الاغتيال؛ بين الأدلة والادعاءات …. بقلم د. رعد هادي جبارة

منبر العراق الحر :….الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسي السابق….

كتاب”النفاق الأميركي”
📶 رد هادئ على قراءة متعجلة
📌قبل أيام نشرتُ مقالي النقدي حول كتاب “النفاق الأميركي”، وهو كتاب أُعيد تداول مقتطفات منه أخيراً في منصّات التواصل على أنه “صدر حديثاً”، بينما هو في الحقيقة منشور منذ عام 2014. وقد هدف مقالي إلى تقييم الرواية التي يطرحها الكتاب بناءً على منهج التحقّق العلمي، وتمحيص الأدلة، ومقارنة الادعاءات بما هو منشور ومُتاح من مصادر مستقلة.

لكن أحد القراء –بدافع الغضب المشروع من السياسات الأميركية ضد العرب والمسلمين– فهم المقال وكأنني:
1. أدافع عن الولايات المتحدة أو أبرّئها من سياساتها العدوانية،
2. أو أنني أنحاز لرواية المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري،
3. أو أنني في الوقت نفسه أوجّه اللوم إلى حزب الله،
4. أو أثبّت على الحزب ما حاول الكتاب نفيه عنه.

وتلك قراءات متسرّعة لا علاقة لها بما كتبته ولا بما قصدته. ولهذا رأيت أن أقدّم هذا التوضيح المنهجي الهادئ.

📌أولاً: نقد رواية بلا دليل لا يعني تبنّي رواية أميركية أو دولية

الفرق كبير بين أن:
_أرفض رواية لأنها بلا وثائق ولا أدلة،
_وأتّخذ موقفاً سياسياً لصالح طرف آخر.
ما فعلته في المقال السابق هو الأول فقط.
لقد قلت بوضوح إن السياسات الأميركية في منطقتنا منحازة وظالمة ومنافقة.
لكن رفض السياسات الأميركية شيء… وقبول أي رواية “معادية لأميركا” دون فحص شيء آخر تماماً.
منهج البحث لا يُدار بالعاطفة، بل بـما يمكن التحقق منه، وما لا يمكن.

📌ثانياً: المحكمة الدولية — عرضٌ للنتائج المنشورة وليس تبنّياً لها
المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري (STL) تشكلت عام 2007، وبدأت عملها عام 2009، واستمر تحقيقها إلى أن أصدرت حكمها النهائي عام 2020، قبل أن تُغلق أبوابها في 2022.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه المحكمة (وقد واجهت اعتراضات واسعة)، فإنها:

■الجهة الوحيدة التي قامت بتحقيق جنائي فعلي،
■جمعت أكثر من 300 ألف صفحة من الأدلة،
■استعانت بخبراء اتصالات ومتفجرات وصور وأدلة تقنية،
■واعتمدت قواعد الأدلة القابلة للقبول قضائياً.
ذكرتُ نتائجها فقط للمقارنة بين تحقيق طويل رسمي وبين كتاب بلا وثائق منشورة.
أما تبنّي تلك النتائج أو رفضها سياسياً فليس موضوع المقال أساساً.

📌ثالثاً: الاتهام موجّه إلى أفراد… لا إلى حزب الله ككيان سياسي أو قيادي
هناك فارق جوهري بين:
_اتهام “الحزب” كجماعة،
_واتهام ثلاثة أفراد محسوبين عليه.
فالمحكمة نسبت الفعل إلى أشخاص محدّدين (قُتل أحدهم في دمشق، وتوفّي آخر، وبقي الثالث متوارياً)، لكنها لم تتّهم القيادة السياسية أو العسكرية للحزب، ولم تقل إن قرار الاغتيال صدر من نصر الله أو قيادة المقاومة.
إنه توصيف قانوني لا سياسي:
فعل فردي ≠ فعل مؤسسي.
وهذا الأمر معروف في تاريخ التنظيمات.
لدينا مثال واضح في إيران: قضية الاغتيالات المتسلسلة في التسعينيات، حيث اكتُشِف أن خلية داخل وزارة الأمن بقيادة سعيد إمامي نفّذت عمليات قتل دون علم القيادة العليا.
فلا أحد اتّهم “النظام الإيراني” بأوامر الاغتيال، بل مجموعة منفلتة (خودسرانه) تصرّفت بقرارها.

📌رابعاً: المنهج العلمي لا ينفي التعاطف السياسي
يمكن للإنسان أن:
☆ينتقد أميركا بشدة،
☆ويعارض سياساتها
☆ويشكّك في نزاهة المحكمة الدولية،
☆وفي الوقت نفسه يرفض رواية غير موثّقة مهما كانت منسجمة مع ميوله السياسية.
هذا ليس تناقضاً، بل هو اتساق معرفي.
الحقيقة لا تُبنى على ما نرغب به، بل على ما يمكن إثباته.

📌خامساً: لماذا لا يمكن اعتبار الكتاب مصدراً للحقيقة؟

لأسباب بسيطة جداً:
1. لا يوجد أي دليل قضائي أو علمي منشور.
2. الروايات فيه شفهية منسوبة لأشخاص ليست مناصبهم ثابتة.
3. لا توجد وثائق أو صور أو تسجيلات أو مستندات.
4. يتناقض مع نتائج التحقيقات الدولية المعروفة.
5. يستخدم أسلوب التآمر الأدبي: وثائق سرية… اجتماعات مغلقة… أسرار “سأكشفها لاحقاً”…
6. منذ 2014 لم تُدعَم روايته من أي جهة مستقلة.
وبالتالي، من غير العلمي قبوله كمصدر للحقيقة.

📌سادساً: إنكار رواية ضعيفة لا يعني تبرئة أي طرف سياسي

حين أقول إن الرواية الواردة في الكتاب غير موثقة، فهذا لا يعني:
☆تبرئة أميركا،
☆أو تبرئة إسرائيل،
☆أو إشادة بالمحكمة الدولية،
☆أو لوماً لحزب الله.
بل يعني فقط:
لا نقبل سرداً بلا دليل… أياً كان مصدره.

📌سابعاً: ليس كل ما يصدر عن محكمة لاهاي أو المحكمة الجنائية الدولية خصومة مع العرب أو المسلمين
ليس إنصافاً أن نعتبر كل قرار يصدر عن المؤسسات القضائية الدولية عداءً لنا.
فالواقع يقول إن هذه المؤسسات:
⭕أصدرت مذكّرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
⭕قضت محكمة العدل الدولية ببطلان إجراءات الاحتلال الإسرائيلي،
⭕وألزمت إسرائيل باتخاذ تدابير لوقف الإبادة الجماعية.

⭕وأصدرت حكماً لصالح إيران في عهد روحاني في قضية الأصول المجمّدة، معتبرةً بعض الإجراءات الأميركية مخالفة للقانون الدولي.
هذه الأمثلة تبيّن أن القضاء الدولي ليس أداة سياسية صرفة ولا عدواً مطلقاً لأمتنا.
بل علينا تقييم كل ملف بمفرده، وفق الأدلة والوقائع.

📌خلاصة الموقف
🔹مقالي السابق لم يكن:
دفاعاً عن أميركا،
ولا تبرئةً للكيان المحتل،
ولا تأييداً سياسياً للمحكمة الدولية،
ولا لوماً لحزب الله.
بل كان منهجاً في نقد رواية بلا أدلة.
والبحث عن الحقيقة لا يكون بالاصطفافات، بل بما يثبت ويُوثّق ويُراجع.

🔹السياسة تُدار بالعاطفة أحياناً،
أما الحقيقة فلا تُدار إلا بالدليل.

اترك رد