منبر العراق الحر :
أضحت الأرقام تعبر عن مآلات وغرائز وتاريخ الفرد العراقي، وما يحمل من بقايا فلسفة الغابة والبقاء المفروض بالقوة والتفوق على الآخر!
قصص العراقي في نهب وسرقة الأموال أصبحت تثير الدهشة والتفرد على النطاق العالمي، ففي الوقت الذي تنقل القصص تفاصيل الإطاحة بالرئيس الأمريكي؛ لأنه قبل تمويل انتخابي (رشوة) بكذا مليون دولار، أو تسقط حكومات في أوربا، ويحاكم رؤساء في آسيا، ويُعْدَمُون جراء تقاضيهم رشى أو استيلائهم على بضع مئات آلاف الدولارات من المال العام، تجد العراقي وهو بدرجة مدير عام أو نائب أو محافظ أو مستشار بالرئاسة أو رجل أعمال طفيلي يستحوذ على مئات ملايين الدولارات أو مليار دولار وأكثر، فتخيل حجم ما يسرقه من هو بوظيفة أكبر وأكثر قدرة بالحصول على أموال الدولة.
عندما تنطق بكلمة ألف، فإن الصورة الذي ينتجها الدماغ ليكتمل المعنى تتجسد بعدد كبير من الأرقام لا يستطيع النظر احتواءها، أما إذا سمعت كلمة مليون، فإن الإيحاء يأتي بعدد هائل لا يمكن السيطرة عليه، وفي حال قلت مليار، فإنك تبلغ مرحلة تفوق الوصف وتبلغ الأسطوري، وهكذا فعل العراقي بسرقاته، ينتهك الأرقام المتداولة في تعاملات العالم حتى يبلغ الأسطوري!
لماذا يسرق العراقي بهذا الاندفاع الغرائزي المطلق؟ هل يروي حكاية فاقة العمر الذي مضى، وحصارات زمن الفقر والجوع والتهميش، فاندفع يصنع أسطورته في اختيار أموال تحقق الدهشة والخارق أمام ذاته والآخرين؟
كيف سقطت عن العراقي في طوره الملياري، حدود الأخلاق والمعقول والخوف في ضوابط الذات الخفية، أو رغبة التملك دون مؤهلات أو مسببات عقلية أو علمية، أو تحصيلات جهد تراكمي في الاكتشاف الذي ينقل البشرية من حال إلى آخر، مثل إيلون ماسك صاحب منصة إكس X وسيارات تسلا الكهربائية وصواريخ سبيس الفضائية، أو بيل غيتس مخترع مايكروسوفت، حيث تبلغ ثروة الأول نحو أربعمئة مليار دولار والثاني تزيد على 150 ملياراً!
النكتة الكونية أن العراقي يحصل على الملايين والمليارات بالاحتيال أو استغلال الوظيفة والموقع الذي وصل إليه ليس عن كفاءة أو استحقاق، بل ضمن سياقات الأخطاء وفلسفة الفوضى التي تُبنى منطلقاتها على منهجيات الجريمة والسلاح وقوة الميليشيا والعشيرة والحزب، وكذلك في عمليات التهريب واقتصاد القرصنة التي تعتمده المكونات وامتداد نفوذها أو وصولها لخزائن المال.
العراقي المليوني والملياري، بنحو عام فقد قواعد الحلال والحرام في بانوراما الأحداث خلال عقدين من الزمن، وصار يعطي الصلاحية والتخويل لشهيته وغرائزه بالاستحواذ على أموال الدولة والآخرين، فالأولى بموجب قاعدة الفقه الذي يقول “مجهول المالك” والثانية وفق شطارة التزوير وفرض الزائف بدل القانوني والشرعي بالسلاح!
لا يمكن أن تُخضع العراقي لقواعد الحقوق والواجبات والحل والحرم، في وقت تذهب تشريعات حكومة الأحزاب والمحاصصة بإصدار قوانين تبيح الحصول والثراء على الأموال دون حق كما في قانون رواتب ومنافع رفحاء، وقانون السجناء السياسيين، وغيرها من قوانين أشاعت منهجيات التزييف والتزوير والأكاذيب، وحولتها لقواعد سلوكية ومنهجية عمل في دوائر الدولة بهدف الحصول على أموال غير مكتسبة لأي شرط من شروط الاستحقاق.
مليار دولار عنوان جاذب لأغلبية الطامحين لعضوية مجلس النواب، وزراء الدولة ورؤساء المؤسسات، والأسماء الفاعلة في الطبقة السياسية والمشتغلين في لجان وهيئات النزاهة أو عصابات المخدرات، أو تهريب النفط، أو المسيطرين على المنافذ الحدودية، وغيرها العديد من أبواب ومنافذ السرقة والنهب والتهريب المعروفة، والمفارقة أن أية حكومة جديدة تتولى الإدارة المالية تزيد فرص النهب بدلا عن غلق مساراتها.
مليار دولار صورة أخرى لغياب القيم الأخلاقية واهتزاز الأعراف الراقية في المجتمع العراقي الذي صار يسلخ تدريجيا مع وجود طبقة سياسية طفيلية حاكمة، ومثلها تتحكم بالواقع الاقتصادي والمالي، واقع جعل التناقضات تبدو هائلة أيضا ًبين فئات مليارية تشكل ما نسبته 10-15 بالمئة من العراقيين، يقابلها زهاء 85-90 بالمئة من يشغلون معدلات معيشة تراوح ما بين الاكتفاء أو الفقر والفاقة، وهذا الخرق أو الانقلاب القانوني والأصولي لتراتبية المجتمع العراقي أعدم الطبقة الوسطى وهي الأوسع في تركيبة المجتمع العراقي اقتصاديا، ومنها كانت تخرج غالبية الطاقات العلمية والفنية والأدبية والرياضية، وكذلك الأنشطة السياسية والثقافية التقدمية، ومن هنا يمكن أن نتصور فلسفة وثقافة النهب العراقي في زمن المليار!؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر