منبر العراق الحر :
في محاضرة لي بالمركز الثقافيِّ بدمشق، وقد قدمني وقتها الدكتور المرحوم الناقد حسين سرمك، وفي حديث عن القيمر أخبرتهم أن قرى الأهوار كانت من بعض ما يتبع للسلالات السومرية. ومتأكِّد تمامًا أن ملكًا سومريًّا يدعى «الملك الموسيقار» اسمه شولكي كان يحبُّ تأليف المقطوعات الموسيقية هكذا، وأشعر أن أهل القرية الَّتي ينزل فيها الملك وحاشيته لا يذبحون الذبائح ابتهاجًا بحضور الملك، بل يقدمون له صحون القيمر، وهو يقبل بذلك وبسعادة.
وأيام التعليم في الأهوار كان للمعلمين في الأهوار موسم صيفي جميل ننتظره بفارغ الصبر، ننتظره حيث تبدأ عطلة نهاية العام ولثلاثة أشهر، وكان أغلب المعلمين يحزم حقائبه إلى فارنا البلغارية أو بودابست، وبعضهم يحمله عشقه لصوفيا لورين ويزور روما لتنسيه المعكرونة الإيطاليَّة لذَّة صحون القيمر الَّتي كانت تجيء إلينا مجانًا كلَّ صباح وبالتناوب من بيوت القرية الَّتي تقع فيها مدرستنا.
وحين نعود إلى القيمر عندما تنتهي رحلة الصيف، لا نشتاق إلى السباكيتي ولا إلى وجه صوفيا لورين، فكما يقول أحد المعلمين: «الأصل كفيل بأن ينسيك أزمنة الابتعاد عنه. ومن يتعدَّ عن القيمر معدته تتمرمر (تتعذَّب)».
وحينما نردُّ: «ولكن لشهرين فقط كان البعد»؟
يردُّ: «شهران بدون القيمر عذاب».
وهكذا كان القيمر يمثِّل لنا طقسًا يوميًّا لغموس صباحيٍّ يمنحنا الطاقة لنكمل أربع ساعات دراسيَّةً من دون تعب، من القراءة الخلدونية حتى جغرافية الصفِّ السادس. هو ماراثون كلَّ يوم وأجمل مشاعر التعليم حين تبدأ تعلِّم تلامذة الصفِّ الرائع خطوات كتابة الإنشاء من خلال بساطة مشاعرهم تجاه بيئتهم وإحساسهم بها، لكنَّك مع تلاميذ الصفِّ السادس الابتدائيِّ ستتقدَّم خطوةً، وأوَّل عنوان لكتابة إنشاء تبدأه معهم هو «البقرة سوداء لكن حليبها أبيض»، فيقول التلاميذ: «نحن لم نشاهد بقرةً سوداء في قريتنا»، فأعيد صياغة العبارة وأقول: «الجاموسة سوداء لكن حليبها أبيض».
وعندما لا يتوفَّر القيمر لطارئ ما، نعوضه باللبن الخاثر مع الخبز الحارِّ، ومتى عدنا في إجازاتنا الأسبوعية إلى المدن نمتنع عن تناوله، فيعرف أهلنا أنَّنا قد شبعنا منه حدَّ التخمة.
واحد من المعلمين أتى منفيًّا من الحلَّة، ومعه أتت علَّة في الكبد لا يستطيع معها أن يتناول الطعام الدسم، فكنت أراقب نظراته إلى مواعين القيمر وهي مسكونة بشوق وأمنيَّة، ومتى طلبنا منه أن يتناول قليلًا يتذكَّر نصيحة الطبيب ويقول: «العمر ولا القيمر».
لكن من مفارقات هذا المعلِّم أنه وقع في حبِّ فتاة من أهل القرية اسمها قيمر، فكنا نضحك ونقول له: «لقد عوضك الله، بدل صحن القيمر بصحن من الأنوثة».
وفعلًا تقدَّم لها وتزوجها، ولم يذهب بها لتعيش في الحلَّة بل بنى له بيتًا من القصب إلى جانب بيت أهلها، وعاش مع قيمر دون الحاجة للالتزام بنصائح الطبيب.
دارت الدنيا وفارقتُ مدن القيمر، في هجرة لم أعد أرى فيها صباحات القرية في فجر جميل تُمزج في خضرة القصب مع اللون البرتقاليِّ للشمس لحظة الشروق، وعشت أمكنة ترحال عديدةً، وكلَّ سوبر ماركت أدخل إليه أفتش عن صحن القيمر القديم فلا أجده، وما أجده هو قيمر مبستر بطعم آخر وشكل آخر غير طعم قيمر قرى الأهوار، فهنا يسمونه القشطة، وهنا أيضًا قيمر تركي يسمونه كيمك لكنَّه لا يمتلك شهيَّة الضوء في تلك الصحون الَّتي نعرف أن جواميسها أتت ممتلئةً من ضروع القصب وحولت حليبها إلى قيمر، وكنا نصل إلى قناعات أن بسبب القيمر ولدت المعيديَّة «قيمر» ليذوب بها عشقنا صديقنا الحليُّ، وربَّما هناك عشرات النساء بطعم القيمر من سيلدن في نظرات المعلمين في قرًى أخرى.
يوم عدت من مهجري البعيد إلى المدينة، تواقًا لتناول القيمر الَّذي كانت تبيعه نسوة قادمات من قرى الأهوار في أوَّل شارعنا، فلم أجد أثرًا للمكان، ولم أجد أمي وأبي في الحياة لأسألهما عن سبب اختفاء النسوة بائعات القيمر. لكني عرفت أن الحياة تغيرت وبإمكان كلِّ واحد عن طريق اليوتيوب أن يتعلَّم كيف يصنِّع القيمر.
لكني أردت وبلهفة أن أتناول القيمر الَّذي كنا نتناوله في القرية الَّتي تقع فيها مدرستنا، ومع الشوق لاستعادة ذكريات المكان الَّذي عشت فيه معلمًا، فشددت الرحال إلى هناك وأنا أضحك مع نفسي وأقول: «رحلة ابن بطوطة هذه المرَّة هي من أجل القيمر، لأنَّني حتمًا سوف لن أجد الوجوه الَّتي فارقتها ولم أزل أحفظ أسماء الكثير منها».
وصلت في الظهيرة إلى القرية وترافقني ذكريات وجه الممثلة الإيطالية وحقائب المعلمين في سفرات عطلة الصيف إلى مدن أوروبا، وكان عليَّ أن أجد مبيتًا لأستعيد لذَّة تناول القيمر في الصباح. لم يعرفني الناس هناك، حتى التلاميذ الذين كبروا نسوا شكلي، ومن أسعفني واستجارني هو زميلي المعلِّم الحليُّ الَّذي اقترن بقيمر وعاش في القرية، وقد أحيل على التقاعد من زمان وهو في كلِّ صباح يقود قطيع جواميسه إلى أمكنة القيلولة والقصب.
فرح بي واستعدنا سويَّةً ذكريات القيمر والفجر الَّذي يكتسيه المطر برذاذ يشبه حروف رسالة الحبِّ، لكني انتبهت أن زوجته قيمر غير موجودة، وحين سألت عنها طفرت دمعتان من عينيه، وأخبرني أنها توفيت قبل أعوام بعيدة وتركته مع صحون القيمر وليس مع صحون خدِّها.
وحين أنهيت المواساة وسألته عن عدم الزواج مرَّةً أخرى قال: «لا يبدِّل القيمر إلا بقيمر، وبحثت طويلًا فلم أجد امرأةً من أهل الأهوار بسحرها».
منبر العراق الحر منبر العراق الحر