منبر العراق الحر :
كم من عقل عظيم اهين في قاعة درس ضيقة لأن المعلم لم ير فيه إلا طالبا ضعيف التحصيل، وكم من عبقرية أطفئت شرارتها الأولى لأن النظام التعليمي لا يجيد سوى قياس منسوب الطاعة والانصياع، لا منسوب الخيال والتمرد والإبداع.
وكم من عقل عظيم ضاع في زوايا الصفوف، وكم من موهبة وئدت في مهدها لأن معلما لم يحسن الإصغاء إلى نبضها الأول.
كان نيوتن في نظر معلمه طالبا بليدا وغائب ذهنه عن الدرس، بينما كان عقله يحاور قوانين الكون بصمت و كان غارقا في تأمل سقوط التفاحة
و اينشتاين الذي عجز عن الحفظ، كان منشغلا بتفكيك الزمان والمكان.
إديسون الذي طرد من المدرسة، كان يصنع من كل إخفاق تجربة جديدة نحو النور. هؤلاء لم يكونوا فاشلين، بل كانوا أكبر من مقاييس النجاح المتاحة. لم يفشلوا في التعلم، بل فشل النظام في التعرف عليهم
لقد وضعوا في قوالب صغيرة، فضاقت بهم حتى كادت تخنق فكرهم، لكنهم تمردوا على تلك القوالب وخلقوا لأنفسهم فضاء جديدا للحياة والمعرفة.
للأسف النظام التعليمي كما هو قائم في أغلب المجتمعات، لا يسعى إلى اكتشاف الإنسان، بل إلى تكراره. إنه يصنع نسخة مطابقة من الفرد المطيع، لا الفرد المفكر. فالمناهج التي لا تنمي السؤال، تخرج أجيالا تردد ما يقال دون أن تفكر فيما يُقال. التعليم الذي يُقيم الطالب بعدد الإجابات الصحيحة هو تعليم يخاف من الأسئلة، يخاف من الخروج عن النص، من المغامرة، من الشك، من الاختلاف.
إن المدرسة في صورتها التقليدية تعلمك كيف تفكر مثل الآخرين، لا كيف تفكر بنفسك. تكافئ الإجابات الصحيحة، لا الأسئلة الجريئة. ومن هنا جاءت مأساة الكثير من العقول الحرة التي لم تجد في صفوف التعليم إلا سياجا من التكرار والتلقين.
بينما العقل الحر لا يتنفس داخل قفص المناهج المغلقة. والمعرفة حين تفرض كواجب ميكانيكي تفقد روحها
أما فلسفة الاحتفاء والجوائز، فهي وجه آخر للمفارقة الإنسانية.
للأسف نكرم الموهبة بعد موتها، ونغفلها في لحظة عطائها الأولى. نقيم التماثيل في الميادين، لكننا نحطم النفوس في الفصول. نحن نصفق للمبدع حين يصبح آمنا، حين يصبح جزءا من التراث لا من التمرد.
الجائزة هي مجد اللحظة، أما الفكر فهو مجد الدهر. و
الجوائز في جوهرها ليست دائما احتفاء بالعبقرية، بل كثيرا ما تكون احتفالا بالقبول الاجتماعي، أي بمدى توافق الفكر مع المعايير لا بقدرته على اختراقها.
إننا نحتاج إلى مدارس تعلم الأطفال أن الخطأ ليس خطيئة، وأن السؤال أعظم من الإجابة، وأن العبقرية ليست في الحفظ، بل في الاكتشاف.
الفيلسوف الحقيقي لا ينتظر التصفيق، ولا يخشى الرفض، لأنه يعلم أن الضوء لا يحتاج إلى جائزة ليضيء.
إن الفلسفة تعلمنا أن النجاح ليس امتثالا للمعايير، بل مقاومة لها. وأن القيمة لا تمنح من الخارج، بل تخلق من الداخل
إن فلسفة الاحتفاء يجب أن تتحرر من نزعة التجميل الزائف، فالعظمة ليست في أن يتحدث عنك الإعلام، بل في أن تبقى فكرتك حيّة حين يصمت الجميع.
المبدع الحق هو من يزرع في العقول بذرة تثمر بعد غيابه. أما المكرمون في حفلات الضوء، فكثير منهم يعيشون على بريق اللحظة، لا على خلود المعنى.
فالنجاح ليس أن تتوج بدرع أو وسام، بل أن تضيف للحياة فكرة تغير وجهها.
وإذا كانت الجوائز تمنح لمن سار في الطريق المرسوم بإتقان، فإن التاريخ لا يخلد إلا من تجرأ أن يصنع طريقه بنفسه و الجائزة الحقيقية هي أن تحدث فكرتك فرقا في وعي الإنسانية 💐💐
منبر العراق الحر منبر العراق الحر