منبر العراق الحر :
في زاوية الغرفة، استلقى ستيف على ظهره فوق الأريكة، وسط الظلام الثقيل الذي غلفه ضوء الشمعدان الخافت، قضى يوما شاقا ما فعل في ساعاته شيئا سوى الجلوس على الرصيف متأملا بحسرة سرب النمل الذي مات نصفه بعد أن دعسته أقدام المارة، أفكاره تسبح في الفراغ، وتغرق في بحر من التساؤلات التي تأبى أن تنتهي، حدث نفسه بحزن: إنهم لا يبالون بالنمل لأنه كائن صغير لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لو كان أسدا لأخلوا الطريق من أجله، ولفروا من شدة الرعب هاربين. توجه ببصره نحو الساعة، وردد عاقدا حاجبيه: إنها الواحدة ليلا، ليس من عادته أن يتأخر، ربما لن يأتي هذه الليلة، اتكأ على الحائط في محاولة للنهوض كي يطفئ الشمع حتى ينام، فإذا بالباب انفتح.
-‘ظننت أنك لن تأتي’
-أنت تعرف أنني لا يمكن أن أغيب عنك
. ابتسم ابتسامة متعبة، وأشار إلى الكرسي المقابل طالبا منه الجلوس
جلس الضيف، ثم سأل: كيف كان يومك؟
قضيته جالساً على الرصيف، أ تعرف ذلك المستشفى في نهاية الشارع؟ هناك، حيث تمرّ كل الوجوه الشاحبة والأقدام المسرعة.
سكت لحظة، كأنه يسترجع صورة ما، ثم استطرد: كان سرب نمل، يمشي بانتظام كأنه متوجه لهدف مدروس بدقة، ثم جاءت أقدام، تلتها أخرى، دعستهم دون رحمة، حاولت مساعدتهم، صرخت، نعم صرخت حتى يلاحظوا الجريمة التي اقترفوها، لكن ما الفرق؟ النتيجة واحدة، التفتوا نحوي، ظنوا أنني أحمق، أحمق لأنني أدافع عن كائن لا حول له و لا قوة.
أخفض نظره إلى الأرض، ثم قال بنبرة مليئة بالغضب: إن قلوب البشر قاسية، لا يشعرون بشيء، يفقدون رحمتهم عندما يكون الطرف الآخر أقل قوة ، لا أحد توقف ليقول: “آه، لقد قتلت شيئاً ما”. لا أحد يفكر في حجم الألم تحت أقدامهم.
ضحك ضحكة خفيفة، ثم شرع يلقي بيديه في كل الاتجاهات كأنه يتسأل عن السبب دون أن ينطق.
مرّت طفلة أيضاً، نظرت إليّ، ثم همست لأمها: ماما انظري هذا الرجل قد كبر و مايزال يلعب مع النمل، أمسكت بيدها وسحبتها بسرعة، جعلتني أظن أنني وباء فتاك، لو كانوا فقط يعلمون أنني إنسان، لا يفعل شيئا غريبا سوى يحاول أن يكون طيبا مع الكل.
مدّ يده نحو ركبة الضيف، طبطب عليها و قال: أتفهم ما أقصد؟ إنك الوحيد الذي يفهمني، إنك تسمع كل ما اقول دون أن تقاطعني، أو تحكم على أفعالي أو تستهزئ بها.
لحظة صمت تخللت المكان، ثم صوت طقطقة خافتة تبعتها حركة الباب وهو يُفتح بهدوء.
دخلت امرأة ترتدي معطفا أبيضا، ملامحها ساكنة، في يدها دفتر صغير، وقلم، وقفت تراقبه دون أن تتكلم، اقتربت، نظرت إلى الكرسي الفارغ، ثم إلى وجهه الذي يفيض بعالم لا يُرى، تنهدت تنهيدة عميقة ثم فتحت دفترها، وكتبت: اليوم 113، لا يظهر المريض رقم 1106 أي تحسن، الحديث مع شخص وهمي، البوح إليه بتفاصيل يومه، أعراض متقدمة للاضطراب مع انفصال عن الواقع.
أغلقت الدفتر بهدوء، نظرت إليه للحظة بشفقة، ثم انسحبت.
هاجمت أشعة الشمس الغرفة مخترقة النافذة، لتصطدم بجفنيه، أغمضهما لثوان ثم عاد ليفتحهما، نظر إلى الكرسي الفارغ أمامه وقال: دائما تغادر قبل أن تستأذن، لكن لا بأس سأكون بانتظارك في المساء.
لقرع محمد أمين
منبر العراق الحر منبر العراق الحر