منبر العراق الحر :
قبل أنْ أهمّ بالنهوض هذه المرّة تستوقفني: – انتظري بنتي أريد أنْ أريكِ شيئاً.
تتابع مُبتسمة: – البارحة كنتُ أرتب صندوق الخشب القديم خمّني ماذا وجدت؟
لا أكترث ..
أحسبها كالعادة ستأتي بفستان مُزركش مِن ملابسها العتيقة تريدني أنْ ألبسه في مناسبة سعيدة، أرتدي معطفي بسرعة في محاولة للهرب إلى داري قبل عودة ابني مِن مدرسته ..
تعودُ مُبتهجة يدها خلف ظهرها العريض، فجأة تمدها قبالة وجهي و إذ لعبتي باسمة تضحك بفرحها القديم ..
أحملها هُنيهة دون شعور ثمّ أرميها أرضاً كأنّ تيار كهرباء صعقني، تستاء أمّي مِن تصرّف تراه أبلهاً، فأسألها غاضبة:
– أخفيتها أعواماً لتعطيني إياها اليوم، أين كانت حين كنت بأمس الحاجة إليها؟
أنظر في عينيها مستغربة:
– أخبريني لماذا احتفظتِ بها؟
تُجيب بقلق: في حياتي لمْ أشاهدك حزينة مثل اليوم قلت: رُبّما تُسعدك لعبتك باسمة.
تتناولها مُحبطة مِن فوق السجادة، تلامس شعرها المجدول:- شيء وحيد جعلني أحتفظ بها، هذه الخصلة التي قصصتها مِن شعرك.
تتنهد مُبتسمة:- أتذكرين؟
تشمّ الجديلة و تقبّلها بلطف: – أُخفيتها كي تهتمّي بدروسك حين احتلّت حيّزاً كبيراً مِن وقتك، كنتِ تبدلين تسريحة شعرها باستمرار.
بغصّة مخنوقة: – ظننت استغليت فترة غيابي في مُعسكر الطلائع ورميتها مع القمامة كعادتك في التخلص مِن الأشياء ..
أعود متذكرة تفاصيل قديمة:- أذكر ندمك حينئذ عندما رأيتِ حزني على فراقها وعدتني بصنع لعبة أجمل.
خَجلاً أنظر أرضاً لأواجهها بجرأة أمام هيبتها الطاغية: -ضحكتِ عليّ؟
أتذكّر دموع سالت على وجنتيّ: – دائماً تفصِّلون وتخيطون كما تشتهون دون مراعاة رغباتنا.
ترفع ذقني إلى الأعلى، تنظر داخل عينيّ بإمعان: – لأننا أعرف بما ينفع ويضر.
أسأل بحمق: – ألمْ تسألنا؟ عن سنين مظلمة قضتها دون ذنب داخل صندوق مُقفل ..
ترفع شعر اللعبة بحنانِ أناملها في محاولة لتغيير تسريحتها: – هلْ تعلمين؟
أنتِ أول من أوحى إليّ بفتح صالون حلاقة، زرعتِ داخلي العديد من الأفكار وأنا أرقبك تبتكرين الأشكال على رأسها الصغير، هل تذكرين جديلة السنبلة التي علمتني إياها؟
تفك ربطة شعرها الحمراء وتنثره على كتفيها بدلال ثمّ تبدأ بلفِّ خصال حريرية متابعة الغوص في بحر ماض عذب:
– رحت أضفر شعرك مثلها فأعجب نساء حي الصالحية وتدافعن نحوي كي أجدّل شعورهن، سقى الله تلك الأيام الحلوة.
أتمنّى أن تلعب أصابع أمّي الطريّة على أرض رأسي المُشتاق لحنانها، أن تباعد خصلات شعري عوضاً عن لعبة محشوة بقطن أظنّه تعفّن مع ندى الأيام ..
لو تشعرني بالهدوء الذي افتقدناه منذ زمن ..
في داخلي ما زالتْ طفلة تحبّ أنْ تلعب بمرح، تبحثُ عن حكاية مُسليّة وأغنية حنونة قبل النوم.
تنزل دمعة متمرّدة أبت إلاّ النزول، على الرغم من محاولات حبسها طيلة الزيارة كي لا أزعج أعصابها ..
في صمتي المقصود صخب قبل رؤيتي مفاجأتها بشهور أفكّر: في وضع بلدنا المجروح، ناس يتحركون بخوف دون طعم لأمل، موت ودمار نفوس ..
أبكي دون استطاعة على التوقف، رجعتُ طفلة لا حيلة لها سوى ذرف دمع ونشق ماء أنف ..
تتأملني بقهر وهي تراني أستسلم لضعف مهين، يؤلمني ندى يلمع في مساحات عينيها الغاليتين فأحاول كبت بقية أوجاعي.
تحمل لعبتي مُستغربة: – كنت أظنّ أنّ الدنيا لن تسعك فرحاً لحظة رؤيتها.
لكي تشدني أطناب الحنين إليها تضعها في حضني، تدير ظهرها وتقعد على سجادة الصلاة كالعادة تركع وتطيل السجود ..
أرتفعُ مع موجة عالية وأهبطُ سمكة ميتة على سطح مُحيط لا مُتناهي الأبعاد، أنظر إليها بطرف عيني ببعض رضا، فتسحبني مِن شعر رأسي إلى فضاء بعيد ..
مُشفقاً يسأل أبي عن سبب دموعي المتساقطة: – لعبتي ضاعت، سرقها الغول يا أبي في المنام.
– لا يوجد غول هذه خزعبلات، ابحثي عنها جيداً.
صنعتها أمّي من ثوب أحمر كبرتُ على قياسه ثمّ رسمت وجهها بالأقلام وقصّت خصلة من شَعري وضعتها على رأسها المستدير الذي كان بالأصل غطاء علبة حليب مُجفف، ذلك اليوم ضحكنا طويلاً أطلقنا عليها اسم باسمة نظراً لفمها الكبير الذي كان بالأصل غلطة في رسمِ أمّي.
أنظرُ داخل أزرار عينيها اللامعتين فأشعر بلهفتها، أتأملها أراها صغيرة جداً كأنَّها تقلصت أو أنا أصبحت عملاقة ..
أرفعها مترددة ..
ألامسُ تضاريس جسدها الطري، أمسحُ بأصابعي جبينها العريض، أنزل برفق على أنفها المدور الصغير حتى أصل إلى فمها المفتوح وأتخيل دفعة واحدة كيف كنت أخاف أن تعضني فأبتسم بسخف وأبعد أصابعي دون شعور ..
أعودُ في محاولة أعمق أحاولُ التدقيق أكثر في هدوء ملامحها، ألاحظُ أنّها بلا حول ولا قوّة، تضحك ببراءة للجميع ببساطة دون أن تعي للفرح طعماً ..
أقترب من أذنها المستطيلة التي كانت في الأصل جلد محفظة عتيقة بلون طحيني، أخفض صوتي كي لا تسمعنا أمّي كمَا كنا نفعل في براءة الماضي:
– نحن أصدقاء قدامى أليس كذلك يا فتاة؟ لا ذنب عليكِ، أمّي شكّلتكِ هكذا بتلك النظرة المُستعطفة والابتسامة الساذجة كمْ أودّ أنْ أضمّك إلى صدري لكن أتعلمين يا باسمة؟ أصبح صدري كبيراً تغيرت التضاريس التي اعتدتِها، غدا عالماً غريباً عنكِ، أخشى أن تتوهي وتضيعي بين تلاله العالية التي لا أعلم لمَ تغوي بعض الرجال للتسلق؟
أشير بسبابة يدي مُحذّرة: – إياكِ أن تخبري أمّي بشيء والله ستذبحنا مثل صيصان ..
ترى هل نستطيع أن نتبادل القُبل كما كُنا نفعل تحت لحاف الظلام؟ هل أستطيع تغير تسريحة شعرك البني الطويل عشرات المرات؟ أ مازال عندنا قلب يستوعب الحُبّ؟
تنطق مُستنكرة تصرفاتي: كنتِ تعاقبينني حين تنزعجين وترقصين بعد لحظة عندما تشعرين بالرضا.
– ببساطة كنا نرضى بطيب تلك الأيام ..
أضحك بحبّ أهل زمان، كأنّني لمْ أغب عنها، أضمّها وأقبلُ خدها المنفوخ، فتدير رأسها تجاهي راغبة مزيداً من القُبل، تضع فمها في مُتناول شفتيّ في محاولة إغراء فأحلّق وأضيع في رُبا غيمة حالمة وألمس اخضرار نشوة نسيتُ حلاوتها ..
أستيقظ من سحب الخيال: لا أستطيع، تغيّر كلّ شيء، أعترف أنّني لمْ أستطع إسعاد أحد في حياتي وهي لمْ تذق طعم فرح حقيقي، كنت أرميها بعنف كلّما صرخ أحدهم في وجهي ثمّ أعود لأضمّها بعد هدوءِ نفسي دون أن أخبرها ولو بجملة قصيرة عن مدى ندمي.
أضعها جانب أمّي برفق كي أغوص في عمق ذات مُذنبة: – أقرّ معترفة أمام الكون، كُنت أظنّ أنَّ كلّ الأشياء دون إحساس، كلّ شيء ملكي وحدي، يحقّ لي فعل ما أشاء، كم كنت قاسية لا أعرف الرحمة، مغرورة أنانية لا تدرك معنى الآخرين.
تقوم أمّي بعد طول صلاة، تمسك مسبحتها الفيروز الطويلة، تطقطق وتسبّح.
– بربّك أمّي أعيديها إلى عتمة الصندوق ..
يُستحسن أن تبقى مكانها لا أريد أن يتغير نمط اعتادته، لندعها تنعم بالهدوء، مع صخب هذه الأيام الصعبة لن تستطيع العيش.
بينما أتابع الشرح، تدوّر يمينها فوق غربان رأسي وتحوّطني بسور من كريم القرآن.
– لستِ غريبة عن الأوضاع، وضعنا شبه ميت، حياتنا على كف عفريت الحرب حولنا دائرة والموت كثير.
مُحاولة أخيرة من أمّي: – لماذا لا تأخذينها للذكرى؟ كي تنعش ذهنك من حين إلى آخر.
أقبّل يديها وأنحني لأقبّل أمشاط قدميها باحثة عن جنّتي، فتمنعني خجلاً ..
– بحقك أمّي ذكرى؟
أنا أهرب منْ شريط الذكريات إلى أبعد فضاء، أتحسر على كلّ لحظة راحت من بين يدي ولم أستطع مسكها بإحكام، ما مَوج نفسي الثائرة إلاّ من ذاك الشريط العنيد.
تفصص ملامحي كعادتها وتقول دامعة: – هذا أنتِ عنيدة، سبحان الله كلّ شيء فيكِ تغيّر لكن ما زلتِ تُشبهين والدكِ رحمه الله، لا أدري كأنّه أمامي.
أضمها وأكمل بموضوعية متجاهلة لحظة قاتلة: – ليس عِنداً، لكنها لن تسعد برفقتي، دعيها تعيش الحياة ذكرى حلوة سكنت مُخيلتها ذات يوم، أبعديها عن هذا الدرب خبئيها مع براءة الطفولة، مع صدق الحُبّ، مع طعم الهدوء ومذاق الأمان.
اتركها عند أمّي وأعود إلى صخب وحدتي مع شريط لا يفارق بالي ..
على طريق العودة، أرقبُ بعينيّ المسافرتين سرب حمَام يدور في صحن سماء مترقبة الوضع بحذر.
دوي قوي يرجّ أعصاب المكان، يعقبه صوت رصاص مُرعب، أنتفضُ خائفة وأبتسم في الوقت ذاته كون باسمتي الصغيرة نائمة بأمان في حضن الصندوق المتين.
..
.. هُدى الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر