منبر العراق الحر :
حين تمشي يدُ الله في الحقل
اشتقتُ لرائحة الحقلِ
بعد المطر الأوّل،
حين تبتهلُ الأرضُ للسماء،
وتنبض البذورُ في مهبّ الريح
كأسرارٍ صغيرةٍ
تتلو صلواتٍ على طين الحياة.
تلتصقُ بذورُ الحنين بقشرة الأرض
كأنها تسجد،
كأنها تهمس:
“خذني إليك،
وامنحني ظلّك كي أنبت.”
يدُ الله تمشي فوق غيمٍ عابر،
تجلو الغبار عن وجه الروح،
ترسمُ المطرَ على مآقينا،
وتطرد الأرواح الخبيثة
من زوايا القلب،
كأنها تقول:
“طَهُرَ المكانُ… فادخلوه بسلام.”
انظروا إلى يدِ الله،
تلون الموج بياقوت الأسرار،
وترسله للشاطئ
كأنها تبعث به رسائل حب،
أو تعاويذَ نجاة
لقلوبٍ أضناها التيه.
كافة الناس الذين أحبهم
كأنهم أنبياءُ بلا معجزات،
يمشون على الأرض
وقلوبهم معلقةٌ في السماء.
كبارٌ في العمر،
أو أكبرُ من سنهم
لأنهم حملوا الحياة على أكتافهم
مثل صليبٍ من نور.
وأنا أخاف…
أن يأتي يومٌ ويغيبوا،
أن أفقد أصواتهم
كأنها طيورٌ مهاجرة
نسيت طريق العودة.
لكنني أؤمن:
الذين نحبهم لا يغيبون،
هم فقط يتحولون إلى نسيم،
إلى ضوء،
إلى نغمةٍ في صلاةِ المساء.
أنا لست جسدًا،
بل أثرُ نَفَسٍ
خرج من قلب الله،
ليتذكّر الطريق إليه.
أنا لست وحدي،
الملائكة تمشي في خطاي،
كلما اقتربت من نهر الحنين
الممتدّ من عينيّ إلى غيمِ السماء.
الحبُّ ليس عاطفةً عابرة،
بل عبورٌ بطيءٌ بين جرحين:
جرح البداية،
ووجعُ الفقد الذي لا يشفى.
لكن في يدِ الله
تذوبُ الجراح،
وتشرق الروح…
كأنها وُلدت لتُحِب،
ثم تعود إلى أصلها:
نورًا لا يفنى.
=============================
عندما يمرض النور – رانية مرجية
يستيقظُ في الصباح،
كمن بُعثَ من ليلٍ لا ينقضي،
يفتحُ عينيهِ…
ولا يرى سوى ضوءٍ غريبٍ،
يمشي على أطرافِ الوجع.
يُحدّق في الفراغ،
كأنّ جدرانَ الغرفةِ صارت مرايا للروح،
تُعيد له ملامحه المطموسة،
بين شهيقٍ ثقيلٍ
وزفيرٍ لا يبلغ السماء.
هل يبكي قدَرَه؟
أم يشكرُ ذاك النَفَس الذي ما زال يزوره؟
هل يلعنُ جسدًا خانه،
أم يغفر له لأنّه أعيته الحروب؟
لا يشتهي شيئًا من الصباح،
ولا ينتظرُ مساءً فيه دفءُ اللقاء،
هو فقط يُراود الليلَ
كي يخطفه سريعًا،
وينام…
ليس راحة، بل غيابًا.
في الليل،
تُزهِرُ في داخله صلواتٌ بلا صوت،
ويُضيء القلبُ
كمسبحةٍ تنفرطُ منها الأسرار.
يحدّث الله كصديقٍ قديم،
كمن ضلّ الطريقَ إليه طويلاً،
ثم عاد…
عائدًا بحفنةِ ألم،
وبقلبٍ صار أكثر حكمةً وحنينًا.
كلّ وجعٍ فيه يهمس:
“أنت لستَ جسدًا…
أنت الروحُ إذا شفّتْ،
صارت مرآةً للنور”.
كلُّ ما فيهِ يتهادى
بين صبرِ أيّوب
وتجلياتِ الحلاج،
بين حاجته لدواء،
وظمئه إلى معنى،
لا يُسكّن إلا بالتسليم.
هو الآن
أكثر قربًا من السماء،
يكتبُ رسائله على وسادةٍ بيضاء،
ويضعها تحت رأسه،
علّ ملاكًا يمرُّ ويقرأها…
وفي كلِّ تنهيدة،
يولدُ سؤالٌ صوفي:
“ما معنى الحياة،
إن لم تكن ابتلاءً يُعانقُ فيه القلبُ الله،
ولو من سريرٍ مغمورٍ بالدمع؟”
هو إنسانٌ مريض،
لكنّه، حين أغمض عينيه هذا الصباح،
كان أشدّ حياةً منّا جميعًا،
لأنّه تعلّم
أن المرض ليس موتًا،
بل دعوةٌ
للعبورِ إلى المعنى.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر