منبر العراق الحر :
لولا الأفعال ما كانت الأقوال ، وهل هناك فعل من غير فاعل ومفعول ؟ وحتى اللازم من الأفعال على فاعله محمول ، وان كان غير معقول ، ذلك ما دونه محمود في دفتر ملاحظاته وهو حاضر بين جمعٍ غفير، يستمعون لمتحدثٍ جدير ، لا يأتي بالكلام من غير دليلٍ أو نذير ، تجاوز من العمر نصفه ، يعظهم بالحكم ويحذرهم من المفاسد والتهم ويحثهم على المروءة والفضيلة ، لامس هذا الحديث القيّم قلب محمود الذي ينصت بتمعن وفطنة إلى هذا المتحدث الذي يصغره في السن ، محمود رجل يتخذ من العبرة وسيلة لنشر الفضيلة بين الناس حتى نقشت معاني حكمته في عقل ولده الذي يصرُّ على مجالسته إياه ، ما أن انتهى المتحدث من حديثه حتى بادره أحد الجالسين من الشباب موجها سؤاله لذلك المتحدث قائلا له : أرى إن العقول لا تصمد أمام الإغواء والفضول وما من أحد لا يتعرض لمواقف الإغراء في هذه الحياة ، فهل حدثتنا عن موقف تعرضت له ونجحت بكبح نفسك كي تكون مصداقا لما تقول ؟ ردَّ عليه ذلك المتحدث الوقور قائلا له : أتمنى أن لا أمرُّ بمثل تلك المواقف ، قال المتسائل : النجاح بلا اختبار لا قيمة له بين الأخيار .
خرج محمود مع ابنه راجعا إلى بيته ولم ينم تلك الليلة فهو لم يتعرض لاختبار يوما ما ، ولعلَّ ما قاله ذلك الشاب هو عين الصواب ، حتى أيقن بأنَّه ليس سوى مهذار فكثيرة هي الأقوال التي يأتي بها الخيال ، قد تأتي من واقع غير معاش إنها أشبه بأحلام ، صور ، أطياف ، تدور في العقل الباطن ولها طعم وآثار ، ولكن لا يعترف بها النهار ، ولا تأتي بالحسنات إن كانت فعل خير ولا بالسيئات إن كانت فعل شر فكل خير لا يصيب الناس ليس من الخير ، وكل شر ليس له بالآخر مساس ليس من الشر ، ولكن كيف يكون ذلك وقد تترك الأحلام آثارا جسدية وآلاما نفسية على الحالم نفسه ، أليس هو من الناس وما يصيبه من أذى لابد أن يعاقب مسببه ، استدرك بعد ذلك إن هذا الفعل ليس له فاعل وان تعرض المفعول به إلى أشد الأزمات لان فاعل الفعل غائب ليس له وجود وبذلك لا يجد الثواب والعقاب ضالته.
أستيقظ في الصباح الباكر على حلم سيئ غلّق شهيته ولم ينل من الفطور سوى كوبٍ من الشاي ، وقف أمام المرآة وأخذ يصفف شعره الذي فقد تجانسه ، فالأبيض منه قد ساد على السواد ولابد أن يختار لباسا وقورا ، أراد أن يكون هذه المرة أكثر أناقة ، فاختار قميصا وبنطالا وسترة متناسقة الألوان ثم شدَّ ربطة عنقه وأحكم عقدته ، إنَّه يريد أن يكون لائقا بمنصبه الجديد فلقد عين مديرا لدائرة تم تكليفه بها لحصانته وسمعته وأداءه المحمود بين أقرانه ، قبل أن يدخل غرفته المؤثثة بأفخر الأثاث ، بادرته امرأة أنيقة بتحية لم تخلُ من الأنغام المنعمة بصوت رقيق ازداد من رقته عطرٌ فواح لم يألف شذاه أبدا وهو في ذلك العمر الذي مرَّ بسنين القحط والعوز ، ردَّ عليها التحية وعيناه مسمرتان بالأرض ، وقُبيلَ أن يرفع هامته استمعت إذناه وقع أقدامها وهي تقترب من سطح مكتبه المزجج بلون داكن مظلل ، رفع رأسه وقد وقعت عيناه على خمارها البرونزي المطرز بحبيبات تشتت أضواء المصابيح وهي تنبعث ما بين شعرها وذلك الخمار ، مبسمها منضود برتل من أسنان بيضاء ولم ير من الشفتين سوى بريق ولمعان ، قوامها بانت ملامحه ، رسمته ملابسها الضيقة بأدق التفاصيل ، استدارت لتكون بجانبه بعد أن صرّحَت له على أنها سكرتيرته ولابدَّ أن يطلع على جدول الأعمال اليومية ، بعد أن تعرف على ما مطلوب منها ، دعاها لتخبر الموظفين بحضور اجتماع طارئ يتعرف من خلاله على مسؤولي الشعب وكذلك على الموظفين والإعمال الموكلة إليهم ، أراد من خلال الاجتماع أن يستبدل إحدى الموظفات بتلك السكرتيرة ولكنه قرر تأجيل الموضوع عندما شعر بسرٍّ خفي يمنعه من ذلك ، لعلَّه يريد أن يستكشف ما لم يره بعد ، مرَّت الأيام ليجد نفسه ليس بمقدوره الاستغناء عنها ، استعان بكل نظريات علم النفس كي يقتنع بأنه بعيد كل البعد عن وقوعه في غرام سكرتيرته ، كان حذرا جدا من أن يطلع على أمرهم أحدٌ من الناس ، لكن ابنه اطلع على ما دار بينهم بما يخدش الضمير اثر وشاية من أحدى الموظفات ، في اليوم التالي تلقى رسالة على صفحته في الفيسبوك ، الرسالة عبارة عن صورة لتابوت مكتوب عليه بخط كوفي (نعش الفضيلة) تشيعه مجموعة من الناس تتقدمهم صورة مظللة لوجه مرسوم بقلم رصاص ، لم يجبه ابنه بوضوح عندما سأله : من ذلك الرجل الذي يختفي خلف تلك الصورة ؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر