حارسة قطيع السلاحف ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
بيئة الأهوار عناصرها قليلة، فهي الماء أولاً وقصب البردي والسمك والبشر سكان المكان “المعدان” والطيور المهاجرة والجواميس والضفادع والسلاحف. أحد المعلمين جعل غناء أصحاب الزوارق “المشاحيف” ورعاة الجواميس من مكونات طبيعة الأهوار. وأنا أضفت إلى تلك المكونات حشرة صيفية مزعجة ولا ترى بالعين المجردة وأصغر كثيراً من البعوضة تسمى الحرمس. وقد برر أحد المعلمين بأنها هدية من الإلهة الإغريقية هيرمس التي كانت إلهة الرياضة عند الإغريق، وكان جنود الإسكندر الذين يؤمنون به قد انزعجوا من مقاومة معدان الأهوار لجيش الإسكندر يوم أتى من بابل ليحارب جنود الفرس في جهة ميسان. وقد أبقاها الإله هيرمس لتؤذي من قاوم جنوده وهزمهم بالتواثي والشوميات وأغرقوا الكثير من زوارق جيش الملك المقدوني.
كانت مدرستنا بمعلميها وتلامذتها من بعض تلك الموجودات لا تخضع لسلطة هيرمس بل تخضع لسلطة الحرمس. لكن تلميذة واحدة أخضعت هاجسها بهواية غريبة هي أنها تجمع السلاحف الصغيرة ليضحك بعض المعلمين من هواية التلميذة رقيه، لكن القاف تلفظ بالأهوار كاف فينادونها ركَيه ومرات للمزاح يرفع التلاميذ حرف الياء فيصبح اسمها ركَه. والركَه هو ما يطلقه أهل الأهوار على السلحفاة بلهجتهم. وهكذا يتطابق اسمها مع هوايتها وأشعر أن السعادة تمتلكها حين تشعر أنها تحولت من ركيه إلى ركَه وأحس أنها في مجالستها للسلاحف الصغيرة تخبرهم بذلك. وكنا نشعر أن ثمة لغة مشتركة بينها وبين السلاحف حتى إن أحد المعلمين قد أصدر أول مجاميعِهِ القصصية وكانت القصة التي بعنوان “حارسة قطيع السلاحف” هي أول قصص كتابة القصصي.
شعرت أن تلك الظاهرة العاطفية بين التلميذة رقية والسلاحف تنمو بحدث نادر، ذلك أن بعض التلاميذ يخبرني أنه يعتني بقطته وآخر بصغار الجواميس في أول ولادتها وبعض يعتني بالكتاكيت أما أن تعتني بالسلاحف فهذا غريب ونادر. ويتحدث عنها التلاميذ أنهم يسمعونها ليلاً تغني معها.. ومتى سنحت لي الفرصة في درس الأحياء لأسألها عن هوايتها كان ردها غريباً ولم أتوقعه: أهلي يرعون الجواميس وأنا أحب أن أرعى الركُوك “جمع ركَه” لأن الجواميس تسحقها مرات وتقتلها.
ضحكت وقلت: وتغنين لها في الليل.
وبذات الغرابة كان ردها: أعلمها الغناء ولا أغني لها أستاذ.
كتب صديقي المعلم عن راعية قطيع السلاحف. وانتظرت أنا لحظة لقدر الكتابة لتكون رقية وهوايتها الغريبة التي أطلق عليها معلم الرسم عبارة “الهواية الأسطورية”، لتكون واحدة من بطلات رواياتي حتى بعد أن تركت المدرسة في الصف السادس لشعور أهلها أنها بدأت تكبر وبعد عامين تستحق الزواج. وطالما كنت أطفئ المذياع في آخر الليل حيث يبدأ صوت رقية يصل إلى مسامعنا وهي تعلم سلاحفها الغناء وكانت صوتاً عذباً بالرغم من أن الغناء لا يصل مفهوماً فشعرت أنها تغني بلغة السلاحف وليس بِلُغَتِنا.
ذات يوم زفت رقية عروساً لابن عمها الذي يعيش في قرية قرب القرنة. فشعرت أن السلاحف ستبقى وحيدة وكل ليلة كنا نسمع أنينا حزينة لأصوات
السلاحف وهي تعيد الأغاني التيي تعلمتها من دروس رقية الليلة . لكنها توقفت بعد حين لأن الجواميس بدأت تسحقها فهربت بعيدا عن المكان .وربما ذهبت الى القرية التي تزوجت بها رقية .

اترك رد