عَجمْ مدينة الثورة….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
في سبعينيات القرن الماضي وذات ظهيرة باردة على جبل أسمه (كورك) في شمال البلاد، ولدت الرصاصة والوردة في رحم واحد، حيث لم يكن بمقدور عجلات الأورال والزيل العسكرية الوصول الى الربايا المواجهة لمنطقة حاج عمران، وعلى الجنود الترجل منها وصعود حافلات حيوانية صنعتها مصانع فولكا الروسية للسيارات يسموها الجنود بغال الزيل.
في هذه الظهيرة عندما كنت أتمتع بشمس الشتاء وأقتفي أثر الذكريات في أفق يذهب بي الى قرية المساعدة في عمق الأهوار، حيث المدرسة التي عُيّنت فيها، وخيال افتراضات أحلامنا الأوربية وتقبيل ممثلات السينما من ( شفاههن)، وحيث يصعقك البعوض والحرمس حين يعيدك الى الواقع الحقيقي وأنت تملأ صدرك بعفونة الأسماك المقتولة والطافية على الماء، وبالرغم من هذا فإن سر جمال تلك الأمكنة أنها قارّة من الأحلام وجنة متخيلة في رغبة المعلمين ليقضوا صيفهم في باريس.
لكنهم دعوني الى خدمة الاحتياط، وتبخرت باريس واسطنبول وعربات قطار طوروس ولم يبق سوى صورة البغال الثلاثة وهي تصعد ببطء صوب مقر السريّة فمسكت فضولي لأن البغال أتت في وقت لا يتوجه فيه أحد الى سريّتنا المنعزلة في الطرف القصي من كورك، والتي يقودها ثلاثة: واحد من مقر الفوج واثنان غرباء، جنود غرباء ليسوا من سريتنا، عندما وصلوا شعرت بالغرابة حين عرفت أنهما أخوين أتيا نقلا الى سريتنا وكنت أنا أول من استقبلهم وقلت لهم إنكما محظوظان عندما نُسبتما الى مكان واحد ولا أدري لماذا ساقوكما في وقت واحد ولا يبدو لي أنكما توأمين
ضحك أحدهما وقال: ألم تقل إنه حظنا الجميل؟
لم أفهم خبايا عبارته، ولأني أشتغل في قلم السرية كوني الخريج الوحيد فيها، لفت انتباهي اسم الجندين، وهما رضا ملك شاه وعلي ملك شاه، واقتربت مع اسميهما لسبب إرسالهما الى هذا المنفى، وبمرور الأيام صادقتهما واطمئنا علي بعدما أصبحنا ثلاثة خريجين في السرية واقترح آمرها أن ينسب الاثنان معي في قلم السرية إلا أن كتاباً سرّياً جاء من استخبارات اللواء منع أمر آمر السرية من تنسبيهما معي بالرغم من أن رضا كان مهندساً يعمل في الشركة العامة لإنتاج الزيوت، بينما كان علي يعمل صيدلانيا في مدينة الطب، وهما من سكنة مدينة الثورة. لقد استغرب آمر السرية من هذا وقال: المدينة صنعها الزعيم عبد الكريم قاسم للفقراء وعندي في سريتي ثمانية جنود منها، أفضلهم أكمل المتوسطة، واحدة من مفاجآت حياتي العسكرية أن تأتينا كفاءات من مدينة الثورة ولكن لا أعرف لماذا اعترضوا على تنسيبكما الى القلم، ثم همس: لو كنتما شيوعيّين أو من حزب دعوة لتم إعدامكما فوراً. لكن الأمر الثالث هو ما يشغلني وأريد أن أعرفه منكما إن كنتما صادقين؟
قال علي ضاحكا : سيدي نحن من عجم مدينة الثورة.
قال آمر السرية: أنا أعرف أن أغلب سكان الثورة من عرب الجنوب وفيها حي للأكراد أيضاً، ولم أسمع أن فيها عجماً!
قال رضا: هكذا صنفتنا الدولة.
قلت: وهل أنتم عجم حقاً؟
قال رضا كلا نحن أكراد أفيلية وأصلنا من خانقين. جدي نزح الى بغداد بعقوبة إدارية بعد أن كان باشكاتب في القضاء، وكانت لديه صوراً أصلية التقطها مع الشاعر الهندي الكبير طاغور عند مروره بخانقين عبر النقطة الحدودية في خسروي قادماً من الهند عبر إيران الى بغداد، لكن قائمقام القضاء أصرّ على أخذها لأنها كما يعتقد ذات يوم سيصبح لها ثمن باهظ، فرفض أبي وحدث بينهما تلاسن انتهى بصفعة من جدي على خد القائمقام.
قلت: ولماذا أنتما هنا سوية والدولة تحتاج الى خبراتكما وهي تعفي الخريجين من الخدمة؟
اختصر رضا القصة بأنهما من ضحايا قرارت التسفير وإسقاط الجنسية عن أولئك الذين ليس لديهم شهادات التبعية العثمانية واعتبرتهم الدولة في أثناء خلافها مع شاه إيران على أنهم من التبعية الإيرانية وقامت بتسفيرهم عبر المنافذ الحدودية في مندلي وخانقين وزرباطية والشلامجة، وكان معظم هؤلاء المسفّرين مولودين في العراق أباً عن جدٍ، والكثيرين منهم هم أكراد أفيلية وليسوا من الأصول الإيرانية لكن الدولة افترضت هذا، سفروا عوائلنا وأقاربنا وأبقونا نحن بطلب من دوائرنا لحاجتهم الماسة الى خبراتنا، لكن أحد المسؤولين وافق على استثنائنا أو تأجيل ترحيلنا بشرط أن نخدم العسكرية لمدة عام وفي مكان فيه حرب لنثبت للوطن ولاءنا كما قال، وربما تعمدوا أن نكون نحن الاثنان في هذا المكان.
قال آمر السرية: مادمتم أنتم من الأكراد الفيلية اذاً ستوجهون بنادقكم صوب أبناء جلدتكم من الأكراد!
(العصاة) الإيرانيون أيضاً أمامنا لكننا لا نتراشق معهم سوى بالمدفعية بين الحين والآخر، تلك معضلة بالنسبة لكم.
قال رضا: سيدي نحن أتينا لخدمة العلم، وأيّ كان فهي الجندية وتلك أوامرها.
أدركتُ سرّ إجابة رضا، فقد كان في السرية كتبة تقاريركثيرون.
همست له: لا تخشى من شيء آمر السرية من الكوت وأنا من الناصرية.
قال رضا: وأنا من مدينة الثورة.
لا أدري كيف عرف بقية الجنود سبب تنسيبهما لسريتنا، ولا أعرف من أشاع هذه التسمية في السرية حين يشار للأخوين علي ورضا فيقال عنهما (عجم الثورة) فكانا ينزعجان جداً من هذه التسمية لكنهما امتلكا روحا طيبة ومتسامحة وخالية من عقد الجنود الأميين ورضيا على مضض تلك التسمية التي صار بعض الجنود يجاهر بها أثناء المزاح، ليسأل رضا: رضا بالله عليك ما الفرق بين ثوم العجم وثوم الثورة.
فيرد رضا: الأول يصبح معه الطرشي لذيذاً، والثاني إما يُسفر الى إيران أو يأتي الى هنا ليقابل جهرتكَ كلّ صباح.
يضحك الجميع ونُمضي يومنا نياماً أو في تحضير الطعام، فيما يتوزع الليل على نقاط الحراسة خوفاً من رصاصة برنو يحملها في بندقيته متمرد كردي يراقب جنود سريتنا عبر ضوء القمر أو بريق النجوم من فتحة في جدار الجبل التي لا تبعد سوى ميل عن أول ربيئة حراسة في سريتنا الثالثة الفوج الأول اللواء 36 مشاة.
ذات يوم نزل رضا لجلب الماء من نبع يقع في الوادي القريب، ولأنه ينزل لأول مرة لم يتبع الطريق النيسمي الواصل الى النبع وداست قدمه على لغم أرضي ليموت بحزن أنه فارق أخيه الذي ذكّرنا نحيبه بنحيب من يموت خارج وطنه.
قال آمر السرية بإمكان علي أن يذهب بأخيه الى مثواه الأخير بعد أن تكملوا أوراقه، وكلفني أن أكون مع علي لحين إيصال جثمانه الى النجف.
رافقت علي مع نعش أخيه، لنواجه معضلة نقل الجثمان من مستشفى أربيل العسكري الى بغداد عندما طلب منا النائب الضابط المسؤول عن ترحيل جثامين قتلى الحرب هوية الأحوال المدينة للقتيل رضا، فأخبره علي أنه شقيقه وأن الحكومة سحبت منهما هوية الأحوال المدنية وكلّ الأوراق الثبوتية.
عندها رفض النائب ضابط توقيع أوراق ترحيل النعش، وأخبر الضابط المسؤول وبدوره أيد قرار النائب ضابط لأنهم لا يُرحّلون الجثث المجهولة.
قلت للضابط: سيدي هو ليس مجهولاً وهذا كتاب من الوحدة يؤكد استشهاده بلغم أثناء الواجب الرسمي.
قال الضابط: أوراق الوحدة ليست صك غفران بإمكانك طبعها بسوق القرطاسية في أربيل وختمها. لكنّ الجنسية هي صكّ الغفران.
قال أخيه وهو ينتحب: ما الحل؟
قال الضابط: نبقيه في الثلاجة لحين مخاطبة مقر الفرقة وبدورها تخاطب وزارة الدفاع، ونرى ماذا يقولون.
قال علي: هذا يعني أن أربعينية أخي تنتهي وربما سنويته وهو في الثلاجة؟
قال الضابط بدون اكتراث: وربما أكثر.
قلت لعلي: لماذا لا نعود الى وحدتنا ونخبر مقر اللواء وهم يتصرفون
قال: لن أفعلها وأترك جثة أخي وحدها في الثلاجة، أمي رحمها الله قبل تسفيرها أمنته عندي لن أخون الأمانة. سأبقى في أربيل حتى لو دخلت هروباً.
رأيت إصراراً كبيراً في عينيه، وعدت الى السرية لأخبر الآمر بما جرى.
ما فعله علي في الأيام اللاحقة وقد ملّ انتظار الكتاب القادم من بغداد أنه ذهب الى أحد أقاربه في مدينة أربيل واتفق معه على تهيئة خطة لسرقة جثة أخيه والذهاب بها الى النجف.
أخبره أقاربه بقوله: قد نستطيع سرقتها من ثلاجة المستشفى برشوة الفراشين ولكن الذهاب بها الى النجف فيه صعوبة، ندفنها هنا في أربيل.
رفض علي المقترح وقال: نعبر بها الحدود وندفنها هناك قرب قبر أمي التي توفيت ما أن عبرت الحدود ودفنت في السيدة معصومة.
رد أقاربه: يابه هاي أصعب من الذهاب بها الى النجف.
ولكني سأفعلها إن أخرجتم جثمانه من الثلاجة.
أتفق علي مع سائق تركتور يوصله الى منطقة الحاج عمران من خلال ممرات وفتحات ليس بها ربايا، وحمل نعش أخيه وعبر به الحدود وقد ساعده الجو البارد على عدم تفسخ الجسد.
أرسل لي رسالة شكر وتحية بيد سائق سيارة الحانوت، ولأنه يثق بي كتب لي عن خطته.
ولا أدري إن كان قد وصل بالجثة أم لا….؟
ولكن بعد مرور عشرات الأعوام على هذه الحادثة، شاهدت لافتة انتخابية في إحدى مداخل مدينة الثورة تعلن عن مرشح انتخابي اسمه علي ملك شاه
قلت في نفسي ضاحكا: ربما لا يعرفني الآن، ولكن المهم أن عجم الثورة عادوا ليعيشوا في مدينتهم.

اترك رد