الخمسة و العشرون”” ……. وفاء مخلوف

منبر العراق الحر :””
في هذا الصباح الشتوي
عبق الرطوبة يلفح وجهك ، تقارع جسدك رعشة باردة تنكمش على بعضك محاولاً ايقاف تسرب الهواء البارد لمسامك.
الطرقات المغبرة منذ ما يقارب عمرها ، تأخذ شكلاً آخر بالشتاء لتمازجها بماء السماء .
كل دروبنا موحلة ،
-أقول بقرارة نفسي و أنا في الطريق إلى السوق.
المشهد يتغير بثواني الطرقات عارية من زوارها،
والمحلات تتثاءب على وقع أقدام أصحابها المقبلين نحوها.
فجأة يعم الضجيج المتسابق مع دقات الساعة السابعة …
النشاط يبدد الهدوء
-ربطة خبز يا عم
-تكرمي …
أتناول الخبز ، وأدس يدي الفارغة بجيب معطفي اتلمس ورقات ممزقة من فئة الخمسين المهترئة
أتعامل معها بلطف حتى لا أخسر قيمتها.
اعد ثلاثاً منها ثمناً لخبزي.
الرجل المتكيء على خاصرة الباب يعد نقوداً معدنية بوجه عابس وملامح قاسية وانف محدودب و وجه خط الزمن عليه رسم المرور منذ أكثر من خمسة عقود.
بعينين حادتين نظر إلي وقال :
( الله يلعن هالعمر ما بذكر حالي إلا عم أدفع )
ابتسم بمرارة و أتوجه نحو باعة الخضار، عيناي تتابعان بشغف الأسعار ،الارتفاع في تقدم مستمر
يدي تضغط بقوة على أثمال المال المتبقية بجيب سترتي المطرية.
روائح الخضار الطازجة تثير شهية قديمة لأطباق كانت سهلة المنال .
( شو طبخة اليوم ) اسأل نفسي؟!! والهم يعتلي تفكيري
مثلاً بطاطا و بيض أحسب المعادلة
كم بجيبي وكم سعر البطاطا و البيض ….
في جيبي خمسمائة و خمسة و عشرون،
كيلو البطاطا بثلاثمائة و ثمن أربع بيضات بمئتين يبقى بجيبي خمسة و عشرون
( ايوا تمام )… فجأة أتوقف -أقول_ بصوت عال
( ما رح تظبط معي )
بعض المارة بقربي يلتفتون نحوي باندهش
أتظاهر بعدم الإكتراث لهم ، و أكمل ولدي يحتاج لقلم ازرق وسعره مئة ليرة …
-نعيد بدل كيلو بطاطا سأشتري نصف كيلو
( تمام ظبطت )
أتوجه لبائع البطاطا
– نصف كيلو بطاطا ياعم
ينظر نحوي باشمئزاز و هو يحاسب امرأة تفوح منها رائحة عطر فاخر و ترتدي معطفاً جلدياً أسوداً ،و نضارة الغذاء تلوح على استدارة الوجه الحنطي ، و بحوزتها رزمة من فئة الألف ليرة
تحاسب البائع .
ثمة رجل ينتظرها حاملاُ الأكياس التي تكاد تفقد متانتها من ثقل الأنواع و الأوزان …
عيناي ترصدان الرزمة بدقة ، لو كانت معي الآن
سأشتري بعض الحطب و دجاجة سمينة و فواكه مشكلة ، و أفرح أطفالي بالدفء و الطعام اللذيذ.
فجأة تدس المرأة مالها بحقيبتها و تنظر نحوي بريبة … أنتبه لها ،
بسرعة الضوء أتخلى عن أحلامي الخيالية ، و أتراجع لأفسح لها الطريق للخروج من الدكان .
أنتعل خيبتي و قوت أطفالي و أتوجه نحو البيت.
الطريق المعبد بالرقع ( الزفتية ) تفاصيله أحفظها عن ظهر قلب كما يحفظ هو طعم دمعي.
رفعت رأسي خجلة منه ، و تواريت برفع نظري للسماء الممطرة بكل القهر ، و يدي تتلمس
الخمسة و العشرين المتبقية بجيب سترتي المطرية …..

اترك رد