منبر العراق الحر :
أيةُ متعةٍ مَنحتني ساعَتي ذات العقاربِ الثلاثة ، شكلها ، تعدد ألوانها ، سرّ الأناقة المرتبط بها ، اليد التي تتناسب معها ، ولماذا اليسرى بالتحديد؟ هل من علاقة للزمن باليد اليسرى من حيث حسابه أو ضبطه ؟ العشاق يخبروننا بذلك ، فعشقهم وما هامت به قلوبهم وما أغراهم به ذلك القلب المتقلب في عالم الخيال ، نأى بهم خارج الزمن فقرروا أن يتناسوه ويلبسوا الساعة باليد اليمنى ، أو يلبسونها بالمقلوب ، إن شاءوا بقاءها في اليد اليسرى أو أن النظر للساعة مؤشر للانتظار والمواعيد الموعودة باللقاء ، فحتى لا يكشف سر ذلك فان استخدامه لليمنى لا يثير حفيظة المتربصين من العذال والحاسدين أو ربما أراد العاشق أن لا يبوح بسر حبيبته فلابد له أن يخالف القوم كي يبحثوا عنها لا عن سر ارتباطهما ، فعشاقنا لا يجدون معنى لوجودهم إلا بذلك الحب الذي لا معنى له إلا بالمعنى .
تبا لك أيتها الساعة الرقمية لماذا تختصرين كل هذه الرحلة وتسجني عقلي بأرقامك التي تنبض كقلبي المتهالك ، لماذا تستحضرين أمامي الموت ؟ لابد أن يسكت ذلك النبض الذي لا دخل لي فيه ، لقد كانت ساعتي تمنحني فرصة التدخل فيها لأعيد لها توازن حركة عقاربها وأنا أحرك ذلك القرص الدائري الملتصق فيها بنفس الاتجاه يا للهول الاتجاه نفسه ، لماذا تعددت إشكالك وساعتي أبت إلا أن تكون دائرية ؟ لماذا استرخصوك وساعتي عزيزة سوف لن تجدي لك مكانا في متحف اللوفر أو غيره ، سيهجرك العشاق ولا يأبه بك الملوك ، سيلعنونك صائغو الذهب والمسكوكات الفضية ، أنا التي هدهدت المدن بدقات رقاصي كي تنام ، أوقظهم في كل ساعة كي لا يناموا إلى الأبد ، أصبحهم بأرقامي التي تلوح لهم بفجر جديد .
ساعتي بعقاربها الثلاثة ، منحتني فكرة التفلسف في هذه الحياة ، انها تدور في دائرة مغلقة اختلفت في كل شيء الطول ، الشكل ، وسرعة حركة كل واحد منهم ، رغم إن مسار الحركة واحد واتجاهها واحد ، لماذا لم تتنافس هذه العقارب في ذلك السباق الذي ليس له نهاية ، هل لان الدائرة ليس فيها من اثر لخط النهاية ، ومن أية نقطة بدأت حركة تلك العقارب ، فبغض النظر عن كل هذا وذاك لابد من غاية وهدف لكل عقرب من هذه العقارب أدت لهذا الاختلاف ، ولكن وجود كل عقرب هو جزء من وجود الساعة التي هي تحصيل حاصل لهذه الغايات كي تحقق غاية واحده وهي حساب الزمن الذي لو افتقده الإنسان ضاع مقصده وبان ، فأية عبقرية امتلكت أيها الصانع ومن أين جئت بكل هذا وأنت لا تساوي شيء بوجودك كمادة إمام هذا الكون ، لكنك تمثلت بهذا الوجود من خلال العقل الذي منحته السماء لك ، فجرمك أيها الإنسان اكبر من كل جرم سماوي لذا قال من لم يسبقه من قال (انطوى فيك العالم الأكبر)اوآخر قال ( أنا أفكر فانا موجود ) ، وبهذا التميز اختُرتَ خليفة على الأرض ، لتطأ أدنى ما في الكون فتعلو على كل المخلوقات بذلك العقل ، وليس بما تشغله كحيز من فراغ يتصاغر حد العدم من حيز هذا الوجود .
ساعتي بعقاربها الثلاثة ، تخبرنا عن سرِّ هذا الكون الذي حيَّر العلم والعلماء ، فمن أية نقطة بدء والى أية نقطة سينتهي؟ وإذا كانوا قد عرفوا متى كانت البداية؟ وقد أراحهم هذا كثيرا فلقد أقَضَّت مضاجعهم متى ستكون النهاية لهذا الكون ؟ رغم إن نهاية من يفكر في هذا الأمر لا علاقة له بنهاية الكون وكيف ستكون النهاية ؟ هذا إذا كان الموت يعني النهاية للإنسان ، فهل علّة وجود الجزء مرتبطة بعلّة وجود الكل أم إن احدهما سابق على الأخرى ؟ ومن هو الأسبق ؟ ولكن منطق العقل يقول يخضعان لعلّةٍ واحدة ، والتساؤل الذي يثيره البعض ، أية العلّتين اسبق؟ لا قيمة له ، وبما إننا جزء من هذا الكون فعلّة وجودنا هي علة ذلك الوجود ، إلا إننا نرى غير ذلك ، فزمن وجودنا متأخر جدا عن زمن وجود الكون إلا إذا كان وجودنا ملازم لوجوده وما نحن عليه في حياتنا هذه ما هو إلا مراحل تعددت ولابد أن تستمر باستمراره لأننا منه واليه .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر