الطائفية الرقمية: أزمة أخلاق في ثوب إعجاب …. بقلم ✍️ : سعد احمد الكبيسي

منبر العراق الحر :

مع بداية موسم الانتخابات، بدأت أصوات النشاز تعود من جديد، مستخدمة الطائفية كورقة انتخابية رخيصة، لا تملك من الحجة إلا ما يحرّك الغرائز ويُثير النعرات. الأصوات ذاتها التي أتعبتنا لسنين بشعاراتها المستهلكة ومقالاتها البائسة، ها هي اليوم تعود بثوب جديد، لكن بعقلية أكثر تخلفًا.

وقفتُ قبل أيام على أحد المنشورات التي يُروّج لها أحد هؤلاء، وقد كان حديثه الطائفي سافرًا لا يخفى على أحد، ومع ذلك وجدت المنشور مثقلًا بعلامات الإعجاب؛ تجاوز عدد اللايكات الثلاثة آلاف. فتساءلت: ما الذي يعنيه هذا الرقم في مثل هذا السياق؟

ما يعنيه هذا، ببساطة، ليس مجرد ثلاثة آلاف تفاعل إلكتروني، بل ثلاثة آلاف أزمة أخلاقية، وثلاثة آلاف ضمير مستلب، وثلاثة آلاف شرف يصفّق للكراهية والانقسام. نحن لا نتحدث عن “رأي شخصي”، بل عن خطاب كراهية يُصفَّق له من جمهور قطيعيّ، يشبه الفئران التي تنجذب إلى فتات الجبن العفن في زاوية مظلمة، فهي تكره الضوء، لأنه يكشف عوراتها، ويُربك غفلتها.

هذه الظاهرة لا تقف عند حدود اللايكات، بل تكشف خللاً عميقًا في الثقافة والوعي والسلوك العام، حيث صار البعض يرى في التطرّف بطولة وفي صناعة الكراهية وإعادة إنتاج الخطاب الطائفي شرفًا، وفي تمزيق الوطن نوعًا من الانتصار المذهبي.

وهنا نطرح السؤال الكبير: ماذا استفدنا من كل هذا التحريض الطائفي طوال السنين الماضية؟ ماذا جلب لنا هذا الانقسام سوى الخراب؟ المحرّضون يعيشون في قصورهم، يتنعمون بالرفاهية، وأبناء الناس يسقطون في حفَر الفقر والحرمان. الجوع ينهش البطون، والدواء مفقود، والمستشفيات مكتظة بمن لا يجد ثمن العلاج. أما أدوات التحريض، فمشغولة بمهاجمة الآخر بدل أن تتساءل: لماذا جاع الناس؟ لماذا فشل الاقتصاد؟ لماذا ضاع المستقبل؟

متى يصحو العراقي من سباته؟ متى ينتبه إلى واقعه؟

كثير من الدول سبقتنا في المحنة، مرت بتجارب دامية من النزاع الطائفي أو العرقي، لكنها استفاقت، وتجاوزت جراح الماضي، وبحثت عن المشتركات لا عن الفوارق، عن أسس سليمة للتعايش لا عن وسائل للتناحر. خذ مثال رواندا، التي عانت من إبادة جماعية مروّعة بين مكونات شعبها، لكنها بعد ذلك تجاوزت الكارثة، وتحوّلت إلى قصة نجاح اقتصادي وإداري يُحتذى به.

وانظر إلى ماليزيا، التي تجاوزت صراعات عرقية وطائفية لبناء مشروع وطني نهضوي، فانطلقت نحو التعليم والإنتاج والصناعة، وصارت اليوم من الدول الرائدة في التنمية.

كل التجارب الناجحة تقول لنا: لا سبيل للنهضة بلا اقتصاد قوي. لا يمكن لأمة أن تقف على قدميها وهي تتسوّل الرواتب، وتعتمد على الاستيراد في كل شيء، وتعيش على الفتات السياسي المسموم.

الاقتصاد هو أساس الاستقلال الحقيقي، هو كرامة المواطن، هو المدرسة، والمستشفى، والوظيفة، والمستقبل.

فمن أراد لوطنه النهوض، فليُفكّر في الإنتاج، في الصناعة، في الزراعة، في سوق العمل، في الاستثمار، لا في عدد مقاعد الطائفة في البرلمان، ولا في نسبة المذهب في الوزارات.

الطائفية لا تزرع قمحًا، ولا تصنع دواء، ولا تبني جسرًا.

وحده العقل، وحده الوعي، وحده الاقتصاد الوطني القوي، هو ما يصنع وطنًا يستحق الحياة .

وسلامتكم

 

اترك رد