منبر العراق الحر :
بعد مرور أكثر من أسبوعين على انفجار المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحول هذا الصراع بوضوح إلى زلزال استراتيجي حقيقي يعيد تشكيل تضاريس الشرق الأوسط ويهدد بتقويض أسس النظام الدولي القائم، إن ما بدأ كضربات جوية مركزة وسريعة قد تطور بشكل سريع إلى حرب استنزاف إقليمية شاملة، حيث تتكشف تداعياتها العميقة يوماً بعد يوم لتطال أبعاداً لم تكن متوقعة في بداية الأزمة، وبالنظر إلى الأهداف الاستراتيجية التي تقف خلف هذه التحركات، نجد أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لم يكتفِ بالأهداف المعلنة المتمثلة في تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية أو منع طهران من امتلاك السلاح النووي، بل إن القراءة المتعمقة للأحداث تكشف عن رغبة جامحة في إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة برمتها.
لقد ذهبت واشنطن وتل أبيب في طموحاتهما إلى ما هو أبعد من مجرد توجيه ضربة عسكرية تأديبية، حيث كان الهدف الأساسي يعتمد على استراتيجية الصدمة، التي تهدف إلى إحداث انهيار كامل للنظام الإيراني من الداخل، وقد شملت هذه الخطة محاولات لاغتيال القيادات العليا وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة الحرس الثوري، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انتفاضة شعبية وانهيار مؤسسات الدولة؛ ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لم يكتب له النجاح حتى الآن، مما دفع المحللين إلى الاعتقاد بأن الخطة أ قد فشلت، مما أدى بالتحالف إلى الانتقال إلى خطة بديلة أكثر قسوة ووحشية، تعتمد هذه الخطة الجديدة على ما يُعرف بعقيدة الضاحية، والتي تركز على تدمير البنية التحتية المدنية والاقتصادية بشكل شامل بهدف خنق النظام وإجباره على التراجع.
القيادة الإيرانية لم تكن غافلة عن موازين القوى التقليدية التي لا تميل لصالحها في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، لذا تبنت طهران استراتيجية مضادة تعتمد على الصمود حتى النهاية، وتهدف هذه السياسة إلى الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة ومنع الانهيار الداخلي، وهو ما تحقق جزئياً برغم ضراوة الهجمات، كما سعت طهران إلى توسيع دائرة النار وتحويل ساحة المعركة من الداخل الإيراني إلى الإقليم ككل عبر تفعيل وكلائها مثل حزب الله والحوثيين واستهداف مصالح التحالف في دول الخليج، والأهم من ذلك، هو لجوء إيران إلى سلاحها الاستراتيجي الأقوى المتمثل في الطاقة والاقتصاد العالمي، حيث لوحت وأقدمت على إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط والغاز بهدف رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي وخلق أزمة طاقة خانقة تضغط على صناع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية لوقف العمليات العسكرية.
ميزان قوى العمليات الميدانية بدأ يميل نحو الاستنزاف الطويل والمكلف، حيث تشير التقارير إلى وقوع خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة؛ ففي إيران، تجاوز عدد القتلى حاجز الـ 1300 شخص مع دمار واسع طال البنى التحتية العسكرية والمدنية على حد سواء، أما في الجانب الآخر، فقد تكبدت إسرائيل خسائر مادية ونفسية وبشرية فادحة مع استمرار وصول موجات الصواريخ والمسيرات إلى عمقها، مما ولد آلاف طلبات التعويض عن الأضرار، ولم تكن الولايات المتحدة بمعزل عن هذه الخسائر حيث فقدت معدات عسكرية ثمينة مثل رادار منظومة ثاد وطائرات باهظة الثمن، بالإضافة إلى خسائر بشرية ومادية واضحة، وتكشف المعطيات الميدانية أن إسرائيل بدأت تتحمل العبء الأكبر من الجهد الحربي الجوي، وهو ما قد يعكس رغبة أمريكية في الحفاظ على تماسكها لمواجهة استنزاف طويل الأمد أو ربما استعداداً لسيناريو انسحاب يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة تداعيات هذا القرار المصيري.
لقد أدى هذا الصراع إلى انفجارٍ إقليمي، فلم تعد الحرب محصورة بين الأطراف المباشرة بل امتدت لتجعل من دول الخليج ساحة عمليات مفتوحة، فقد تعرضت هذه الدول لضربات بصواريخ ومسيرات إيرانية رداً على استخدام أراضيها وأجوائها في الهجمات مما وضعها في موقف حرج للغاية، فهي تدفع ثمن دعمها للتحالف دون أن تملك قراراً فاعلاً في مسار الحرب؛ وعلى المستوى العالمي، تحولت الطاقة من سلعة إلى سلاح فتاك، إذ إن إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس صادرات الطاقة العالمية، أدى إلى قفزات في أسعار النفط والغاز، هذا الوضع خلق فرصاً لروسيا لتعزيز ميزانيتها وتخفيف عزلتها الدولية بينما هدد بانهيار اقتصادات الدول الناشئة ودفع العالم نحو موجة تضخمية تقوض أي فرص للتعافي الاقتصادي.
وبعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية، تبرز الأبعاد الإنسانية والقانونية لهذه الحرب لتكشف عن عجز دولي صارخ، حيث يتم استهداف المنشآت الصحية والمدارس والوحدات السكنية وسط سقوط ضحايا مدنيين في ايران ولبنان والعراق، هذا التطور يعكس ازدواجية خطيرة في هذا الصراع، حيث تبدو المنظمات الأممية والقانون الدولي عاجزين تماماً عن وقف الانزلاق نحو الهاوية، وهذا الأمر يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وما إذا كان زمن المؤسسات المتعددة الأطراف قد ولى ليحل محله منطق البقاء للأقوى.
ومع دخول الحرب مرحلة كسر الإرادات، يبدو أن النجاحات التكتيكية في تدمير القدرات العسكرية لم تترجم بعد إلى نصر استراتيجي يتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو تغيير سلوكه، مايجعل الرئيس الأمريكي يواجه تحدياً كبيراً في كيفية إنهاء هذه الحرب وتقديمها كإنجاز في ظل التكاليف المتصاعدة وتوسع رقعة الصراع، خصوصاً ان السيناريو الأخطر هو لجوء إيران إلى خيار هدم المعبد على من فيه إذا شعرت باقتراب انهيارها، مما قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية وفوضى إقليمية شاملة لا يمكن ترميمها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر