نسور الحضارة 2025: حين يكتب الصمت معادلة الردع الجديدة …. بقلم :د. حسام البدري

منبر العراق الحر :….مدخل

في لحظةٍ مشبعة بالدلالات، قطع سربٌ هجومي من مقاتلات سلاح الجو الصيني مسافة سبعة آلاف كيلومتر، من الشرق الأقصى إلى سماء مصر، ضمن المناورة المشتركة «نسور الحضارة 2025».

ما بدا تدريبًا تقنيًا عابرًا، تحوّل إلى بيانٍ استراتيجي متعدد الأبعاد؛ إذ استخدم الاقتصاد سلاح الطيران، واستثمرت السياسة فضاء السماء، لتغدو القاهرة منصة لإعادة صياغة ميزان القوى في الإقليم.

لقد كشف هذا التحليق عن تداخل نادر بين الكفاءة العسكرية والبراعة السياسية: مدى جوي غير مسبوق، دعم لوجستي معقد، ومسار تجاوز خطوط الرصد التقليدية.

لم يكن المشهد استعراضًا للقوة، بل رسالة جيوسياسية صامتة تقول إن مصر تعيد تموضعها في معادلة التحالفات، وإن بكين تتجاوز مرحلة “القوة الاقتصادية” لتصبح قوة مركّبة توظف السلاح أداةً للدبلوماسية والتأثير.

البعد الاستراتيجي

التحليق الصيني من الشرق الآسيوي مرورًا بباكستان وإيران والخليج والبحر الأحمر حتى قناة السويس لم يكن عبورًا جغرافيًا فحسب، بل فرض واقعًا استراتيجيًا جديدًا: قدرة الصين على بلوغ قلب الشرق الأوسط دون المرور بالممرات الخاضعة للرادارات الامريكية المتطورة جدا .

تحمل المناورة دلالات عدة:

اختبار مرونة منظومة النقل الجوي الصيني وقدرتها على التزود بالوقود عبر خطوط بعيدة.

قياس فعالية أنظمة الإنذار الأميركية في منطقة تُعدّ الأكثر تحصينًا جويًا.

تأكيد أن السماء لم تعد حكرًا غربياً، بل فضاءً مفتوحًا أمام القوى الصاعدة.

اختيار القاهرة تحديدًا يعكس إدراكًا صينيًا لموقعها عند مفترق طرق المصالح الاقتصادية والعسكرية.

بهذا التحرك، أرادت بكين أن تعلن امتلاكها المفتاح الجوي والسياسي للمنطقة، وتختبر في الوقت نفسه استعداد النظام الدولي لتقبّل حضورها المتنامي.

ويبقى السؤال: هل نحن أمام إعادة تعريف للأمن في البحر الأحمر، أم بداية سباقٍ جديد على المجال الجوي العربي؟

منظومة القوة الشاملة

المناورة لم تكن نشاطًا عسكريًا صرفًا، بل ترجمة عملية لمفهوم “اقتصاد الحرب الكامل”.

فالصين لم تَعُد تكتفي بتصدير المعدات أو الشراكات التجارية، بل باتت تدمج أدواتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية في مشروع واحد يعيد رسم ملامح الردع .

تحوّل التدريب إلى وسيلة دبلوماسية، والمشاركة المصرية إلى تعبير عن استقلالية القرار الدفاعي وسعي القاهرة إلى علاقات متوازنة تتجاوز المظلة الأميركية التقليدية.

أما بكين، فتختبر قدرتها على توسيع نفوذها العسكري دون الدخول في التزامات تحالفية مباشرة.

إنها قوة ناعمة تتحدث بلغة الحديد؛ تُمَوِّل وتُدرّب وتُظهِر حضورها، لكنها لا تُهدّد.

ويبقى الرهان: هل يُنتج هذا المزج بين المال والسلاح نظام ردع أكثر ذكاءً ومرونة، أم يفتح الباب لتنافسٍ اقتصادي–عسكري يصعب ضبطه لاحقًا؟

الردع عبر الوجود

على مدى عقود، التزمت الصين فلسفة “القوة الناعمة”، لكن ما أظهرته «نسور الحضارة» يشير إلى تحول نحو الردع بالحضور.

فالتحليق فوق الأراضي المصرية كان إعلانًا رمزيًا بأن بكين دخلت مرحلة “الإمكان”، لا الاكتفاء بالإقناع.

لم تكن الرسالة موجهة إلى القاهرة وحدها، بل إلى واشنطن وموسكو وتل أبيب والرياض: أن الشرق الأوسط لم يعد مسرحًا لمحورين متقابلين، بل شبكة نفوذ متداخلة.

عسكريًا، يفرض ذلك مراجعة لتفوق الناتو الجوي في المنطقة، وسياسيًا يشير إلى زمن جديد من التوازن الديناميكي الذي تُدار فيه القوة بالوجود لا بالتهديد.

تكتسب القاهرة من هذا التحول مساحة أوسع للمناورة، إذ تعيد تموضعها كمركز توازن لا تابع في خريطة الصراع الدولي.

فهل نحن أمام عصر الردع الرمزي حيث تُدار القوة بالتصورات، أم عودة تدريجية لسباق النفوذ الكلاسيكي؟

خاتمة

لم تكن «نسور الحضارة 2025» مجرد مناورة، بل مقدمة لإعادة صياغة مفهوم السيطرة في العالم المعاصر.

فالقوة اليوم تُقاس بقدرة الدولة على الوصول والتأثير وتنوّع أدواتها، لا بعدد الصواريخ أو القواعد.

تحوّلت مصر من مسرحٍ للنفوذ إلى شريكٍ في صياغة التوازنات، فيما صعدت الصين من قوة اقتصادية إلى فاعلٍ جيو–استراتيجي متعدد المستويات، بينما تواجه واشنطن اختبارًا جديدًا لهيمنتها الجوية والاقتصادية في المنطقة.

لقد فُتح باب جديد في معمار الردع، عنوانه «الصمت الطائر»؛ إذ باتت القوى الكبرى قادرة على التحليق فوق أكثر الممرات تحصينًا دون أن تُرصد، وإرسال رسائلها من دون كلمة واحدة.

فهل يشكّل هذا «جناح الصمت» إعلانًا عن ولادة نظام توازن جديد في الشرق الأوسط، أم أنه فصلٌ آخر في حربٍ طويلة على السماء والرمز والموقع؟

اترك رد