ارتطام جيوسياسي يضرب صفائح التحالفات الاستراتيجية لإسرائيل ويعيد رسم موازين القوى …حسام البدري

منبر العراق الحر :

من أرضٍ صلبة إلى صفائح متصدعة

لعقودٍ طويلة، بدت تحالفات إسرائيل مع القوى الكبرى أشبه بصفائح جيولوجية صلبة؛ قواعد ثابتة تقف عليها، وتستمد منها شرعيتها الدولية وقوتها السياسية.

لكن ما يجري اليوم، عقب سياسات التجويع والضغط الممنهج في غزة، يشبه ارتطامًا مزلزلًا لهذه الصفائح: موجة دبلوماسية عاتية كسرت ثقة العالم الغربي بنفسه، قبل أن تكسر غطاءه السياسي لإسرائيل.

فهل ما نشهده هو بداية انهيار البنية التي شكّلت الحصن السياسي لإسرائيل؟

موجة دبلوماسية تُغيّر قواعد اللعبة

لم يكن المشهد الدبلوماسي العالمي في الأسابيع الأخيرة مجرّد بيانات شجب. ما يجري هو تحوّل في مزاج النظام الدولي:

فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا، التي مثّلت ركائز الدعم، صارت ترفع الصوت بانتقادات علنية.

قاعات البرلمانات الأوروبية التي كانت حصونًا آمنة، صارت الآن منصات استجواب.

وفي الجامعات والشوارع الغربية، تحوّل الرأي العام من التعاطف إلى مساءلة السياسة الإسرائيلية.

هذه الموجة ليست عاطفية، بل جيوسياسية؛ إنها موجة تعيد تعريف العلاقة بين إسرائيل وحلفائها، وتدفع باتجاه مراجعة ميزان القوة نفسه.

فهل تتحول هذه الموجة من نقد علني إلى إعادة بناء كاملة لقواعد اللعبة؟

 

الصفائح تتحرك: بداية إنهيار التحالفات

كما يحدث في الجيولوجيا حين تتحرك الصفائح التكتونية تحت ضغط الزلازل، بدأ المشهد السياسي الغربي يتحرك:

صفائح الدعم التاريخي لم تعد ثابتة؛ هناك انزياحات في مواقف القوى الكبرى.

الغطاء السياسي في الأمم المتحدة لم يعد مضمونًا كما كان.

حتى داخل الولايات المتحدة، الموقف الشعبي والإعلامي بدأ يضغط باتجاه مراجعة غير مسبوقة.

إنه انكسار صامت: الدعم لم يختفِ بعد، لكنه لم يعد صلبًا كما كان.

إلى أي مدى يمكن لهذا الانكسار الصامت أن يتحول إلى صدع مفتوح في التحالفات التقليدية؟

 

غزة: نقطة الارتطام الكاشف
السبب الجوهري لهذه التحولات ليس عسكريًا بقدر ما هو أخلاقي-إنساني:

سياسات التجويع، وحرمان المدنيين من الماء والغذاء، وصور المأساة اليومية، تحولت إلى وقود موجة عالمية.

لقد وجدت القوى الكبرى نفسها في مأزق: الدفاع عن إسرائيل يعني الآن الاصطدام المباشر مع المبادئ التي تزعم تمثيلها.

وبهذا، فإن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت ساحة اختبار للشرعية الغربية ذاتها.

هل ستتحمل القوى الكبرى كلفة التناقض بين مبادئها المعلنة ودعمها لإسرائيل؟

 

تداعيات استراتيجية: إعادة رسم ميزان القوى

هذا التصدع لا يعني سقوط التحالفات بين ليلة وضحاها، لكنه يؤسس لتغير نوعي:

عزلة سياسية متنامية ستجعل إسرائيل تدفع كلفة أعلى في أي تحرك دبلوماسي.

تراجع الثقة الاستراتيجية بين تل أبيب وعواصم كبرى.

فتح المجال لفاعلين جدد (مثل الصين وروسيا) لاستثمار الفجوة وتوسيع نفوذهم في الشرق الأوسط.

الصفائح حين تتحرك، لا تعود إلى مواقعها الأولى.

هل نحن أمام بداية إعادة توزيع واسعة لتوازن القوى في الشرق الأوسط؟

 

خاتمة: زلزال ما بعد التصدع

العالم يشهد اليوم تسونامي دبلوماسيًا يعيد رسم خطوط القوة.

وللمرة الأولى منذ عقود، تتعرض الأرض التي وقفت عليها إسرائيل لهزة تكشف أن الصفائح لم تكن صلبة كما اعتقدت.

السؤال الآن:

هل تتعلم إسرائيل من هذه الهزات السياسية ، أم أن السياسات الحالية ستدفع نحو مزيد من التشقق الذي لن يمكن إصلاحه؟

وهل يصبح هذا التصدع مقدمة لزلزال استراتيجي شامل يتجاوز حدود الصراع إلى إعادة تشكيل النظام الدولي برمته؟

 

 

اترك رد