أبا حامد الغزالي وقضية التكفير….زهير القريني

منبر العراق الحر :

من غير الصائب اختزال أبي حامد الغزالي في كونه محطّمًا للفلسفة أو قاتلها، أو من جهة أخرى اعتباره آخر من دقّ مسمارًا في نعش الفلسفة الإسلامية والعربية، بل على العكس من ذلك تمامًا، فهو مفكر نقدي يرى أن الفلسفة ضرورية، وكذلك المنطق وبعض العلوم الأخرى التي يقول بنفسه إنه استفاد منها، إلا أنه يرفض الفلسفة حين تحاول تحويل الميتافيزيقا إلى علم يقيني برهاني. كتابه المعنون بـ”تهافت الفلاسفة” يمكن اعتباره أول ممارسة تفكيكية داخل الحضارة الإسلامية، قبل ظهور رائد التفكيك الفرنسي جاك دريدا بقرون، بل أكثر من ذلك، فإن أبا حامد الغزالي لم يواجه القلعة الفلسفية من الخارج، بل استعمل منطقها الداخلي لبيان تهافتاتها وتناقضاتها، فهو يُجبر الفيلسوف على الاعتراف بأن قضاياه الكبرى، كمسألة قدم العالم، وعلم الله، وأحوال يوم المعاد، والحشر الجسماني، ليست قضايا برهانية بقدر ما هي ميتافيزيقية، ولا تصل إلى درجة اليقين التي تزعم الوصول إليها. وللتوضيح أكثر، خصوصًا في قضية التكفير، فإنه في مقدمة كتابه يقول إنه لا يُكفّر جميع الفلاسفة، فالتكفير يكون فقط في اعتناق هذه القضايا الثلاث، بل أكثر من ذلك، نجده يُقدّم تعريفًا للتكفير، فيقول: “التكفير هو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به، ومن يفعل ذلك فهو كافر وتُستباح دماؤه في الدنيا”. لذلك، سنحاول في هذا المقال القصير تقديم القضايا الثلاث التي كفّر فيها الغزالي الفلاسفة المشائين، أي أتباع أرسطو، خصوصًا فيلسوفين اثنين هما الفارابي وابن سينا، وسنحاول عرض أدلة كل طرف التي قدّموها دفاعًا عن طرحهم، لنجيب ضمنيًا عن السؤال الإشكالي الكبير: هل كان تكفير الغزالي للفلاسفة مبنيًا على حجج قوية، أم كما يُقال، من باب التكفير دون أدلة؟

خصّص أبا حامد الغزالي فصلًا كاملًا من كتابه تهافت الفلاسفة لتكفير الفلاسفة في هذه المسائل، أما في غير هذه القضايا الثلاث، فيعتبرهم إما مخطئين أو مبتدعين فقط. لذلك، خصّ التكفير بهذه القضايا الثلاث المذكورة سلفًا لأنها تخالف الدين والشرع مخالفة صريحة. لا بد من الإشارة إلى قضية مهمة، وهي أن الغزالي لا يرفض الفلسفة كمنهج تحليلي، بل يعادي ويرفض الميتافيزيقا الفلسفية التي تدّعي الإحاطة بما لا يمكن للعقل أن يقول فيه قولًا سديدًا. من الواضح أن الغزالي لا يضع نفسه خارج الفلسفة كما يدّعي البعض، بل يضع نفسه في صميمها، لكنه يتّخذ موقفًا سلبيًا ونقديًا تجاه المذاهب الفلسفية المتهافتة. وكتابه هذا، أي تهافت الفلاسفة، ليس تهافتًا للعقل، بل تهافت للعقل المتعالي على الشرع، ذلك العقل الذي يدّعي الكفاية المعرفية والذاتية في مجال الميتافيزيقا. فالغزالي يمارس نقدًا للميتافيزيقا من الداخل، ولا يهاجم الفلاسفة بعصا النقل، بل من داخل العقل، لبيان التناقض وتهافت مذاهبهم. الكتاب يتألّف من مقدمة رصينة وعشرين مسألة دقيقة، يردّ فيها الغزالي على الفلاسفة، خصوصًا الفارابي وابن سينا
ان القضايا الثلاث التي كفّر فيها الغزالي الفلاسفة هي قولهم بقدم العالم، وقولهم بأنه سبحانه وتعالى لا يعلم الجزئيات، وإنكارهم للبعث الجسماني. بدايةً بالأولى، الغزالي ينخرط في جدال أنطولوجي، فالفلاسفة يقولون إن العالم قديم، أي أنه لم يُخلق في الزمان بل وجد أزلياً مع الله، إلا أن الغزالي يفكك هذا الادعاء ليبيّن أنه نابع من تصور مغلوط للعلاقة بين العلة والمعلول. فهم يتصورون أن العلية تقتضي المعية الزمنية، في حين أن الغزالي يفكك المفهوم نفسه ويقول: إيجاد الشيء لا يعقل بضرورة في لحظة واحدة من الأزل، بل يكون مرتبطاً بالإرادة الإلهية. هنا يدخل الغزالي في الميتافيزيقا الإلهية ، حيث يقدم نموذجاً جديداً للعلة، علة غير مقيدة بقيود العقل الأرسطي. وهنا نتساءل: ما علاقة نفي السببية أو العلية بمسألة قدم العالم؟ المراد توضيحه أن الفلاسفة مثل أرسطو وابن سينا يقولون إن العالم قديم، أي أنه لم يُخلق في الزمان بل وجد أزلياً مع الله، لأنه نتيجة ضرورية عن وجوده
يعني أن الله لم يخلق العالم بإرادة حرة في وقت ما، بل العالم صدر عنه بالضرورة كما يصدر النور عن الشمس، أي ما إن وجد الله حتى وجد العالم معه. ودليل آخر وهو أن الاحداث دليل على التغير في الذات الإلهية، وهذا لا يحق لنا قوله في حق الله. أم هل كان الله فاقداً للمادة ثم وجدها؟ أم كان فاقداً للآلة؟ وفي هذا المقام يقولون: وتحقيقه أن يقال: لماذا لم يحدث العالم قبل حدوثه؟ لا يمكن أن يُحال ذلك على عجزه عن الإحداث ولا على استحالة الحدوث، فإن ذلك يؤدي إلى أن ينقلب القديم من العجز إلى القدرة، والعالم من الاستحالة إلى الإمكان، وكلاهما محالان. ولا يمكن أن يُقال: لم يكن قبله غرض ثم تجدد غرض، ولا يمكن أن يُحال على فقد آلة ثم وجدانها، بل أقرب ما يمكن تخيله أن يقال: لم يرد وجوده قبل ذلك. فيلزم أن يقال: حصل وجوده لأنه صار مريداً لوجوده بعد أن لم يكن مريداً، فيكون قد حدثت الإرادة. فلماذا حدث الآن ولم يحدث من قبل؟ ليس من العدم آلة أو قدرة أو غرض أو طبيعة، فلما الآن تبدل ذلك بالوجود وحدث. عاد الإشكال ذاته: إما لعدم الإرادة فتفتقر الإرادة إلى إرادة، وكذا الإرادة الأولى، ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية
بهذه الأدلة المنطقية يحاولون إثبات أن العالم قديم، لكن أبا حامد الغزالي يرد عليهم بالمنطق نفسه حيث يقول: بماذا تنكرون على من يقول إن العالم حدث بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها، وأن يبتدئ الوجود من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبله لم يكن مرادفاً فلم يحدث لذلك؟ هكذا يتجاوز الغزالي السببية والمبادئ المنطقية حيث يرجع إيجاد العالم إلى الإرادة الإلهية لا السببية، حيث يقول: الاقتران بين ما يعتقد سبباً وما يعتقد مسبّباً ليس ضرورياً عندنا أي الأشاعرة، بل أكثر شيئين ليس هذا ذاك، وليس ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمناً في إثبات الآخر. ثم نجد دفاعاً آخر ليس للغزالي وإنما لأبي الهذيل العلاف أحد أقطاب المعتزلة، لكنه غير معروف، حيث جاء بنظرية الجزء الذي لا يتجزأ، ومنه فذاك الجزء الذي لا يتجزأ فهو من خلق الله، وبه فالعالم محدث بالضرورة. هكذا تصدى الغزالي لأدلة المشائين في القضية الأولى، وهي التي خصصنا لها الحيز الأكبر في موضوعنا هذا، وسنكتفي بالإشارة إلى القضيتين المتبقيتين لا غير من دون الإطالة، والقضية الثانية هي قولهم إن الله تعالى لا يعلم
الجزئيات فعلمه فقط بالكليات، لكن هذه القضية يبدو كما قال ابن رشد أن الغزالي أساء الفهم في هذا القول، لأن حسب ابن رشد المشائين لم يقولوا هكذا، بل يقولون إن الله يعلم الجزئيات لكن بعلم غير مجانس لعلمنا الآن، علم الله منزه وغير خاضع للزمان ولا للمكان، لذلك لا يجب نعته لا بكونه جزئياً ولا بوصفه كلياً. أما القضية الثالثة وهي قولهم وإنكارهم البعث الجسماني، فهم يعتقدون أن إرجاع البدن بعد تحلله محال. أما الغزالي بخلفيته الصوفية متيقن بيوم البعث الجسماني. كان هدفنا في هذا المقال هو بيان لماذا كفر الغزالي الفلاسفة، وتوسعنا في القضية الأولى، ويبدو في الأخير أن الغزالي لم يقتل الفلسفة بل أشعل فتيلها من جديد، خصوصاً عندما جعله ابن رشد يرد عليه في كتاب بأكمله سماه “التهافت التهافت”، ويقول إن كتاب “التهافت” لأبو حامد الغزالي ليست تهافت الفلاسفة وإنما تهافت أبو حامد الغزالي. ومن هنا شهدت الحضارة العربية أكبر مناظرة فلسفية من جهة وفقهية من جهة ثانية
المرجعان هما تهافت الفلاسفة وفصل المقال

اترك رد