منبر العراق الحر :
قضى سرحان سنواتٍ طويلة موظفًا في السجن حتى صار الرجل الذي يشدّ العقدة الأخيرة في أعناق المحكومين بالإعدام، وقد مرّت أمام عينيه وجوه كثيرة وتدلّت أجساد كثيرة حتى صار الحبل في يده أداة عملٍ باردة لا أكثر، وكان يواسي نفسه دائمًا بالجملة نفسها: أنا لا أقتل أحدًا… أنا أنفّذ حكم المحكمة.
وفي إحدى الليالي اعتُقل فرحان شقيقه الأصغر بعد اشتباكٍ مع رجال الأمن أُصيب خلاله أحدهم إصابةً بليغة، واتُّهم بالانتماء إلى حركةٍ سياسيةٍ محظورة وبالتصدّي لرجال الأمن، ولم تمضِ أشهر حتى صدر الحكم: الإعدام شنقًا حتى الموت.
هذه المرة لم يكن المحكوم رقمًا في سجل السجن، بل كان فرحان، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره يوم اختطف حادثُ سيارةٍ والديهما معًا، ومنذ تلك اللحظة حمله سرحان بين ذراعيه كما يحمل الأب ابنه، فأطعمه بيده وأدخله المدرسة وسهر على مرضه ورافقه في كل خطوة من طفولته وشبابه، حتى كبر فرحان وهو يناديه دائمًا: أخي… وأبي، وكان سرحان يحبه حبًا يفوق حتى حبّه لأولاده.
حين اقترب يوم التنفيذ تمارض سرحان وطلب إجازة كي لا يرى المشهد بعينيه، لكن السجن كان مزدحمًا بالمحكومين في ذلك اليوم فاتصل به المسؤول وأمره بالحضور وتأجيل استراحته، فذهب إلى السجن كمن يمشي إلى قدرٍ يعرفه ولا يستطيع الإفلات منه، ووقف في ساحة التنفيذ صامتًا يراقب المحكومين وهم يُقادون واحدًا بعد آخر.
ثم فُتح الباب ودخل فرحان، والتقت عيناهما لحظة قصيرة مرّت فيها طفولةٌ كاملة بين نظرتين، ولم يتكلم أحد، وتقدّم فرحان إلى المنصة بهدوء وثُبّت الحبل حول عنقه ثم سقط الباب تحت قدميه، فاهتزّ الجسد قليلًا ثم سكن، وظلّ سرحان يحدّق في الجسد المتدلّي كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة.
وفجأةً اسودّت الدنيا في عينيه فسقط أرضًا مغشيًا عليه، وحين أفاق كانت يداه ترتجفان بشدّة، حاول أن يضمّهما إلى صدره ليوقف الرعشة لكنها لم تتوقف، وأصيب سرحان بشللٍ جزئي ورعاشٍ دائمٍ لم يفارق يديه منذ ذلك اليوم، كأن العقدة التي شدّها طوال عمره في أعناق الآخرين لم تبقَ هذه المرة في الحبل، بل انعقدت أخيرًا في أعصابه.
عبدالكريم حنون السعيد
العراق
منبر العراق الحر منبر العراق الحر