منبر العراق الحر :
“ثمّة شعور لا يرحل، لأنه لم يصل متأخرًا…
بل وصل في التوقيت الخطأ، ليسكن التوقيت كلّه..⸻
حين يعبرك الشعور دون استئذان…
ثمّة إحساس لا يَطلب الدخول، ولا يقرع الباب، بل يعبر…
كما النسيم حين يتسلل من نافذةٍ نسي أحدهم أن يُغلقها.
لا يُشبه الحب كما قرأناه، ولا هو الغرام كما ترويه القصص،
هو شيءٌ آخر تمامًا… أصفى من العشق، وأعمق من اللهفة، وأهدأ من أي جنون.
ذاك الشعور الذي لا يُصاغ في تعريف،
ولا يُحبس في قوالب العلاقات،
ولا يَطلب صفة، ولا يُنادى باسم.
هو فقط… يتلبّسك كوشاح هدوء،
ويُربّت على قلبك كما لو أن الكون كلّه قال لك: “اطمئنّي، أنتِ لستِ وحدك.”
تشعرين بأنك امرأة نسجتها التجارب بخيوط متينة،
امرأة تدثّرت بالنضج، وتوّجها الصبر،
ثم… فجأة، تعود طفلةً.
طفلة تركض في بساتين الورد، بفستان بسيط، لا يهتم بماركة،
بل بلونه الأبيض، بخيوطه التي حملت عبارة واحدة:
“من أرض الأرز… جاءت.”
وهناك، وسط ضحكتها الطفولية، لم تكن تبحث عن مرآة،
فكل شيء فيها كان يهمس لها:
أنتِ الحياة حين تُزهر،
وأنتِ أنثى حين تختارين أن تكوني أكثر من أنثى… دون أن تُعلني ذلك.
تُمسكين بالحلم بكفّيكِ، تخافين عليه من يقظةٍ مفاجئة،
من صوتٍ يسرقك من لحظتك،
من واقعٍ يُعيدك إلى حيث لا يشبهك شيء.
لكنها الحياة…
توقظك.
تفتحين عينيك على صباحٍ باهت،
تسحبين الغطاء عن نبضك، وتنهضين كمن يعقد هدنة مع الواقع،
ثم تبتسمين… لا لأنك نسيت،
بل لأنك، رغم كل شيء، لا زلتِ أنتِ.
استيقظتِ من الحلم…
لكن قلبك؟ لا زال هناك.
لا زال ينبض بشموخٍ لا يُشبه إلا نفسه.
وإن مرّ الوقت، وتبدّلت الأمكنة، وتغيّرت اللهجات والأسماء،
يبقى في القلب حيّز لم يُمسّ،
كأن الأمس لم يُغادر…
وكأن الشعور لا يزال واقفًا هناك،
في الزاوية نفسها التي تركناه فيها، يبتسم بصمت.
لم أحتج أن أراكَ لأتأكد…
فالشعور الذي لا يُهزم بالزمن،
هو الشعور الذي لم يُخلق ليزول.
أهلًا بك… كما كنت، وكما لا زلت.
وأهلًا بي… لأنني ما زلت أنا…
أنا بك، ومعك… ولو من بعيد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر