نحن لا نعيش الزمن .. نحن نُستهلَك فيه ….حسين نعمة الكرعاوي

منبر العراق الحر :

نحن لا نعيش الزمن، بل نُستهلَك فيه، الوقت لا يمرّ كما نتخيل، بل يلتهمنا ببطء، قطعة بعد أخرى، حتى لا يبقى منا سوى عادة اسمها البقاء، العمر ليس تراكم سنوات، بل تناقص معنى، وفقدان دهشة السؤال، وتآكل القدرة على الانتماء، الحب لا يأتي كخلاص، بل كحدث كوني مفاجئ، يصطدم بنا دون إنذار، يذيبنا في الآخر، ويترك فراغًا لا يُملأ وذاكرةً تنزف كلما حاولنا النسيان، حين يأخذ الموت من نحب، لا يقتصر على الجسد، بل ينسف النظام الذي كنّا نفهم به العالم، فتتحوّل الذكريات إلى شظايا مغروسة في الوعي، ويصبح الإنسان جنازة تمشي بين الأحياء.

لا تقتل العقبات الحب، لكنها تكشف الوهم الأكبر، بأننا كنّا نظن أنفسنا أحرارًا، بينما تحركنا خيوط مخطط خفي، وأن اختياراتنا مجرد هوامش ضيقة في نص كوني لا نقرأ لغته، ومع النضج، لا نزداد حكمة، بل انكشافًا، فنرى ما كان الجهل يحمينا منه فننزف، ونفهم العلاقات فتثقل، ونقرأ البشر فنصاب بالوحدة، كل وعي إضافي عبء، وكل عمق خطوة نحو الانهيار، والواقع لا يمنح فرصه لمن يقفون باستقامة كاملة، بل لمن يتقنون الانحناء دون أن ينكسروا ظاهريًا، وتصبح النجاة خيانة صامتة للوعي نفسه.

نُلقى في عصر يقدّس السطح ويعادي العمق، تُصنَع فيه الهويات كما تُصنع الإعلانات، وتُدار المشاعر بمنطق السوق، لم نعد ذواتنا، بل أداءً مستمرًا لها، نلمّع السطح وندفن الجوهر في العتمة، نبحث عن معنى فنصطدم بالضجيج، وعن طمأنينة فنجد قلقًا موروثًا، وعن حب فنكتشف قلوبًا أُخليت بعد حرب طويلة، وفي لحظة صفاء قاسية، تتكشف الحقيقة الأخيرة: الحياة لا تُعاش، بل تُحتمل، والإنسان لا يبدأ بالموت حين يشيخ جسده، بل حين يتوقف داخله السؤال، وتنطفئ الدهشة، ويخمد القلق المعرفي، هناك فقط يمشي بين الأحياء وقد انتهى.

اترك رد