم يبق سوى كلمة شكر ، تلك الكلمة التي ليست بمقدورها أن تحرك مجسات الحياة كي تأنس وحشتها ووحدتها في ليلها الآيل للسقوط تحت جفن اغفائة أبدية ، ولا حتى بإمكانها إزالة الألم الذي مزق أوردة وشرايين قلبها ، لقد تكررت شهقاتها وهي تحاول أن تنتزع أفكارها القديمة كانتزاع الروح من الجسد .
ك.خ.ج
منبر العراق الحر منبر العراق الحر