منبر العراق الحر :
في عالمٍ تتصارع فيه الأفكار، وتزدحم فيه الأصوات، وتتصارع فيه الأولويات، يبرز فنّ الإدارة ليس كمجموعة قواعد جامدة، ولا كنظريات تُملى من الكتب، بل كفنّ حيّ… ينبض بالحكمة، ويُدار بالبصيرة، ويُمارَس بالإحساس قبل الممارسة وبالعقل قبل الأرقام وبالضمير قبل السلطة.
والإدارة ليست وظيفة، بل فلسفة. وليست منصباً، بل وعي قادر على تحويل الفوضى إلى نظام، والضباب إلى رؤية، والتحديات إلى فرص، والناس إلى فريق يشبه العائلة ويُقاتل بروح واحدة.
وإنها تلك القدرة العجيبة على الإبصار حين يعمى الآخرون، وعلى التقدير حين يتجاهل الكثيرون، وعلى اتخاذ القرار حين يقف الكثيرون عند حدود التردد.
والعقل… البوصلة التي لا تُخطئ الاتجاه والمدير الحقيقي لا يترك نفسه لعبة للظروف، ولا ينساق خلف الانفعالات.
وعقله هو البوصلة التي تُشير دائماً نحو الاتجاه الصحيح حتى وإن اشتدت الرياح وارتفع غبار الطريق.
فالعقل الإداري يخطط قبل أن يتحرك.
ويحسب النتائج قبل أن يصدّر القرارات.
ويقرأ ما وراء السطور ويستوعب ما وراء الأحداث.
يتنبّه للتفاصيل الصغيرة لأنها القادرة على إسقاط مشروع أو صناعة نجاح.
والعقل الإداري ليس عقلًا حسابيًا فقط، بل عقل استراتيجي يرى المشهد كاملاً… من السماء، من حيث تُرى الخطوط التي لا تظهر لمن يقفون على الأرض.
والقلب… المحرّك الذي يمنح الإدارة روحها وما أكثر المدراء الذين عرفوا كيف يُوقّعون الأوامر، لكنّهم فشلوا في أن يحركوا القلوب!
وما أقلّ الذين جمعوا بين حزم العقل ودفء القلب فأصبحوا قادةً وليسوا مجرّد مسؤولين.
والقلب في الإدارة ليس عاطفة زائدة، بل :
قدرة على فهم الناس قبل تقييمهم.
وعي باحتياجات الفريق قبل أن يطلبها أحد.
إنصاف لمن تعب، واحتواء لمن أخطأ، وشكر لمن بذل والقائد الذي يجمع القلوب حوله لا يحتاج أن يرفع صوته، فالنفوس تتسابق لتنفيذ رؤيته، لأنها رأت فيه إنسانًا قبل أن ترى فيه مسؤولًا.
إنّ الإدارة بقلبٍ نابض تعني أن تنظر إلى الموظف كإنسان لديه أحلام وواجبات وظروف… لا كرقم على جدول الرواتب.
واليد… الأداة التي تُحوّل الأفكار إلى إنجازات
وبوصلة العقل تحدد الطريق ومحرك القلب يمنح الطاقة لكنّ اليد هي من تفتح الطريق وتصنع الفارق.
فاليد هنا ليست يدًا مادية فقط، بل رمزًا لمهارة التنفيذ، ولقدرة تحويل الكلمات إلى أفعال.
ويد المدير الحقيقي تبني ولا تهدم.
وتُصلح قبل أن تعاقب وتبارك الجهد قبل أن تفتش عن الخطأ.
وتساند الفريق حين يضعف وتدفعه للأمام حين يتراجع.
فاليد التي تُشعر الفريق أنها معهم، لا عليهم… تصنع ولاءً لا يُشترى، وحماساً لا يُفرض، ونجاحاً لا يتوقف وفنّ الإدارة… ليس في القرارات بل في توقيت القرارات وقد يُصدر أي مسؤول قرارًا لكن المدير الحقيقي يعرف متى يصدر القرار.
في الإدارة، التوقيت نصف النجاح، والبصيرة نصف القرار.
فكم من مشروع سقط لأن صاحبه استعجل، وكم من أزمة اشتعلت لأن صاحب القرار تأخر!
المدير القادر على قراءة اللحظة… هو المدير الذي يمتلك القدرة على صناعة الفرق في أصعب الأوقات.
وفنّ الإدارة… حوار لا صراخ وفريق لا جمهور
ليس القائد من يقف فوق المنصة ليخطب، بل من ينزل إلى الميدان ليصغي وليس من يفرض سلطته… بل من يكسب احترام الناس دون أن يطلبه.
فليس من يعتمد على منصبه… بل على أثره.
الإدارة الحقيقية تقوم على:
مشاركة الأفكار.
احترام العقول.
خلق مساحة آمنة للابتكار.
وأن تحويل بيئة العمل إلى بيت يُشعر كل فرد أنه جزء من نجاحه لا موظف عابر فيه.
القائد الذي يحوّل الموظفين إلى أصحاب مشروع… يصنع معجزات.
وفنّ الإدارة… أن تكون كبيراً بما يكفي لتمرّ من فوق الأخطاء
والقائد الحقيقي لا يؤدي دوره ليُثبت أنه الأقوى… بل ليُثبت أنه الأقدر على احتواء أخطاء الآخرين دون أن يفقد هيبته.
وأن تحوّل خطأ موظف إلى درس، وخلاف فريق إلى فرصة، وسقوط مشروع إلى بداية جديدة… هذه هي الإدارة التي تصنع الفارق.
ففنّ الإدارة… ليس أن تسبق الجميع، بل أن تأخذهم معك
المسؤول العظيم ليس من يصل وحده إلى القمة، بل من يصعد ومعه فريق كامل يملك القدرة على الوقوف بعده.
فالقائد الذي يصنع قادة يكتب اسمه في ذاكرة المجد أما الذي يصنع موظفين فقط، فيبقى مجرد صفحة عابرة في كتاب الإدارة.
ختاما فنّ الإدارة هو امتزاج العقل والقلب واليد…
وهو المعادلة التي تجعل من المدير قائداً، ومن الفريق عائلة، ومن المؤسسة كياناً نابضاً بالحياة.
وإنه ليس علماً فقط… بل فنّ وإلهام، ومسؤولية ومعركة يومية مع الذات قبل الآخرين.
فإذا أحسن القائد استخدام بوصلة العقل، وقوة القلب وحكمة اليد… أصبح قادراً على صنع الفارق في عالم لا يعترف إلا بمن يترك أثراً لا يُمحى.
المستشار القانوني شيماء حسن عبد الحسين
منبر العراق الحر منبر العراق الحر