منبر العراق الحر :
مدينة مثل طنجة لن تصل إليها بمجرد أن لك شهراً فيها تجوب أخيلة المقاهي وأمكنة كان يتواجد فيها شكري وكتاب عن رحلة لواحد من أبنائها، المدن هي ما نتخيله في دهورنا الطويلة وليس من إقامة فندق ولحظات عابرة مع أناس من أهلها. لهذا كنت أهرب عنها إلى ما أفترضه مدينة ولكن باسم مشابه ولكي أقتنع بهذا أكون مجبراً علي إعادة قراءة كتاب ايتاليو كالفينو المدهش (مدن لا مرئية) أو بترجمة أخرى عنوانها (مدن لا تُرى)، كتاب كالفينو، كتاب لمدينةٍ مفترضةٍ فيها ما نعتقده يوتيبيا لحلم البشر ليكونوا مطلق ما يودون بعيداً عن خرافات الأساطير منذ أيام سومر والإغريق والفراعنة وحتى الأساطير الأمريكية التي صنعها صُدام الحضارات وتسويق آلهة العولمة.
توفر مدن كالفينو إحساساً بألفة غريبة لعالم آخر نتمناه ولكنه لن يكون بمتناول اليد لتشعرَ أن كالفينو كان يدرك أحلام الرحالة ومنهم ابن بطوطة، لهذا صنعت مخيلة الترحال لديه مدناً لا تُرى، مدناً اعتقدها قوبلاي خان وهو ربما معاصر لخطوات بن بطوطة وهي تصل الصين: كافية لتديم سعادتنا وترينا عظمة ما نسعى لتأسيسه بعد أن مُنحنا ملكاً لا نهاية له. ولأن كالفينو ينطق بأخيلته عبر ماركو بولو، كان يعتمد في الخفاء على ذاكرة رحلات الشرق الأولى التي قام بها ابن ماجد وابن فضلان وابن بطوطة وغيرهم، كان ماهراً في جعل هكذا رحلات تغرق في حداثة خيال جديد وهو نتاج ما وصل إليه العالم من فلسفة وطرائق عيش وازدواجية عجيبة خلقت حروبا مدمرة وثورات لا تنتهي لشعوب تريد الحرية ولهذا كان الهروب لتلك اليوتبيات يعد خلاصا.
وربما طنجة هي واحدة من تلك اليوتبيات ولم يرد كالفينو لفظها بالمباشر.
أنقل الخطى بين أرصفة تبدأ من نقطة منحدرة في الأرض صعودا إلى كبد المدينة، أقرأ وأقارن بين هياكل المدن التي لا تُرى والمدينة التي أراها الآن.
طنجة، الغبار المدثر بأيونات شمسية مصنوعة من الفضة. البحر وهو يرمي السفن بسهام الموج، الرمل وهو يتكدس مثل العصور على الحافة المتسخة بصخب القدمِ المستحمة. الرصيف الأثري المشفوع بنظرة التأمل إلى المضيق الذي عبر منه طارق بن زياد إلى الأندلس. الأسوار المختبئة في ثوب العمارات خجلاً من زحام العمران المرتبك، السوق الداخلي الذي تاه في متاهة الصبية العاطلين عن العمل وجلس كعانس قديمة ينتظر وافدين جدداً ولكن ليس بثقافة الرحالة. المقاهي التي يملأوها الحليب ورائحة خفق البيض. العلم المغربي الشاخص، أعلام القنصليات وهي تسجل على جدران حدائقها مواعيد تعلم الفرنسية والاسبانية.
مدينة هي غير تلك التي كانتها في الماضي، ولكنك في نهاية كل تجوال تنتهي إلى واحدة من تلك المدن اللامرئية وتجد في طيات كتاب كالفينو بعضا من عطر حديث بين ابن بطوطة وقبلاي خان، أدونه وأتطلع من شرفة الضوء بمقهى فندق المنزه إلى بحر يرتب معي أفكار الحوار ويحثني على عدم جعله قصيرا إعماما للفائدة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر