منبر العراق الحر :
الخوارزميات تعيد تشكيل ثقافتنا، تكرّر الانحيازات المجتمعية، وتوحّد الذوق، مما يُهدّد التنوع والإبداع الإنساني.

يشهد العالم اليوم تساؤلات متزايدة حول تأثير الخوارزميات على الجماليات، الموسيقى، والاتجاهات التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يبدو أن صانعي المحتوى يكررون انحيازات الخوارزميات التي غذّاها منشئو محتوى سابقون. هذه الدائرة المغلقة تعيد تشكيل ثقافتنا وتؤثر على حياتنا اليومية بطرق غير متوقعة.
التكنولوجيا والقدرات البشرية: مفارقات الذكاء الاصطناعي
في الثمانينيات، حذّر المستقبلي هانز مورافيك من مفارقة مذهلة: المهام السهلة للبشر، مثل استخدام عيدان الطعام لتناول السوشي، تمثل تحديات ضخمة للروبوتات. في المقابل، تبدو الخوارزميات أكثر كفاءة في المهام المعقدة مثل اكتشاف الأخطاء الطبية أو اختيار الهدايا المثالية للعائلة.
ومع ذلك، يشير العديد من العلماء والفلاسفة إلى أن مصطلح “الذكاء الاصطناعي” مضلل. وفق ما يوضح جاستن جوك، أستاذ بجامعة ميشيغان ومؤلف كتاب Revolutionary Mathematics، فإن “التعلم الآلي” هو مصطلح أدق، لأنه يشير بوضوح إلى الأنظمة التي تتيح للآلات تعلم الأنماط والتطبيق على مواقف جديدة.
الخوارزميات وتأثيرها على الثقافة والذوق
لا تقتصر الخوارزميات على حل المشكلات العلمية، بل تمتد لتشكيل المحتوى وترتيبه. وفق ما يوضح كايل تشايكا في كتابه Filterworld: How Algorithms Flattened Culture (2024)، فإن الخوارزميات باتت تؤثر على كلّ شيء: من الصور التي ننشرها على “إنستغرام” إلى الأغاني التي نتفاعل معها على “تيك توك”، مما يحدّد ما ينتشر، ويدفع صانعي المحتوى إلى تبني أساليب معينة لضمان الانتشار، مثل تقليل زمن الوصول إلى الكورس في الأغاني أو تقليد أسلوب بيكسار في الرسوم.
التوحيد الثقافي: عالم يشبه نفسه
في ستينيات القرن الماضي، درس عالم الاجتماع بيير بورديو تأثير العوامل الاجتماعية مثل التعليم والوظيفة على الأذواق الجمالية. اليوم، تمتلك الخوارزميات بيانات أكثر دقة وشخصية، لكنها تظلّ تواجه انحيازات تتكرر باستمرار. تشير سيلسا باردو-أراوجو، عالمة الرياضيات في معهد علوم الفضاء، إلى أن هذه الانحيازات تعكس ما يحدث في المجتمع أكثر مما تخلقه الخوارزميات.
ومع ذلك، يبقى الخط الفاصل بين تلبية أذواق المستخدمين وتوجيههم دقيقاً. تتكرر هذه الحلقة باستمرار، حيث يتم تضخيم الاتجاهات القائمة وإعادة إنتاجها، مما يؤدي إلى ما يسمّيه بعض المؤلفين “تسطيح الثقافة”، حيث يصبح كل شيء متشابهاً وأكثر تحفظاً.
التحديات التقنية والفنية
على المستوى التقني، يؤدي تدريب الأنظمة باستخدام بيانات متشابهة أو ناتجة عن خوارزميات سابقة إلى تراجع جودة المحتوى وتوقف تطوره. أما على المستوى الفني، فتخلق الخوارزميات محتوى يخدم أغراضًا تجارية بدلاً من أن يكون عملًا فنيًا حقيقيًا. يوضح الرسام لويس ديمانو بأن الهدف الأساسي للخوارزميات هو إنتاج محتوى يتماشى مع متطلبات السوق، مما يجعلنا نعتقد زورًا أن استخدامها يمكن أن يحولنا إلى فنانين بين عشية وضحاها.
خفايا صناعة الخوارزميات
تشير هذه الظاهرة إلى أن الخوارزميات ليست سوى أدوات تنفذ أوامر أشخاص حقيقيين، بدءاً من المبرمجين وحتى رجال الأعمال الذين يستفيدون من هذه التقنيات لتحقيق أرباح ضخمة. وفق ما يوضح ماركس، فإن الهياكل الاجتماعية والصناعية مثل الذكاء الاصطناعي هي نتيجة أفعالنا وعلاقاتنا، ويمكن تغييرها إذا توفرت القوة الجماعية اللازمة.
في النهاية، عندما يصبح العالم كله يشبه نفسه بسبب الخوارزميات، فإن السؤال الذي يبقى هو: هل نستطيع استعادة تنوع ثقافتنا وإنقاذ الإبداع الإنساني من قبضة الخوارزميات؟ الإجابة تكمن في فهمنا للتكنولوجيا كأداة يمكن تغيير مسارها بإرادتنا الجماعية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر