منبر العراق الحر :كتب أحمد الملا طلال على صفحته الفيسبوكية الآتي : العديد من ضيوفي في البرنامج يكررون عبارة : يا أخي لوما هاي العملية السياسية چان ما گدرنا آني وياك وبقية الأخوة الضيوف نحچي بكل حرية وننتقد وووو , وكان آخرهم أحد ضيوفي أمس , وكأن حرية التعبير المقيدة طبعاً هي الانجاز الوحيد الذي تتفاخر به العملية السياسية مابعد 2003 , عندي عرض لكم , من رخصة جميع الزملاء والأساتذة أصحاب الرأي :
خذوا صمتنا واعطونا كرامة.
خذوا صمتنا واعطونا السيادة.
خذوا صمتنا واعطونا الاحترام والتأثير الدولي.
خذوا صمتنا واعطونا جيشاً وطنياً يمتلك عقيدة عراقية خالصة.
خذوا صمتنا وارجعوا لنا مياه دجلة والفرات.
خذوا صمتنا وأعيدوا الزراعة إلى هذا البلد العريق.
خذوا صمتنا وأعيدوا دورة المكائن في المصانع العراقية.
خذوا صمتنا واعطونا مؤسسات تربوية وتعليمية محترمة.
خذوا صمتنا واعطونا مؤسسات صحية تليق بكرامة العراقي.
خذوا صمتنا واقضوا على الفساد.
خذوا صمتنا وأمنوا مستقبل أجيالنا.
سنسكت جميعا لو تحقق ربع هذا.
ليست هذه التدوينة للإعلامي أحمد ملا طلال مجرد منشور عابر , بل هي بيان استسلام احتجاجي , يضع الإصبع على الجرح النازف في الوجدان العراقي , إنها معادلة المقايضة المستحيلة التي يطرحها المواطن الذي سئم من اجترار الكلام مقابل ضياع الجوهر , فمنذ عام 2003 , دأبت النخب السياسية في العراق على تقديم حرية التعبير كصك غفران وحيد وأبدي عن كل الإخفاقات التي تلتها , فكلما واجههم مواطن بضياع السيادة أو انهيار الخدمات , جاء الرد الجاهز :
ألم نمنحكم حق الكلام ؟
ألا تستطيعون انتقادنا الآن دون خوف ؟
, لكن الإعلامي ملا طلال , في صرخته الأخيرة , قلب الطاولة على هذا المنطق , طارحاً عرضاً سخياً وموجعاً في آن واحد :
خذوا صمتنا , وأعطونا وطناً .
هذا هو الفخ الذي سقطنا فيه , لقد تحولت حرية التعبير في العراق إلى تنفيس محكوم , نحن نصرخ , وهم يفعلون ما يشاؤون , هي حرية تمنح السلطة شرعية زائفة أمام المجتمع الدولي , بينما يظل الواقع العراقي مكبلاً بالتبعية والفساد , وما فائدة أن أتكلم وأنا جائع ؟ ما نفع أن أنتقد الوزير وصنبور الماء في منزلي يلفظ أنفاسه الأخيرة من الجفاف ؟ إن الحرية التي لا تحمي السيادة , ولا توفر تعليماً , ولا تعيد نبض المصانع , هي حرية عرجاء تُستخدم كدرع لمواجهة المساءلة الحقيقية. إن العرض الذي قدمه ملا طلال يتضمن بنود اتفاقية الصمت المقترحة , ويمثل خارطة طريق لما يحتاجه العراقي فعلاً , بعيداً عن ضجيج القنوات ومنصات التواصل , فعلى صعيد الأمن القومي قبل الضجيج :
أن تمتلك جيشاً بعقيدة عراقية خالصة خيرٌ من ألف ساعة بث تلفزيوني ننتقد فيها الميليشيات والتدخلات الخارجية , وعن كرامة الخبز والماء , تكون استعادة دجلة والفرات وإحياء دورة المصانع لغة أبلغ وأقوى من لغة المعارضة الصوتية , وعن مستقبل الأجيال , تعتبر التعليم والصحة ليسا من الرفاهيات , بل هما الحرية الحقيقية التي تمنح الإنسان القدرة على تقرير مصيره. وفي الرهان الصعب , يقول المقال الضمني في كلمات ملا طلال :
نحن مستعدون للصمت الجماعي , لا خوفاً , بل لأننا سنكون حينها مشغولين ببناء وطن , فالشعب الذي يمتلك سيادة , وزراعة , وصناعة , ومؤسسات محترمة , لا يحتاج لأن يصرخ كل ليلة في البرامج الحوارية , فالإنجازات هي التي تتحدث بالنيابة عنه , والخلاصة, إن الحرية التي يتفاخر بها الساسة اليوم ليست منّة , بل هي الثمن الزهيد الذي يدفعونه لإسكاتنا عن الحقوق الكبرى , لكن الوعي العراقي وصل لمرحلة يدرك فيها أن السيادة والكرامة هي الأصل , وأن الكلام الذي لا يغير واقعاً هو مجرد حرث في البحر , وتلك الصرخة كانت تجسيداً لحالة الزهد في الكلام مقابل الجوع للأفعال , وهي تعبر عن وعي جمعي بدأ يدرك أن حرية القول بلا أثر في الواقع هي مجرد صدى في وادٍ سحيق .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر