منبر العراق الحر :….باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا…..
في بقعة صغيرة محاصرة، لا تزال الأرواح تُزهق رغم توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار. في غزة، لا شيء يتوقف… سوى نبض الأطفال تحت الركام. هنا، لا تُفتح المعابر، بل تُشرّع الإهانات. لا يُسمح للفلسطيني أن يعبر إلا إذا خضع، وانتظر، وتحمّل شروطًا لا تُفرض حتى على الأسرى. في وطنه، يُعامل كغريب. يُسأل عن وجهته، وعن حاجته، وعن طعامه وشرابه، وكأن وجوده نفسه يحتاج إلى إذن.
في غزة، لا معنى للهدنة ولا قيمة للاتفاقيات. فبينما تُوقَّع أوراق وقف إطلاق النار على الطاولات الباردة، تُزهق الأرواح يوميًا تحت القصف والرصاص، ويُدفن الأطفال والنساء والشيوخ في صمتٍ يفضح العالم بأسره. هنا، لا تُقاس الحياة بالسنوات ولا بالأيام، بل بعدد الشهداء الذين يسقطون كل صباح، وعدد الجثامين التي تُشيَّع قبل أن تجف دموع الأمهات.
معبر رفح، الذي يُفترض أن يكون نافذةً للحرية، تحوّل إلى مسرح للإذلال. الفلسطيني في وطنه يُعامل كغريب، يُفتَّش، يُسأل، يُمنع، ويُسمح له بالمرور فقط وفق شروط وتعقيدات تُقرِّرها إسرائيل، حتى في تفاصيل طعامه وشرابه. إنها هيمنة كاملة على الجسد والروح، على الحركة والسكون، على الحلم والواقع.
غزة اليوم لا تنتظر فتح معبر أو إعلان هدنة، بل تنتظر أن يُعاد لها شيء من كرامة الإنسان. تنتظر أن يُسمح لها أن تعيش كبقية البشر، أن يُسمح لها أن تحلم، أن تتحرك، أن تتنفس بلا إذلال، بلا حصار، بلا خوف دائم من الموت. لكن ما يواجهه أهلها هو أبشع من الحصار، والواقع أكثر قسوة من الحرب.: عالمٌ يراقب بصمت، ويتركهم يواجهون مصيرًا يوميًا من القتل والحرمان، وكأنهم خارج حدود الإنسانية.
حتى حين يُعلن عن هدنة، تُقتل العشرات. وحتى حين يُفتح المعبر، يُغلق في وجه الكرامة. وحتى حين يُسمح بالخروج، يُمنع الدخول.
ما ينتظر سكان غزة ليس فقط مستقبلًا غامضًا، بل اختبارًا يوميًا للقدرة على البقاء في وجه عالم قرر أن يتجاهلهم.
غزة ليست مجرد قضية سياسية، إنها مأساة وجودية. إنها المكان الذي يُختبر فيه ضمير العالم، والذي يفشل فيه العالم كل يوم.
هدنة على الورق… موت في الواقع
رغم أن العالم يتحدث عن “وقف إطلاق النار” في غزة، إلا أن الواقع على الأرض يفضح زيف هذه الكلمات. فالأرواح تُزهق يوميًا، والدماء لا تتوقف عن النزيف. وفقًا للتقارير الميدانية، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب الأخيرة أكثر من 72 ألف إنسان حتى مطلع فبراير 2026، بينهم أكثر من 20 ألف طفل وقرابة 12,500 امرأة، إضافة إلى مئات الصحفيين والأطباء والعاملين في الإغاثة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي وجوه وأسماء وعائلات تمزقت، وأحلام دفنت تحت الركام.
الهدنة التي يُفترض أن تمنح الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم، تحولت إلى استراحة قصيرة بين موجات القتل. فحتى في الأيام التي يُعلن فيها عن “هدوء نسبي”، تُسجل عشرات الضحايا نتيجة القصف أو إطلاق النار أو انهيار المباني المدمرة. المستشفيات، التي بالكاد تعمل، تغرق في بحر من الإصابات، حيث تجاوز عدد الجرحى 171 ألفًا، كثير منهم بلا علاج أو دواء بسبب الحصار.
المشهد في غزة اليوم هو مشهد حياة معلقة بين الموت والانتظار. الناس لا يعرفون إن كانوا سيبقون أحياء حتى نهاية اليوم، ولا إن كان أطفالهم سيعودون من المدرسة أو من رحلة البحث عن الخبز. كل بيت تقريبًا يحمل قصة فقدان، وكل شارع يشهد على مأساة جديدة.
التحليل السياسي لهذا الواقع يكشف أن إسرائيل تستخدم الهدنة كأداة لإدارة الحرب، لا لإنهائها. فهي تُبقي على آلة القتل دائرة، وتفرض شروطًا تجعل من أي “وقف إطلاق نار” مجرد ورقة بلا قيمة. في المقابل، المجتمع الدولي يكتفي بالتصريحات، بينما يترك الغزيين يواجهون مصيرهم وحدهم.
إن استمرار سقوط الضحايا رغم الهدنة يطرح سؤالًا وجوديًا: ما معنى السلام إذا كان يُترجم يوميًا إلى موت جديد؟ غزة لا تنتظر فقط وقف إطلاق النار، بل تنتظر أن يُعاد لها حقها في الحياة، أن تُعامل كبشر لهم الحق في الأمان والكرامة. لكن الواقع يقول إن ما ينتظرهم هو المزيد من الدماء، والمزيد من الإذلال، والمزيد من الصمت العالمي.
معبر رفح: نافذة الحرية المغلقة
إذا كان وقف إطلاق النار في غزة مجرد استراحة بين موجات القتل، فإن معبر رفح هو المسرح اليومي للإذلال. هذا المعبر، الذي يُفترض أن يكون شريان حياة للفلسطينيين، تحوّل إلى رمز للهيمنة والسيطرة، حيث لا يمر أحد إلا عبر سلسلة طويلة من الشروط والتعقيدات التي تفرضها إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر.
منذ بداية الحرب الأخيرة، أصبح فتح المعبر حدثًا استثنائيًا، يرافقه ضجيج إعلامي ووعود سياسية، لكن الواقع على الأرض مختلف تمامًا. الفلسطيني الذي يريد الخروج أو الدخول يواجه ساعات طويلة من الانتظار، قوائم أسماء، تدقيق أمني، وقرارات مفاجئة بالإغلاق. حتى حين يُعلن عن فتح المعبر، يكون ذلك وفق ترتيبات معقدة، غالبًا ما تُدار من وراء الكواليس بين مصر وإسرائيل، بينما يبقى الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، يُعامل كغريب في وطنه.
القصص الإنسانية هنا مؤلمة: مرضى ينتظرون إذنًا للعبور إلى مستشفى خارج غزة، طلاب فقدوا فرصهم الدراسية لأن المعبر أغلق فجأة، عائلات انفصلت لأشهر لأن أحد أفرادها لم يُسمح له بالعودة. كل ذلك يحدث في ظل شعور عام بأن الفلسطيني لا يملك حقًا طبيعيًا في الحركة، بل يحتاج إلى إذن خارجي حتى ليعبر من أرضه إلى أرضه.
التحليل السياسي يكشف أن إسرائيل نجحت في تحويل المعبر إلى أداة ضغط يومية، تتحكم من خلالها في تفاصيل حياة الناس: من يخرج، من يدخل، ماذا يُسمح بإدخاله من طعام ودواء، وحتى نوعية المياه التي يشربها السكان. هذا التحكم الكامل في تفاصيل الحياة اليومية ليس مجرد حصار، بل هو إلغاء لكرامة الإنسان، إذ يُعامل الفلسطيني وكأنه لا يملك حقًا في تقرير مصيره.
معبر رفح، الذي كان يُفترض أن يكون نافذة للحرية، أصبح مرآة للواقع الفلسطيني كله: حياة محاصرة، كرامة مهدورة، وانتظار دائم بين الأمل والإذلال. وما يزيد الألم أن العالم يتابع هذه المشاهد بصمت، وكأنها تفاصيل عادية في حياة شعب اعتاد أن يُحرم من أبسط حقوقه.
إذلال يومي يفوق الحصار
إذا كان القتل اليومي في غزة يسرق الأرواح، فإن معبر رفح يسرق الكرامة. فالفلسطيني الذي يحاول العبور لا يواجه فقط قيودًا أمنية، بل منظومة كاملة من الإذلال والإهانة الممنهجة.
وفق تقارير الأمم المتحدة، وثّق العشرات من الفلسطينيين الذين عادوا عبر معبر رفح في فبراير 2026 تعرضهم لـ استجوابات قسرية، تفتيش مهين، وعروض بالمال مقابل أن يصبحوا مخبرين أو يغادروا غزة نهائيًا. هذه الممارسات ليست استثناءً، بل نمطًا متكررًا من الانتهاكات التي تُمارس بحق المدنيين العائدين إلى وطنهم .
البيانات تشير إلى أن آلاف المرضى والطلاب والعائلات يعلقون شهريًا بسبب هذه الإجراءات. في يناير وحده، سُجّل أن أكثر من 12 ألف فلسطيني تقدموا بطلبات للعبور، لكن أقل من 30% منهم سُمح لهم بالمغادرة، وغالبًا بعد أيام طويلة من الانتظار والإذلال. أما البقية، فظلوا عالقين بلا تفسير، وكأن حقهم في الحركة مجرد امتياز يُمنح أو يُسحب بحسب المزاج السياسي.
التحليل السياسي يكشف أن إسرائيل لا تكتفي بالتحكم في المعبر، بل تُحوّله إلى أداة لإلغاء إنسانية الفلسطيني. فحتى الطعام والشراب والدواء الذي يُسمح بإدخاله يخضع لقوائم وشروط، بحيث يُفرض على الناس ما يأكلون وما يشربون، وكأنهم أسرى في سجن كبير. هذا التحكم في تفاصيل الحياة اليومية هو شكل من أشكال الهيمنة الكاملة على الجسد والروح.
الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الممارسات كارثي:
ـ الأطفال يكبرون وهم يرون آباءهم يُفتَّشون ويُهانون عند المعبر.
ـ المرضى يفقدون حياتهم لأنهم لم يحصلوا على إذن بالعبور للعلاج.
ـ الطلاب يخسرون مستقبلهم لأنهم لم يُسمح لهم بالسفر للدراسة.
إنها مأساة مضاعفة: ليس فقط أن الفلسطيني يُقتل في وطنه، بل أيضًا يُهان حين يحاول أن يعيش أو يتحرك. الكرامة هنا ليست مجرد كلمة، بل هي حق مسلوب يوميًا، في مشهد يختبر ضمير العالم ويكشف عجزه.
حياة معلقة بين الموت والإذلال
الحصار والقتل اليومي في غزة لا يقتصران على سرقة الأرواح، بل يتركان أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا يفتت المجتمع من الداخل. فالأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة: أكثر من 72 ألف شهيد منذ بداية الحرب الأخيرة، بينهم 20 ألف طفل، إضافة إلى أكثر من 171 ألف جريح، كثير منهم فقد أطرافه أو يعاني من إعاقات دائمة. هذه الأرقام تعني أن كل بيت تقريبًا في غزة يحمل قصة فقدان أو إصابة، وأن المجتمع بأسره يعيش في حالة حداد دائم.
الأطفال، الذين يشكلون أكثر من نصف سكان غزة، يكبرون في بيئة مشبعة بالخوف والحرمان. تقارير اليونيسف تشير إلى أن أكثر من 80% من أطفال غزة يعانون من صدمات نفسية حادة، تشمل اضطرابات النوم، فقدان القدرة على التركيز، ونوبات هلع متكررة. المدارس التي نجت من القصف تحولت إلى ملاجئ، والطلاب يدرسون في ظروف غير إنسانية، بلا كهرباء أو ماء كافٍ، فيما آلاف آخرون فقدوا فرصهم التعليمية نهائيًا.
النساء أيضًا يتحملن عبئًا مضاعفًا. فإلى جانب فقدان الأبناء والأزواج، كثير منهن أصبحن المعيل الوحيد لعائلاتهن في ظل غياب الرجال بين الشهداء والمعتقلين. تقارير المنظمات الحقوقية تشير إلى أن أكثر من 40% من النساء في غزة يعانين من اكتئاب شديد، وأن معدلات العنف الأسري ارتفعت بسبب الضغط النفسي الهائل.
اجتماعيًا، تحولت غزة إلى مجتمع يعيش على حافة الانهيار. الزواج، التعليم، العمل، وحتى أبسط مظاهر الحياة الطبيعية، كلها تراجعت أمام واقع يومي من الموت والانتظار. الناس لا يخططون للمستقبل، بل يركزون فقط على النجاة من اليوم الحالي.
التحليل السياسي لهذا الواقع يكشف أن إسرائيل لا تكتفي بالحصار العسكري، بل تسعى إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل عبر الضغط النفسي والاجتماعي. فالتحكم في المعابر، منع الدواء، تقييد الغذاء، كلها أدوات لإضعاف الروح الجماعية وتحويل الناس إلى أفراد منهكين، بلا قدرة على المقاومة أو الحلم.
ضمير العالم على المحك
غزة ليست مجرد قضية محلية، بل هي مرآة تكشف عجز النظام الدولي. فبينما تُرتكب الانتهاكات يوميًا، يكتفي المجتمع الدولي بالتصريحات والبيانات، دون أي ضغط فعلي لإنهاء المأساة. تقارير الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان وثّقت عشرات الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب، لكن لم تُتخذ خطوات عملية لمحاسبة إسرائيل أو لفرض حماية دولية للفلسطينيين.
استطلاعات الرأي الأخيرة داخل إسرائيل تُظهر أن أكثر من 60% من الإسرائيليين يؤيدون استمرار العمليات العسكرية في غزة، ما يعكس أن الحرب ليست مجرد قرار حكومي، بل سياسة مدعومة شعبياً. في المقابل، العالم العربي والإسلامي يكتفي بالمساعدات الإنسانية والبيانات السياسية، دون أن ينجح في فرض موقف موحد أو ضغط حقيقي.
هذا المشهد السياسي يجعل من غزة اختبارًا يوميًا لضمير العالم. فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع سياسي، بل أصبحت قضية إنسانية وجودية: هل يحق لشعب أن يعيش بحرية وكرامة، أم أن العالم قرر أن يتجاهلهم ويتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم؟
غزة تنتظر الكرامة قبل السلام
غزة لا تنتظر فقط فتح معبر أو إعلان هدنة، بل تنتظر أن يُعاد لها حقها في الحياة والكرامة. فالمأساة الحقيقية ليست في عدد الشهداء وحده، رغم أن الرقم تجاوز 72 ألف إنسان منذ بداية الحرب الأخيرة، بينهم أكثر من 20 ألف طفل وقرابة 12,500 امرأة، بل في أن العالم اعتاد على هذه الأرقام، وأصبح يرى الموت اليومي في غزة كخبر عابر، يمر في نشرات الأخبار دون أن يهز الضمير الإنساني.
الكرامة هي جوهر القضية الفلسطينية. فالفلسطيني اليوم يُعامل كرقم في قائمة انتظار، أو كهدف في حرب، لا كإنسان له الحق في أن يعيش بحرية وأمان. حتى تفاصيل الحياة اليومية – الطعام، الشراب، الدواء، الحركة عبر المعابر – تُدار بقرارات خارجية، وكأن أهل غزة لا يملكون حق تقرير مصيرهم. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وأن أكثر من 90% من المياه غير صالحة للشرب بسبب الحصار والدمار. هذه ليست مجرد أزمات معيشية، بل هي إلغاء ممنهج لكرامة الإنسان.
القضية الفلسطينية اليوم لم تعد مجرد نزاع سياسي بين طرفين، بل أصبحت قضية إنسانية وجودية. إنها جرح مفتوح في جسد الإنسانية، واختبار يومي لضمير العالم. فحين يُترك شعب بأكمله ليُقتل ويُهان ويُحاصر، فإن السؤال يتجاوز السياسة إلى الأخلاق: هل ما زال العالم قادرًا على الدفاع عن أبسط حقوق الإنسان؟
التحليل السياسي يكشف أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى السيطرة العسكرية، بل إلى إعادة تعريف الفلسطيني ككائن بلا حقوق. هذا ما يجعل غزة تنتظر الكرامة قبل السلام. لأن السلام بلا كرامة هو مجرد هدنة زائفة، واستراحة قصيرة بين موجات جديدة من القتل والإذلال.
وما لم يتحرك العالم بجدية، فإن ما ينتظر سكان غزة هو المزيد من الدماء، المزيد من الإذلال، والمزيد من الصمت. لكن في المقابل، ما ينتظره العالم نفسه هو اختبار قاسٍ لضميره: هل يقبل أن يعيش شعب بأكمله بلا كرامة، أم يقرر أخيرًا أن الكرامة الإنسانية لا تُجزأ، وأن غزة تستحق أن تُعامل كبقية شعوب الأرض؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر