منبر العراق الحر :
لم تكن نائمة، بل كانت تحلم.
تحلم بفستان أرجوانيّ اللون، يُرفرف في ساحة المدرسة…
تحلم بصديقتها وهي تضحك تحت شجرة الجميز…
تحلم بأن تكبر، بأن تكتب، بأن تصير شيئًا له معنى في هذا العالم.
لكنهم لم يمهلوها.
في ليلةٍ بلا قمر، وعلى سرير طفولتها، تسلّلوا إلى غرفتها كما تتسلّل الذئاب إلى حظيرة الضعف…
ذبحوها بهدوء، كما تُذبح الخراف.
غسلوا أيديهم بالدم، وغطّوا وجهها الصغير بقطعة قماش…
وقالوا إنها ماتت دفاعًا عن شرفهم.
كان اسمها أريج،
وكان عمرها خمسة عشر ربيعًا،
وكانت، ببساطة، تحب الحياة.
في صبيحة الجريمة، كانت أمّها تصرخ على عتبة البيت:
– قتلوك يا أريج، وقتلوني معك…
لكنّي لن أصمت، لن أضعف، لن أغفر.
ضمّتها صديقتها القديمة، قالت لها:
– دم أريج لن يضيع، أقسم لك.
هذه البلاد، وإن تواطأت، لا تنسى الوجوه المذبوحة.
جلس الأب في زاوية البيت، مكسور الظهر، لا يقوى على الكلام.
كان يتمتم بين فواصل البكاء:
– لم تُقتل ابنتي من أجل الشرف…
بل قتلها الجهل، والتسلّط، وقتلها أنصاف الرجال الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على السماء.
قتلها من ظنّ أن الرجولة تُقاس بسلطة السكين.
في اليوم التالي، عمّت الإشاعات البلاد كما تعمّ العاصفة حقول القمح:
قالوا إنها كانت ترقص في شرم الشيخ…
قالوا إنها خُلعت الحجاب…
قالوا إنها وضعت حلقة في سرتها، وإنها تُحب شابًا روسيًا، وإنها تفضّل اليهود على العرب…
لكن أريج، ببساطة، لم تكن تملك جواز سفر.
ولم يكن في صدرها غير وجع المراهقة، وأسئلتها الصغيرة.
بعد يومين، ظهرت نتيجة التشريح الطبيّ:
أريج كانت عذراء.
جسدها نقيّ.
لا حلق على سرتها، لا وشم، لا عار…
لكن من قال إن الطهارة تُقاس بالجسد؟
من يعيد لأريج حياتها، الآن وقد قُتلت مرتين:
مرّة بالسكين،
ومرّة بالافتراء.
وقفت أمها، للمرة الأولى، في وجه عائلتها.
اتهمت شقيقها – خال أريج – بالتحريض.
شهدت ضد أهلها.
صرخت:
– الشرطة كانت تعلم… وتخاذلت.
– الشرف الحقيقي أن نحمي بناتنا، لا أن ندفنهنّ بأيدينا.
سارت إلى الجمعيات النسويّة.
طرقت الأبواب.
رفعت صورة ابنتها في المظاهرات.
تحدّثت عن صوتها، عن دفاترها، عن حلمها بأن تصير معلّمة يومًا ما.
انفتح التحقيق من جديد، وبدأت الحقيقة تتقشّر كجلدٍ متعفّن:
الجناة اعترفوا، وصرّحوا بندمهم:
– صدّقنا الإشاعات،
– اغتالنا الخوف من العار،
– خُدعنا بكلام النساء اللواتي يبرّرن القتل باسم الله.
لكن الأكثر فظاعة…
أن امرأةً من بين من حرّضن على قتل أريج، وقفت بوجه مكشوف، وقالت:
– أريج بريئة، نعم…
لكن من سبقنها كنّ يستحقن الموت.
فالمرأة ناقصة عقل ودين، ومكانها في البيت.
أيّ بيتٍ هذا؟
وأيّ دينٍ ذاك؟
الذي يسمح أن تُسفك دماء الورد،
أن يُذبح القمر،
أن يُذبح الحلم…
ويُقال بعدها “الحمد لله الذي طهّر العائلة من العار”.
ماتت أريج، لكن القصيدة لم تمت.
ماتت أريج، لكنها صارت سؤالًا معلّقًا في السماء:
– إلى متى سنذبح بناتنا… ونقول: باسم الله؟
**
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر