جنود ع هدير البوسطه ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

عام 1979 كتب زياد رحباني كلمات أغنية ” ع هدير البوسطه” ولحنها هو وغنتها أمه فيروز. شعرت بموجة ضحك سريالية حين سمعتها لأول مرة في الصباح من إذاعة بغداد، وكنت أول المستيقظين في المدرسة. لم تزل قرية “الشفاعة” نائمة، وليس أمامي سوى ثماني جاموسات اعتدن الاستيقاظ مبكرًا ليذهبن وحدهن للرعي.
فمن تملكهن هي امرأة اسمها أم هويدر. تذهب مبكرة مع قمرها إلى المدينة، وقد مات زوجها قبل سنوات، وهويدر يرتدي قبعة الجيش ولا يأتي إلا كل ثمانية وعشرين يومًا.
مع نشوة السماع، شعرت أن الجواميس انتشت أيضًا، وعدت إلى الضحك ثانية وقلت مع نفسي: أغنية ساحرة مثل تلك قد يسمعها الآن ملايين البشر في أول بث لها. المفروض أن تسمعها مع مائدة القهوة والشاي في بيتك أو في مقهى بيروتية أو دمشقية أو بغدادية، وتجلس أمامك حبيبتك، وليس طابورًا من الجواميس. شعرت بغرابة أنه انتشى مع الأغنية، ولكنه لن يفهمها.
ولأنني استيقظ مبكرًا ويؤنسني السير البطيء والكسول للجواميس وهي تتقدم صوب مزارع القصب لتبدأ فطورها، فلم أرها تهز ذيولها في المشي. مع الأغنية، بدأت تهز ذيولها بدوران غريب. وأعرف من المعدان أن الجواميس لن تهز ذيولها إلا مع مشاعر الغضب حين يضربها الرعاة بالعصي الغليظة على مؤخراتها. عدت لأضحك وأنا أفكر أن أخبرهم: حين تعاند الجواميس، لا تضربونها، اسمعوها فقط أغنية “على هدير البوسطة”.
شاعت الأغنية في أوساط المجتمع، والمثقفين اعتبروها بهجة وطاقة إيجابية تشجع لمواسم السفر. أحد المعلمين قال: بسبب هذه الأغنية، سأطلق فارنا البلغارية في سفر الصيف، وسأسافر إلى بيروت أشرب القهوة الصباحية في حملاية وتنورين.
قلت: القرية التي قرب قريتنا اسمها حملاية، اذهب إليها واشرب القهوة.
قال: فرق أن تشرب القهوة وفيروز تغني قربك، وبين أن تشرب القهوة والجواميس تتبختر أمامك.
ومن حسن الحظ أن إذاعة بغداد داومت على بث الأغنية كل صباح، فعرفها الجميع حتى التلاميذ تمنوها نشيدًا للاصطفاف. وكانوا يضحكون حين يجدونني جالسًا عند بوابة المدرسة وأستمع إليها حين يصادف أنهم أتوا مبكرين كما الجواميس، ويرون أذيالها وهي تهز فيضحكون ويقولون مع أنفسهم: إذا الجواميس تفرح، فلنفرح نحن حتى ونحن لا نفهم ما معنى البوسطة.
وحين شرحت لهم معنى البوسطة وأنها بريد الرسائل، أطلقوا على الأغنية اسمًا هو “الغناوة أم المكاتيب”. ومتى سكنت الأغنية شيئًا من ذائقتهم، نصحوا أخوانهم من الجنود بسماع الأغنية يوم يريدون كتابة الرسائل إلى أهلهم، وهم سيتكفلون بقراءتها.
بعد سنتين، مع ولادة أغنية أخرى، أعلنت الحرب العراقية ببياناتها المرعبة، وأبدلت الإذاعة هدير البوسطة بهدير المدافع، وتغير الصباح هنا من صوت فيروز السحري إلى صوت “يا شبل زين القوس” المداف بالخوف ونعوش الضحايا. فتغير مزاج التلاميذ، حتى مسعد أذكى تلميذ في الصف، حين أتانا الزامًا من التربية بجعل عناوين درس الإنشاء تعبوية لتدعم المعركة، أصر على أن يكتب العنوان الذي طلبته منهم وهو “نحن جنود الوطن”، فكتبه “نحن جنود هدير البوسطة”.
وعندما سألته كيف غيرت العنوان؟ أجاب جوابًا عجيبًا ولم أكن أتوقعه: أريد أن أكون هدير بوسطة مع ابنة عمي، ولا أريد أن أكون هدير بوسطة تابوت حرب.
قد يكون رسمًا توضيحيًا لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏عرهدر البر البرسطة سطة অম‏'‏‏

اترك رد