منبر العراق الحر :* قراءة نقدية تحليلية برؤية فلسفية –
شهدت كنيسة تاريخية في قلب لندن، تعجّ بالطقوس الدينية المسيحية والهدوء والتأمل الروحاني ، تجربة فنية وروحية استثنائية لا تشبه ما سبقها في عالم الفن ؛ حيث أقام الفنان العراقي الدكتور علاء بشير معرضه التشكيلي الجديد لعام 2025، تحت عنوان “المخلّص” (The Savior).
هذا المعرض، الذي احتضنته قاعات الكنيسة بدلًا من صالة عرض تقليدية شكّل تجربة تفاعلية متعددة الرؤى البنيوية في تشكيل خطاب الفن التشكيلي المعاصر، حيث جمعت اللوحات بين جماليات الفن السريالي، والبعدين الروحي والفلسفي في آنٍ واحد.
اختيار الفنان علاء بشير عرض لوحاته الفنية في قاعة كنيسة بدلاً من صالة عرض فنية تقليدية، كان قرارًا يحمل دلالات رمزية وروحية عميقة، منح المعرض طابعًا مميزًا من حيث تعزيز البُعد الروحي والثقافي. لقد امتزج الفن بتاريخ المسيح، والفلسفة الدينية، والرموز المرتبطة بالإيمان، حيث يتلقى الإنسان مشهد الحقيقة التي ينشدها من خلال تجاربه الوجودية.
” فكرة المعرض: المخلص دعوة للسلام الدائم ”
يقدّم الفنان علاء بشير الأفكار المطروحة في معرض “المخلّص” ليس بوصفها تجسيدًا لشخصية دينية مكرسة فنيًا في لوحاته التشكيلية، بل كأفكارٍ تحمل توعيةً عميقة تخترق وجدان البشرية، وخطابًا فلسفيًا يدعو إلى مراجعة الذات الغافلة وغير الواعية.
فـ”المخلّص” هنا، قبل أن يُنتظر ويأتي في هيئة رجل — كما تزعم بعض الطوائف المسيحية أنه يسوع المسيح منقذ العالم، وكما تؤمن بذلك معظم ثقافات العالم منذ القدم — ينبغي أن ينبثق أولًا من داخل الإنسان، من خلال تحرير الذات من أمراضها النفسية والروحية.
فالمخلّص يُستدعى من أعماق الكيان الإنساني، من قواه الكامنة في التسامح والصفح، وفي العفو والمغفرة، باعتبارها سُبلًا لإصلاح الذات والوصول إلى السلام الداخلي، والراحة والطمأنينة.
وقد اختار الفنان علاء بشير الكنيسة مكانًا لعرض اللوحات عن قصد، ليكون السياق المعماري والروحاني جزءاً جوهريًا مهماً من التجربة الكلية.
فتشكلت بذلك لحظة لقاء بين الفن المقدس والروح المتلقّية مما يمنح الزائر شعوراً بأنه يسير في طريق الخلاص وإصلاح الذات من الداخل، لا من الخارج، من خلال التوبة وطلب المغفرة من الله قبل وفاة الإنسان.

” التجربة التشكيلية: سرد بصري رمزي و تجريدي”
تتجسد التجربة التشكيلية لدى الفنان علاء بشير في لوحاته التشكيلية بكامل عمقها السريالي الرمزي والتجريدي
من خلال استخدامه الألوان الزيتية المحايدة على القماش إلى جانب آخر قلم الحبر الأسود واللون الأبيض، في تشكيلات سردية ذات طابع فلسفي ديني.
يستخدم الفنان تدرّجات الأزرق والبنفسجي والأخضر، وتشكّل اللمسات الحمراء والصفراء جوهراً عميقاً في مركز لوحة من سلسلة “Christ – The Saviour”، في سعيه نحو تكثيف الهالة النورانية للمخلص نرى جسداً ممدوداً يشبه الشعلة تتوسطه عين مفتوحة البصيرة تلتف حوله أذرع موشّحة بالنور الأبيض والذهبي يصعد في دوامات لونية متموجة مائلة نحو السماء.
صاغ الفنان علاء بشير هذه التجربة الفنية برمزية الشخوص التي تنسجم في بُعدين : البُعد الظاهر أمام عين المتلقي، والبُعد الباطن الممتد إلى ما وراء المشهد الحي بأسلوب دراماتيكي يتكون من خطوط وانحناءات هندسية.
تتّخذ رؤية الفنان شكل نصٍّ بصري نابض بالتجليات والتصورات الوجودية، يُعبّر عن طاقة داخلية مشدودة نحو كشف الحقيقة الكامنة في شخصية السيد المسيح وعلاقته بتلاميذه الاثني عشر. ومن خلال هذه الرؤية، يُجسّد الفنان قيماً وجودية، دينية، أخلاقية، وروحية، تتجلّى في تكوينات رمزية ونماذج غامضة داخل لوحاتٍ تفيض بالإيحاءات. وتُثير هذه الأعمال جدلًا وتساؤلات حول الحالات الوجودية والنفسية التي يمرّ بها الإنسان، والتي قد تدفعه إلى يقظة الضمير، واستعادة البراءة المفقودة، والسعي نحو الخلاص، أو قد تجرّه إلى الانحدار النفسي والدمار الداخلي، المؤدي إلى الانحراف، الكذب، والخيانة.
تدور الإجابة المحورية حول أن النجاة تكمن في الصدق والإخلاص، بينما يكون الهلاك نصيب من يتعايش مع الكذب والخيانة.
تجسد اللوحات قضية السيد المسيح مع تلاميذه الاثني عشر مثل “شهادة الصليب” و”العشاء الأخير”، حيث تُظهر صراع الإنسان بين شهواته المنحدرة نحو قصاع الأرض، وابتعاده عن مناسك أهل السماء وعدم التزامه بتعاليم دستور الإله. تستعرض هذه اللوحات رموزًا وإيحاءات للخيانة العظمى بحق الرب، وارتكاب الخطيئة، وما يتبعها من ندم مستمر يقود إلى تدمير الذات، بين صرخات الألم والتوق إلى الشفاء من خلال طلب العفو ومغفرة الرب.

وقد ظهرت الخيانة في سلوك بعض تلاميذ السيد المسيح وتردّدهم بين الإيمان والكفر من أجل مصالح دنيوية تتعارض مع تعاليم رسالة السيد المسيح.
لكن الفنان علاء بشير لا يكتفي بالرسم الرمزي والتجريدي، ولا باستخدام الشكل واللون كأدوات للفن البصري فحسب، بل يوظف جميع حواسه، بما في ذلك الحاسة السادسة، بوعي يتجاوز العالم المادي إلى عالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). وهو يمتلك حبكة إبداعية فريدة في الرسم التصويري الخيالي المرتبط بحقائق واقعية صحيحة.
يجسّد تقنيات تجريبية حديثة، يمزجها بخبرته الطبية التشريحية الدقيقة، لكونه طبيبًا جراحًا تجميليًا. وهكذا يمنح أعماله التشكيلية بُعدًا روحيًا استثنائيًا يرتقي إلى مستوى البعد الروحي السابع، بما لا يُشبهه فيه أحد من الفنانين المعاصرين في مرحلته الزمنية والفنية التي تمتد لأكثر من نصف قرن من العطاء الفني والإبداع المستمر.
” ابتكار الرموز التجريدية بين الضوء والظل في جدلية اللونين الأبيض والأسود”
نشاهد في تجربة الفنان العالمي علاء بشير خطاباً فنياً تشكيلياً بصريًا يتجاوز المألوف، إذ يخترق طبقات الرمز والمعنى الجوهري العميق، في سعيه لرسم الحقائق المخفية خلف الظاهر المرئي. وقد خُطّ هذا الخطاب بقلم الحبر الأسود الممزوج باللون
Donia
التي حملها الأنبياء والرسل، والتي بُلّغت بوحيٍ من الله سبحانه وتعالى. ويؤكّد أن طاقة الحبّ هي الطاقة العظمى في هذا الكون، فهي التي تجدّد طاقة الحياة، وأن المغفرة والتسامح هما السبيل إلى تحقيق السلام العام و الدائم.

الاستنتاج الأخير:
تكمن قوّة الفنان في خبرته الفنية وقدرته على دمج فنون متعددة، من الطب والتشكيل إلى الموسيقى والطقوس المقدّسة، في خطاب فني تشكيلي استثنائي موحّد.
لا تقتصر رمزيته على التصوير البصري فحسب، بل يستخدم الرمز كجسرٍ للتأمل يمتد إلى ما وراء التخطيط المرئي، إلى عالم الخيال في لوحات سريالية تنطوي على عمق فكري فلسفي وروحي متصل.
من خلال اختياره للمكان والزمان بعناية، وعرض أعماله في الكنيسة غيّر الفنان الأسلوب التقليدي في تقديم اللوحات التشكيلية، مُقدّماً تجربة مغايرة من ناحية الأبعاد الروحية والإنسانية، تتجاوز الإطار المعتاد للمعارض الفنية.
معرض “المخلّص” ليس مجرّد عرض للوحات تشكيلية، بل هو دعوة للبحث عن النور في أعماق ذواتنا، ومحاكاة الضمير الشاهد فيها.
نجح الدكتور علاء بشير الطبيب والفنان الملهم، في تحريك المشاعر وطرح الأسئلة الفلسفية معًا، وصاغ تجربة فنية تسير بخطى واثقة في فضاء الفن الروحاني، بثقافة روحية ناضجة.
يرى الفنان علاء بشير أن الفن يشبه طب الجراحة؛ إذ يخترق أعماق النفس والروح و يعمل على شفائها، تمامًا كما يفعل الطبيب في جسد الإنسان.
معرض “المخلّص” ليس مجرّد عرض للوحات تشكيلية ، بل هو دعوة للبحث عن النور في أعماق ذواتنا ومحاكاة الضمير الشاهد في اعماقنا.
نجح د. علاء بشير، الطبيب والفنان الملهم، في تحريك المشاعر وطرح الأسئلة الفلسفية معًا، وصاغ تجربة فنية تسير بخطى واثقة في فضاء الفن الروحاني، بثقافة روحية ناضجة.
يرى الفنان علاء بشير أن الفن يشبه طب الجراحة؛ إذ يخترق أعماق النفس ويعمل على شفائها، تمامًا كما يفعل الطبيب في جسد الإنسان.
وفي النهاية، نحن أمام لوحات لا تُشاهَد فقط، بل تُعاش وتُحسّ، وتطرح السؤال الأعمق:
هل نستطيع أن نكون نحن “المخلّصين” لهذا العالم؟

” محتوى المعرض”
المعرض ضمّ خمس لوحات زيتية كبيرة الحجم، إضافة إلى 25 تخطيطًا بأحجام مختلفة، تصورياً خيالياً، تُعالج مفاهيم مثل: الصليب، المُخلّص والعشاء الأخير.
المكان والتواريخ
التاريخ: افتُتح المعرض في 16 مايو 2025 واستمر لعدّة أيام.
المكان: قاعة Our Lady of Lourdes (كنيسة في Thames Ditton، Surrey، جنوب لندن)، وتحديدًا في Gillespie Hall، على Hampton Court Way، Surrey KT7.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر