قصّة .. (باب موارب)…..هدى الجلاب

منبر العراق الحر :
وقت آذان الظهر يُقرع جرس باب بيتها ثمّ تتلوه طرقات عصبية ..
قبل أنْ تقوم مِن مكانها تلج جارتها باكية دون رمي سلام ..
تجرّ أذيال خيبة ظاهرة ..
تنهض صاحبة القلب المفتوح و الباب الموارب دائماً لاستقبال نسوة الحي الهاربات مِنْ ظروف الحياة لفسحة بين جدران قلب دافئ.
تُغلق دفتر آلامها خجلاً مِن سيل الدموع الزائرة، تدعوها إلى الجلوس في صدر غرفة معيشة مُتخمة مُسبقاً بأنواع أثاث عتيق و هموم جديدة.
تحاول فتح صفحتها الطافحة كي تجد حلاً سريعاً يرضي خاطرها المخدوش كما بدا من الوهلة الأولى.
تبحث ضمنها عن بداية موفقة كي تستدرج وجعها
لتستطيع رفع بعض عذابها.
ما يزال صوت البكاء وحده يسرح في أرجاء الغرفة المُنصتة، يدور و يصطدم الحزن بمشاعر طُحنت، كادت تتناثر مع غبار يتصدر سطوحاً راقدة بكسل و ملل.
تحادث ذاتها و هي تساعدها على فك غطاء سميك كي تستطيع التنفس.
– يا إلهي ما الذي يُبكي عروس على هذا الشكل؟
تعود ذاكرتها إلى يوم حضرت زفافها قبل شهور ..
كيف كانت ترقص بفرح طفولي، تدور بفستان أبيض طويل بحيوية على مسرح صالة فضية مزركشة بأنواع زهور شاميّة.
تناولها علبة محارم بيد و تضع يدها الثانية على كتفها الرقيقة، فهي صغيرة و نحيلة ..
ممازحة: لا تبكي أمامي كي لا أفتح صنبوراً أعرض، يُغرق جسد حي الميدان بالآلام.
لا تجيب، ما زالت حالتها لا تسمح ..
تسكت برهة تضامناً معها منصتة بصبر إلى سحب أنفاس أنفها الممتلئ بمياه لزجة.
جادّة: ما بكِ أخبريني؟ هل فقدتِ أحد الأقارب وسط هذه الحرب العمياء؟
بصوت متقطع: ترك زوجي البيت غاضباً.
اتهمتني حماتي أنّني أكلّم رجُلاً غريباً على الهاتف.
تبكي بحرقة: و.الله ما حكيت مع أحد.
تمسح بعض مياه عن وجهها المستدير و تتابع: اتصلتْ على حدِّ قولها عدة مرات، ادعت أنّها وجدت الهاتف الأرضي مشغولاً.
تصرخ في وجهها كأنّها سبب أوجاعها و تكمل البوح: لماذا تراقبني بهذا الشكل؟ بودّها النوم تحت تختي كي تعد أنفاسي.
ترتجف: أتعبتني شكوكها بدخولها أدق تفاصيل حياتي.
تقف بعصبية، تصرخ معترضة قلة ثقة حماتها: كلّما وجدت الهاتف مشغولاً تتخيل أنّني .. أستغفر الله ..
تشهق: و تعيّرني بعدم الحمل مع أنّني تزوجت منذ بضعة شهور.
تحدّق في عينيها الصغيرتين مُنصتة باهتمام لصدى أوجاع صغيرة.
تفاجئها بسؤال قصي الجواب: كيف أستطيع الحمل؟
علميني أنتِ متعلمة و أكبر مني.
في سرّها: يا للبراءة.
تتأمل ملامحها الناعمة متسائلة بسخط على منطق قديم.
– كيف زوجها أهلها في هذه السن؟ ألا يوجد عندهم خبز؟
تحك رأسها مفكرة كعادتها لحظة الارتباك ثمّ تخبرها برزانة و هدوء:
– الوقت مُبكر للحمل، سيأتي لاحقاً دون عناء بحث.
– متى؟
-حين يريد الله.
تعود إلى البكاء كطفلة، تتابع مواساتها بصبر: اصبري، صدقيني سيعود نادماً، زوجكِ مُثقف سيفكر بتعقل، سيدرس الأمر بمنطق معقول.
رجُل القانون لن يتصرف إلا بعد التنقيب و البحث أولاً و تالياً سُمعته عطرة بكلّ الحي.
تتابع بموضوعيّة: أمّه أيضاً ست طيّبة كما يقولون.
دقائق صمت مرّت بمذاق علقمي ..
تتذكر نشرة أخبار الصباح و منظر عشرات الضحايا على أرض البلاد.
تقول لذات مُعترضة: لتكن هذه اللحظة على أرواح الشهداء الأبرياء الذين غادرونا اليوم دونَ ذنب.
ترقب بلاهة حزن عابر يبدو على ملامح شفافة بسيطة لتعلو موجة البكاء ثانية. – آآه.
ضاحكة كي تبدل جو جلسة ساخنة باردة: رمضان كريم لكن أنا بخيلة، لذا لا تحلمي أنْ تشربي شيئاً.
لتغيير الوضع تضغط زر التلفاز.
تطرقان في عين أرض خجلة و هما تسمعان الأهوال على الفضائيّة ..
في ذهنها: المحنة صعبة، مؤامرة بل حرب حقيقية.
تتابع صدق نفسها بعمق أكبر: شيء أشبه بفيلم رعب أميركي.
ما كانت تعلم أنّ الأصعب سيكون هول الخبر، تفجير سيارة في حيّ شعبي وسط مدينة دمشق وقت انصراف الموظفين.
– أ يعقل وصلنا إلى هُنا؟
يسكت التلفاز بأمر جهاز تحكم: ما رأيكِ في قراءة بعض شِعر، اختاري مِن مكتبتي ما تريدين.
بحسرة و خجل: أنتِ معلمة مدرسة أمّا أنا فشبه أميّة، تركت الدراسة من الصف الثالث الابتدائي.
تخبرها أنها يتيمة الأم، جعلها والدها تترك المدرسة بناء على طلب زوجته التي تنبأت بعبقريتها أنّها لا تنفع إلاّ للتنظيف.
هي ترقب صفحة وجهها الطافح بألوان مُتناقضة عند سرد قصّتها المؤلمة.
بينما تفرد تلقائياً نسيجاً طوته الأيام.
تتذكر ملامح والدها الذي كان يصرّ على نيل الشهادة، تترحم على روحه، تقرأ لأجله فاتحة.
تسحبها من يدها كطفلة: تعالي إذاً كي نبدأ بصنع عجينة (بيتزا) عند الإفطار ستعرفين كمْ أنا خبيرة، سنكمل أحاديثنا في المطبخ.
تخرجان فجأة إلى الزقاق الطيبة على أصوات عالية تخترق جدران الحيّ الشعبي المُزدحم بأنواع و. أشكال.
شتائم مِن كلّ الألوان الشعبية، و تشكيلة واسعة مِن شرائح بشر مُختلفة.
المحامي على غير العادة يضرب أبن الجيران صارخاً: أ وَ تسرق خط هاتفي و في شهر رمضان يا آدمي؟
– لا دخل لي الله وكيل، لا أعلم عن أمر هذا الشريط.
– “قالوا للحرامي احلف”.
أحدهم مُدافعاً: رُبّما هو مظلوم.
يتدخل أحد الجيران: بسيطة يا طيّب، كلّ شيء سيرجع إلى الصواب.
يقترب منه و يتابع بقهر: ألا يكفينا وضع البلد ..
صوت رصاص قتل دمار تفجير مِن جميع الجهات ستكون علينا؟
يتدخل رجل كبير السن في مُحاولة منطقية: هلْ تأكدتم أنّه الفاعل؟ و الله هو ابن ناس طيبين.
المحامي و هو يدل بإصبعه على شريط ممتد خلف عروق لبلابة خضراء:
هذا الشريط البريء تسلل و هرب وحده مِن العلبة ليذهب إلى شبّاك بيته الغافل؟
هدأ المناخ بعد دقائق مُغبّرة، القلوب الدمشقيّة الطيبة المعطرة بأريج الياسمين الجميل، آخر المطاف لا تعرف إلا طريق الصلح و المودة الصافية.
عادت العروس الغاضبة إلى حضن بيتها المسروق بسعادة تُرضي قناعتها المحدودة و بقيت مُعلمة مدرسة وحيدة قلقة مسروقة مِن قِبل مُحيط غريب الطبع و الملامح ..
هكذا انتهت لوعة عابرة
و لمْ تنته بقية الأمور الدائرة.
..
.. هُدى الجلاّب ..

اترك رد