منبر العراق الحر :
الروح من خلق الرب فأتخيلُها على شكل غيمة ، تسكن أجسادنا عمرا ، وتغادرنا الى الأبد لتعود الى المطلق الذي فوق رؤوسنا ، وعدا ذلك لا يمكن لي ان أتخيل تفسير للروح .
تلك كلمات زميل لي في المدرسة التي قضينا فيها سنوات التعليم بقرية نائية من قرى المعدان في عمق الأهوار .
يسمونها قرية ( المحاريث ) جمع محراث ، والمحراث هو غصن شجرة يابس وطويل وثخين يحركُ فيه الجمر داخل التنور الذي يصنع فيه الخبز حتى يزيد من قوة اشتعاله واغلب هذا الجمر هو من المطال ، وهو عبارة عن روث ( فضلات الحيوانات ) يتم عجنها على شكل أقراص مدورة وتخلط بمادة التبن ثم يتم تعريضها أمام الشمس لتصير صلبة وتستخدم للتدفئة شتاءً ، ولتجميرها في قاع التنانير الطينية من اجل صناعة الخبز .
لا أدري حين اقف أمام تنور الخبز ، وأتأمل أمي في البيت وهي تحرك المحراث لتثير في الجمر اشتعال قوي ينضج الخبز فيه ، أو وأنا أتأمل نساء المعدان في القرية يفعلن ذات الشيء ، أتخيل أن النار وبعض من أمواج حرارتها الصاعدة وتبدو لي مرئية على صورة طيفية لأشكال هيلامية تتعانق فيما بينها او تتشاجر وهي صاعدة الى ذلك المطلق إنما هي من بعض أطياف أرواح لكائنات ما ، عاقلة او غير عاقلة ، حد الذي يدفع معلم يساري آخر ، يعلق على شهية الرغيف الخارج من التنور قوله ، ظهر الرغيف بصورته الكونية وأرواحنا متعلقة فيه لأنه الحياة .
وحين نذكره بقول المسيح ( ع ): ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان
يرد : ولكن الجياع معه يعيدون صناعة أرواحهم.
أعادة صناعة الروح هو ما كان يشغلني في ليل الأهوار وأتخيل الصياد الذي يمنع الروح عن السمكة عندما يتركها تفزع ذعرا في قاع المركب الى ان تموت ، وأفسر بسريالية غريبة تعدد الأرواح وتنوعها فأظن ان هناك روح جامدة قد تخبو وتتجدد مرة اخرى مثل الشمس والنجوم والأقمار ونار التنور ، وهناك أرواح عاقلة تعرف قدرية الروح فيها والمسافة الزمنية بين الولادة والموت . وهناك كائنات حية ولكنها غير عاقلة مثل السمكة والطير الذي يمارس نفس رد فعل السمكة حين يفصل رأسه عن جسده ذبحا بالسكين او بطريقة يمارسها الأطفال مع صيد الزرازير والقبرات ويسمونها ( ملص الرقبة ) اي فصل الرأس عن الجسد من خلال جرها باليد بقوة .
ذاته المشاعر بقيت تلاحق ظل تفكيري كلما اقرأ خبرا عن موت صديق او أديب او ممثل مشهور أو مع فقدان الأصدقاء والجيران في جبهات الحروب وأنا استعيد عبارة هائلة لواحد من الأصدقاء قولها :الحروب تحول أرواح البشر من لحظة هيام كتابة قصيدة الغرام الى مجرد خشبة هامدة يرفعها الناس ليهال عليها التراب بعد ذلك في مقبرة .
لهذا أيام جنديتي في ربايا القمم العالية في بنجوين وكلا حسن وتاريار لم أتخيل صورة مجسمة لأرواحنا سوى على صورة نعش الخشب .
ولكنه ولكن ذلك الطيف المرئي بضبابية شكله الهيلامي اقترب اكثر في تصوراته وتحديد ملامحه يوم عدت الى بيتنا في الناصرية ولم اجد روح أبي التي كانت تظلل حياتنا بالحكمة والعمل والحنان .
مات أبي . واختفى جسده من على سريره المنفصل الذي انعزل فيه عن والدتي منذ زمن بعيد ، رفعوا نعشه عن الأرض دون ان أكون موجودا ، وحتى أجده لأعانقه في وداع أخير ، رحت افتش في أرجاء المنزل عن تلك الأضواء الهلامية التي كانت تخرج من التنور المتقد يوم يحركه محراث أمي او محاريث نساء المعدان ، لكني وجدت التنور هامدا فحزن أمي وتقوس ظهرها لم يعد يسمحان لها بإيقاد التنور مرة اخرى.
فعدت الى القرية افتش عن واحدة تشعل تنورها في ظهاري الصيف لتبان لي تلك الأشكال الصاعدة من لذة احمرار الجمر فيتشكل معها وجه أبي على شكل روح ترتدي ثوبا ابيضا ، فأتخيل أني أقيم معه الآن تفاصيل وداع متأخر فتشعرني حرارة تلك الأشياء بدفء حضنه يوم اركض اليه جريا وانا احمل شهادة النجاح في المدرسة الابتدائية والتي تغيرت طقوسها عندما انتقلت الى المرحلة المتوسطة حيث كان يكتفي بتقبلي بحرارة ، أما أمي فقد أبقت طقوس الاحتضان في لحظة جلب شهادتي للبيت حتى عندما تخرجت من معهد المعلمين
منبر العراق الحر منبر العراق الحر