بين الصفقة والتصعيد: كيف تتحرك واشنطن حول إيران؟ بقلم :د. حسام البدري

منبر العراق الحر :

في لحظةٍ تُقاس فيها السياسة بميزان “الانزلاق” أكثر مما تُقاس بميزان “القرار”، تبدو جنيف أقلَّ شبهاً بمدينة تفاوض، منها الى غرفة ضغط سياسي عالي الفولتية . الجديد الذي يتجاهله “الإجماع التحليلي” ليس أن واشنطن تحشد وتفاوض في آنٍ واحد—هذا معروف—بل أن التفاوض يجري هذه المرة فوق أرضيةٍ داخلية إيرانية مُهتزّة، وتحت ضغط “حرب ظل” تتقاطع فيها رسائل الاغتيال، والانفجارات و الحرائق، وإعادة هندسة منظومة الحكم في طهران. هذا المزج، إذا صحّت قراءته، يجعل من اجتماع الغد في جنيف ليس فقط تفاوضاً على اليورانيوم، والصواريخ والاذرع في سلة واحدة بل اختباراً على “قابلية النظام للبقاء تحت ضغط متعدد الطبقات”.

لنبدأ من النقطة التي تتداولها الدوائر السياسية همساً أكثر مما تُعلنها: منطق “الاغتيال ” صار حاضراً في الحسابات الإيرانية نفسها. تقارير صحفية نقلت عن صحيفة نيويورك تايمز أن المرشد علي خامنئي وضع ترتيبات طوارئ وسلسلة خلافة متعددة المستويات تحسباً لاحتمال اغتياله أو مقتل قيادات عليا، وتحدثت عن تكليف علي لاريجاني بدور محوري لإدارة الأزمة في سيناريو استهداف القيادة. هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ إنه اعتراف ضمني بأن خطر الاستهداف لم يعد “فرضية بعيدة” داخل عقل الدولة.

وفي الاتجاه نفسه، قدّمت رويترز اليوم مشهداً موازياً: علي شمخاني—الذي قالت الوكالة إنه نجا من ضربة إسرائيلية استهدفت منزله في طهران عام 2025—عاد ليتصدر “غرفة الحرب” الإيرانية عبر مجلس دفاع مُستحدث للتنسيق في ظرف الحرب. معنى ذلك أن طهران لا تتصرف كمن يفاوض فقط، بل كمن يعيد ترتيب قيادة الدولة على وقع احتمال الاستهداف وتبدّل قواعد الاشتباك.

في الخلفية، هناك طبقة ثانية تُستبعد عادةً من تحليلات “الإجماع”: سلسلة الحوادث داخل إيران—انفجارات، حرائق، وتعطّل مرافق—التي تُقرأ داخل إيران بين رواية “الحوادث التقنية” ورواية “التخريب”. في 31 يناير 2026، تحدثت رويترز عن انفجار قاتل في بندر عباس وآخر في الأهواز، ونقلت نسبتهما إلى تسرب غاز وفق إعلام رسمي، لكنها أشارت أيضاً إلى شائعات الاستهداف ونفي السلطات وتكذيب روايات عن استهداف قائد بحري للحرس، مع تأكيدها أن مقاطع مصوّرة جرى تحديد موقعها أظهرت دماراً واسعاً. وفي 6 فبراير 2026، ذكرت رويترز اندلاع حريق كبير في ورشة نجارة داخل قاعدة/مجمع عسكري شرق طهران مرتبط بهيئة الأركان، قبل السيطرة عليه. هذه ليست “أدلة” بحد ذاتها على عملية منظمة، لكنها مادة صلبة لتحليل أهم: عندما تتزامن حوادث حساسة مع لحظة تفاوض وحشد، تصبح “قابلية الدولة للتعطيل الداخلي” جزءاً من معادلة القوة.

على الضفة الأمريكية، هنا بالضبط تأتي “القنبلة” التحليلية خارج الإجماع: الحشد ليس فقط لردع إيران، بل لبناء خيار عملياتي واسع يتجاوز النووي إلى بنية الدولة الأمنية نفسها. في تقرير حديث، قالت رويترز إن الجيش الأمريكي يجهّز لعمليات قد تمتد أسابيع ضد إيران وقد تشمل ضرب “مرافق الدولة والأمن” وليس البنية النووية وحدها، بحسب مسؤولين. هذه النقطة تكسر القراءة التقليدية التي تختزل الأمر في “ضربة على نطنز وفوردو”. هي تلمّح إلى تصورٍ أوسع: إذا فشلت الدبلوماسية، قد تكون واشنطن مستعدة لاستهداف منظومة السيطرة نفسها، أو على الأقل شلّها، لتقليل قدرة إيران على الردّ وإدارة ساحات متعددة.

في الوقت نفسه، الداخل الإيراني يغلي. الغارديان تحدثت (24 فبراير 2026) عن انتشار قوات أمنية وشرطة بلباس مدني في الجامعات لقمع احتجاجات طلابية، في سياق توتر سياسي يتقاطع مع محادثات جنيف. سواء اتفقنا مع تقديرات أعداد الضحايا التي تتنازعها الجهات، فإن الثابت هنا هو وجود توتر داخلي واسع يجبر الدولة على توزيع انتباهها بين “خصم خارجي” و”ساحات داخلية”. وهذه هي الزاوية غير المبتذلة: التفاوض لا يجري بين دولتين فقط، بل بين دولةٍ وضغوطٍ متعددة الطبقات على تماسكها.

هنا يصبح سؤال روسيا والصين أكثر حدّةً. ليس لأنهما “ستقاتلان” من أجل طهران—وهذا شبه مستبعد—بل لأن سقف دعمهما الحقيقي قد لا يكون حماية إيران من ضربة، بل منع انهيارها أو عزلها الكامل بعد الضربة، أو توفير قنوات تنفّس اقتصادية وتقنية تُبقي النظام واقفاً، ولو مترنحاً. وفي هذا السياق، علّقت رويترز Breakingviews (يناير 2026) على أن اضطراب إيران “فوضوي” بالنسبة لبكين بسبب مصالح الطاقة والمشاريع، ما يعني أن الصين تفضّل الاستقرار حتى وهي تناكف واشنطن.

الخلاصة التي يمكن أن تُقدَّم كقراءة بعمق هي : إذا كان الحشد الأمريكي كبيراً بهذا الشكل، وإذا كانت تقارير موثوقة تتحدث عن خيارات عمليات تمتد لأسابيع وتشمل منشآت أمنية، وإذا كانت طهران تعيد هندسة سلسلة الخلافة والقيادة تحسباً لسيناريو استهداف رأس النظام، وإذا كانت الساحة الداخلية تُظهر هشاشةً سياسية متصاعدة… فالمشهد لا يُقرأ كـ“تفاوض تحت ضغط” فقط، بل كـمفاضلة أمريكية بين ترك إيران تُثبّت واقع العتبة النووية وبين كسر قابلية الدولة الإيرانية على إدارة التصعيد، ومفاضلة إيرانية بين التنازل الذي تراه إهانة السيادة وبين قبول تجميدٍ يشتري البقاء.

والفكرة الأخطر—والأكثر خروجاً عن الإجماع الاخباري—هي أن “جنيف” قد تكون أحياناً ليست بوابة صفقة، بل آلية إدارة توقيت: واشنطن تُبقي التفاوض مفتوحاً كي لا تُتهم بإغلاق الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تُراكم بيئة عملياتية، بينما طهران تُناور لتفادي أن تصبح “الضربة” خياراً منخفض الكلفة سياسياً وعسكرياً لخصمها. وعند هذه النقطة بالذات، تصبح حوادث الداخل، وخطط الخلافة، وتقارير العمليات الممتدة… ليست هوامش، بل صلب القصة.
عرض

اترك رد