منبر العراق الحر :… باحث سياسي واقتصادي…..
في مشهد سياسي يتسم بالغموض والتناقض، يعود إياد علاوي إلى الواجهة من جديد، لا بوصفه فاعلاً سياسياً يحمل مشروعاً إصلاحياً يعالج أزمات الدولة العراقية المتراكمة، بل كصدى باهت لمرحلة مظلمة تُستدعى بانتقائية مثيرة للريبة، حيث تتقاطع صور البعث مع أطياف عزة الدوري، وتُستحضر ذكريات نظام دموي طُويت صفحته بثمن فادح من دماء العراقيين. وفي لحظة سياسية موغلة بالخذلان، خرج إياد علاوي، عبر شاشة قناة MBC1 ليكشف دون مواربة عن موقف سياسي وفكري صادم يتجاوز حدود الاجتهاد أو الرأي الشخصي، ليصطدم وجهاً لوجه بجراح وطن ما زال ينزف من إرث البعث الدموي. لم يكن ظهوره مجرد زلة لسان أو حنيناً عاطفياً إلى الماضي، بل كان إعلاناً سياسياً صارخاً بإعجابه بالدكتاتور صدام حسين، متغنياً بما وصفه بـ”شجاعته”، ومعتبراً “عبثيته” سبباً لصعوده كقائد، وهو ذات العبث الذي أودى بحياة مئات الآلاف من أبناء العراق في سلسلة حروب إبادة، وتطهير عرقي، ومقابر جماعية، وحصارات اقتصادية دمرت بنية الدولة والمجتمع.
*خيانة الذاكرة الوطنية*
إن ما أعلنه علاوي في هذا السياق لا يمكن وصفه سوى بأنه تحدٍّ فجّ وصريح لذاكرة الشهداء، وإهانة مباشرة لتضحيات الشعب العراقي الذي قدّم أرواح أبنائه في مواجهة الاستبداد البعثي. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يتوحد السياسيون على رفض وتوثيق جرائم نظام صدام، يقف علاوي، الذي تولّى الحكم بغطاء دولي عام 2004، ليمتدح راس النظام البعثي القذر، ملوّحاً بندمه لأنه عارضه ذات يوم. أليس في ذلك نسف صريح لكل المسوغات التي استند إليها المجتمع الدولي في دعم العملية السياسية في العراق؟ أليست هذه التصريحات مخالفة صريحة لنص وروح القوانين العراقية التي تحظر تمجيد حزب البعث وتجرّم رموزه وممارساته؟
*تمويل البعث: وقائع تتطلب تحقيقاً قضائياً*
ما كشفه الإعلامي الدكتور حميد عبد الله، في برنامجه المعروف “تلك الايام” نقلاً عن كتاب ما زال مسوده لسلوان المسلط تحت عنوان “اسرار وخفايا” اخر مرافق للرئيس صدام حسين، يتحدث عن شهادة سلوان المسلط – أحد المرافقين المقربين لصدام حسين – ليضيف بعداً جنائياً خطيراً إلى سلوك علاوي. فقد أشار المسلط إلى أن علاوي قدّم مبلغ 600 ألف دولار إلى عزة الدوري، نائب صدام وأحد المطلوبين للقضاء العراقي، مقابل إصدار بيان يحث فيه أنصار البعث على دعم علاوي في الانتخابات السابقة. هذه الشهادة، إن ثبتت، تمثل جريمة تمويل كيان محظور بموجب قانون اجتثاث البعث، وتمثل خرقاً صارخاً لقانون الأحزاب وقوانين تمويل الحملات الانتخابية، بل تمثل تواطؤاً مع رأس تنظيم إرهابي كان وما زال يمثل تهديداً لأمن العراق واستقراره.
*إعادة تدوير البعث*
منذ تسلمه رئاسة الحكومة عام 2004، بدأ علاوي مشروعاً واضح المعالم لإعادة تدوير البعثيين في مؤسسات الدولة، بحجة “المصالحة الوطنية”، متجاوزاً بذلك الخطوط الحمراء الأخلاقية والقانونية. وتشكل قائمته السياسية اليوم، التي تضم شخصيات من أبرزها صالح المطلك المعروف بانتمائه العلني لحزب البعث، استمراراً لهذا التوجه. وهو بذلك لا يكتفي بتبرئة البعث من جرائمه، بل يسعى لإعادة دمجه في الحياة السياسية كأمر واقع، وكأن المجازر التي ارتكبها الحزب في حلبجة والجنوب والأنفال ليست أكثر من أحداث عابرة لا تستحق التوقف عندها.
*علاوي شخصية فاقدة للتأثير*
اليوم، يعيش إياد علاوي حالة من العزلة السياسية والانكماش التنظيمي. فقد خسر جمهوره، وانفضّ عنه عدد كبير من قيادات “حركة الوفاء الوطنية”، نتيجة تمسكه بفرض ابنته “سارة” كقيادة مستقبلية للحزب، متجاوزاً بذلك أبسط مفاهيم العمل الديمقراطي والكفاءة السياسية. هذه النزعة العائلية لم تؤدِ فقط إلى تفكك الحركة، بل عكست تراجعاً حاداً في الرؤية والمشروع السياسي إن وجد، وتحول علاوي من زعيم مفترض إلى شخصية رمزية فاقدة للتأثير، مرهقة بتقدم العمر، ومرتبكة في خطابها إلى درجة اللا تركيز واللا وضوح.
*أين الدولة؟ أين القضاء؟*
إن تصريحات علاوي وممارساته لا يمكن التعامل معها كأخطاء فردية أو مواقف عابرة، بل تمثل سلوكاً ممنهجاً لإعادة الاعتبار لحزب محظور دستورياً. وهو ما يتطلب تحركاً عاجلاً من قبل:
• الهيئة القضائية العليا، لفتح تحقيق رسمي في قضية التمويل الانتخابي لعزة الدوري.
• هيئة المساءلة والعدالة، للنظر في تصريحات علاوي ومدى مخالفتها لقانون اجتثاث البعث.
• مجلس النواب العراقي، لاتخاذ موقف سياسي وقانوني يرفض هذا النكوص الخطير عن التزامات العدالة الانتقالية.
*لا مصالحة مع الجلاد*
إن دماء شهداء حلبجة، وأصوات الضحايا والمقابر الجماعية في الوسط والجنوب، وصور الأطفال الذين قضوا في حصار استمر 13 عاماً، ومليارات الدولارات التي بعثرها صدام المجرم في حروبه ومغامراته، لا يمكن أن تُغفر أو تُنسى أو تُبرر تحت أي عنوان سياسي. إن ما يفعله إياد علاوي اليوم هو محاولة تشويه للعدالة، وتحريف للذاكرة، وتسويق لرؤية لا أخلاقية تحت غطاء المصالحة الوطنية. وإذا لم يتم التصدي لهذا المسار، فإننا نكون قد وقعنا في فخ تاريخي يعيد إنتاج الجريمة، ويمنح الجلاد فرصة جديدة ليتحدث باسم الدولة.
العراق لا يحتاج إلى زعماء متهالكين يحنّون إلى دكتاتور، بل إلى رجال دولة يكتبون مستقبله بدماء الشهداء لا بتواقيع الصفقات المشبوهة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر