عندما لا يأتي المساء …كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :
لَحظة مِن أَنين ، وَشجى ليسَ لهُ مِن قرارٍ مكين ، أَرخى بصوتِ نايٍّ حَزين ، مِن غيرِ فزعٍ يَنتابه أَو أرقِ ظَنين ، الليلُ في ثلثهِ الأخير ، يحتضنُ الآهَ بوَجعها الدَفين ، وسرِّها المخنوقِ بحبلِها المَتين ، تحاصرهُ ببعضٍ مِن ذُكريات وماضٍ ليس له مِن آت ، تذكَّرهُ حينَ قال : لم أجدُ لكِ مِن مثيل ولا أقبلُ عنكِ ببديل ، تَدَكدَكت في ذلكَ الحين مِن تَحت قدميها الأَرض وَلم تَترك لَها طولاً ولا عِرضا ، ولا صَحاري ولا جِبال وليسَ من وادٍ تحطُّ به الرِحال ، تهاجمها الأفكار ولم تجد سبيلا لاتخاذ قرار ، وما بينه وبينها بحرٌ من مسافات ، وأمواج من ظلمات ، فهل سَتُحيي بقلّبِها الأموات؟ وأيّهم الأموات ؟ مَن هُم فوقَ البَسيطة من متردية أم من لديهم إذن واعية وأفئدة صاغية ؟ وأينَ تَجدهُم وليسَ لهُم مِن باقية ؟ ومعَ هذا وذاك ، أرادَت أن تعيشَ وتُعاش وسطَ الزّحام مِن هذا الركام ، فاختارَت أَعالي القِمم ومنبرَ الكِلَم مهتدية بالنونِ والقَلم ، تبحثُ ما بينَ الحروفِ عَن ملاذٍ للروحِ التي تَسكُنها بِلا روح ، تَسيرُ بصمتٍ وادع ، وبقلبٍ ناصِع ، ولم تدرِ إلى أينَ سَتمضي بها الدروب ، فليسَ هُناك مِن خطىً واثقة في عالمٍ متقلبِ الوجوه ، لا تَرسو قدمهُ على شاطئٍ وليسَ هُناك من برٍّ لأمانٍ قاطِع ، تلوَثَت الأَنفاس ، بسخام الأَرجاس ، وصدأَ الضميرُ قبلَ أن تقرع الأجراس ، لكن عِشقها لعالمِ الفكرِ علَّمها الصَبر ، ومنحها لَّذةً مِن نصر ، أَلبَسها وساماً على الجبين ، داحضةً بهِ الشكّ باليقين ، فكلُّ حرفٍ يكتبُ لهُ وجهانِ ، أحدهما مرئي وآخر تَلوذ به وجوهٌ شَتّى ، من بينها الهَوى ، حيث النفس التي لا تَقوى على النَجوى أَو الموتِ على الجنبِ الذي تَهوى ، ووجوهٌ أُخرى تشدُّها نحوَ معبدٍ مِن خوف ، لا تعلمُ فيهِ مِن أين تَطوف ، ووجوهٌ حديثُها الجَوى واللوعةُ والنَوى ، ضميرها لا يَروم إلا السيرَ على صراطٍ مستقيم ، تَدعو به ربَّاً كريما ، قَرأَت كُتبَ الأحزانِ وبقايا فلسفةٍ من الرومان ، قصائدَ حُبٍّ ليس لها راوٍ ولا تُرجمان ، فأين هذا الزَّمن من ذاك الزَّمان ، الذين يكتبون نعرفهم لكنَّنا لم نصلْ إليهم أبداً، نُقلِّب الصفحات ، ولا نَدري بكاتبِها أينَ غَفا وَبات ، و أيّ من الكلمات استَوقفت نزيفهُ هذا أم ذاك .
فَكيفَ بهذا الزمن ، وَقَد شبَّ بقلّبِها الحَريق ، تقرأُ لهُ بقايا حروفٍ من أبياتِ شعرٍ بلا سقوف ، على صفحةٍ تضجُّ بالألوف ، لم تدرِ لماذا اضطَرَبت وانتابها هلعٌ وَخوف ، تُحللُ معاني الكِلَم ، وتنصتُ لهمسِ ذلكَ القَلم ، حتّى غرقَت في بحارٍ مِن الظُلم ، تطاردُها الأحلامُ بلا هَوادة وَيؤرجحُها الطوفانُ بلا وِسادة حتى تَقطَّعت أنفاسها فقررت أن تسحقَ بتقواها آخر حرفٍ من حروف هواها.

اترك رد