( وطنٌ أكبر من ساسته… وشعبٌ أكبر من أزماته ) ….د.رافد حميد القاضي

منبر العراق الحر :_ قراءة في الشلل السياسي ووجع الشعوب ورحلة البحث عن وطنٍ يستحقّ الحياة _

في عالمٍ تتحرك فيه موازين القوة بسرعة تفوق حركة الحقيقة، تبقى السياسة أقرب إلى معركةٍ مفتوحة لا تنتهي فيها الجولات ولا تُحسم فيها النتائج.
معركةٌ يتبادل فيها اللاعبون الضربات فوق الطاولة وتحتها، بينما يقف الشعب كالمتفرج المتعب، يُصفّق حين يجبرونه، ويصمت حين يُخَيَّر بين الصمت والفوضى.
وما أكثر ما يُخيَّر الشعوب بين هذا وذاك وكأنّ حياة الناس ليست إلا هامشاً في كتاب الكبار.

اولا : الدولة التي تبحث عن نفسها.
الدولة، في تعريفها النظري هي إطارٌ جامع، مؤسساتها مستقلة، قوانينها حاكمة قرارها موحّد.
لكن الواقع العربي—والعراقي خصوصاً—قدّم نموذجاً آخر :
دولةٌ موجودة في الدستور لكنها منقسمة في التطبيق ؛
قوية على المواطن، ضعيفة أمام الأحزاب
تملك العلم والنشيد، ولا تملك السيادة على نفسها.

منذ سنوات تتعثر الدولة العراقية في إيجاد صيغة توازن تجمع بين مكوناتها دون أن تتحول إلى غنيمة.
الصراع ليس على شكل الدولة فقط، بل على روحها :
هل هي دولة مواطنة ؟ أم دولة محاصصة ؟
هل هي دولة قانون ؟ أم دولة صفقات وتوازنات وتفاهمات تحت الطاولة ؟
هل هي دولة مركزية قوية ؟ أم ساحة نفوذ متنافرة لكل جهة فيها حدودها وخطوطها الحمراء ؟

الجميع يرفع شعار الدولة
لكن كل طرف يريد الدولة التي تخدمه هو، لا الدولة التي تخدم الجميع.

ثانيا : صراع السلطة… حين يصبح أكبر من الوطن.

لا شيء أخطر على أي بلد من سلطةٍ تعتبر نفسها أكبر من الدولة.
فالسياسي الذي يشعر أنه فوق القانون، فوق النقد فوق المساءلة، يتحول تدريجياً إلى كائنٍ يظنّ أن هذا الشعب وُجِدَ ليصفّق له، لا ليُحاسبه.

وتاريخ العالم مليء بأمثلة سلطةٍ أطالت عمرها بالقوة… لكنها سقطت، لأن الشعوب لا تُهزم دائماً.
قد تُخدر، قد تُخدع، قد يُرهبها الخوف، لكن الحقيقة تبقى كالنار تحت الرماد.

في العراق، الصراع على السلطة لم يكن يوماً صراع برامج أو رؤى، بل صراع أحجام، صراع من يُمسك بالمفاصل :
الاقتصاد، الأمن، القرار الإعلام، الشارع، وحتى الخطاب الديني.

وهكذا تتحول الدولة إلى ملعب كبير، واللاعبون إلى فرق تتنازع لا لتنتصر للوطن بل لتمنع الآخرين من الانتصار.

ثالثا : الفساد… الوجه العاري للسياسة.
إذا أردت أن تعرف قوة الدولة، انظر إلى كيفية تعاملها مع الفساد.
فالدولة التي تخشى الفاسدين لا يمكن أن تبني مستقبلاً.
والدولة التي تساوم الفاسدين، تسلّم رقبتها لهم طواعية.

الفساد في العراق ليس فعلاً فردياً، بل شبكة متشابكة تمتد من أصغر موظف إلى أكبر مركز قرار.
شبكة تتغذى على المال العام، وتتكاثر كلما ضعفت الرقابة، وتكبر كلما أصبح المواطن مُستسلماً أو مُحبَطاً.

الفساد هنا ليس جريمة فقط…
بل ثقافة، بيئة، منظومة ممارسات يومية ومؤسسات كاملة تدافع عنه.

ولهذا السبب، مكافحة الفساد تُصبح شعاراً انتخابياً أكثر من كونها إرادة سياسية.

رابعا : المواطن… المقاتل الصامت.
رغم كل هذا الخراب، لا يزال المواطن العراقي هو الحلقة الأقوى والأصدق.
هو الذي يفتح متجره رغم انقطاع الكهرباء ويصلح سيارته رغم غلاء الوقود ويرسل أبناءه للمدارس رغم تدني التعليم، ويقاتل من أجل لقمة العيش كأنها معركة حياته الأخيرة.

المواطن هو الذي يدفع ثمن سياسات لم يشارك في صنعها، وهو الذي يحمل الوطن في قلبه، مهما أثقله الفقر والتعب.

والشعب الذي يرى السياسي يسافر للعلاج في الخارج بينما يموت فقراؤه في الداخل ينكسر… لكنه لا يستسلم يغضب… لكنه لا يحقد على وطنه.
يعاني… لكنه لا يتخلّى عن حلمه ببلد يُعامل أبناءه بكرامة.

خامسا : الإعلام .
الإعلام الحر هو عين الشعب وبوصلته.
لكن الإعلام المملوك يتحول إلى سلاح في يد المتنفّذين.
يستطيع السياسي اليوم أن يشتري ساعة تلفزيونية أسهل مما يستطيع المواطن شراء رغيف خبز.
وبذلك يصبح الخبر سلعة والرأي منتجاً، والحقائق تُفصّل كما تُفصَّل الدعايات والإعلانات.

الإعلام الموجّه لا يكشف الحقيقة، بل يزيّن الكذب.
والمواطن حين يُحرم من إعلام نزيه، يضيع بين روايتين : رواية السلطة ورواية الشارع.
وفي النهاية لا يثق بهذه ولا بتلك، فتتكرّس الفوضى.

سادسا : زعماءٌ بلا رؤية… وأحزاب بلا مشروع.
أكبر أزمات السياسة العربية أنها تُدار بلا رؤية واسعة.
تدار بعقلية اللحظة، بعقلية ردّ الفعل، بعقلية «دع الأمور تمشي إلى أن نقع في الأزمة ثم نبحث عن حلّ كيفما اتفق».

الأحزاب ترفع شعارات الإصلاح، لكنها تعجز عن ذلك.
تتحدث عن سيادة الدولة لكنها ترتبط بالخارج.
تتحدث عن القرار الوطني بينما مواقفها تتغير بمدى قرب أو بعد أي دولة أجنبية.

هذا التناقض يجعل المواطن يعيش في دوامة من الغموض، ويجعل السياسة لعبة مبنية على المصالح لا على المبادئ.

سابعا : الشباب… جيل الوعي الجديد.
رغم كل السواد، هناك ضوء يتسلل.
جيل جديد يخرج الآن من قلب الفوضى، يحمل فكراً مختلفاً، لغة مختلفة، وعقلاً لا يُشترى بالشعارات الجوفاء.
هؤلاء لا يخافون من قول الحقيقة، ولا يقبلون أن تكون السياسة حكراً على طبقة قائمة منذ عشرين عاماً.

الشباب اليوم لا يريد ثورة سلاح، بل ثورة تغيير بالفكر :
ثورة إصلاح، ثورة شفافية ثورة تعليم، ثورة وعي.
وإذا استمرت الهوّة بينه وبين السلطة، فإن السلطة ستجد نفسها أمام جيل لا يمكن السيطرة عليه إلا باحترامه.

ثامنا : هل من أمل ؟
نعم… دائماً.
فالأوطان لا تموت، ولو جثت على ركبتيها والشعوب لا تنطفئ، ولو أحاطها الظلام.

العراق بلدٌ قوي بشعبه، بتاريخه، بثقافته، بروح أبنائه الذين ينهضون كلما ضربتهم الأزمات.
لكن ذلك وحده لا تكفي.
يحتاج العراق إلى مشروع حقيقي، وأي دولة لا تُدار بالمشاريع ستظلّ تتخبط مهما امتلكت من الثروات.

تاسعا : الخلاصة الكبرى.
السياسة ليست فنّ الخداع
وليست لعبة مقاعد
وليست باباً للثراء.
السياسة:
– مسؤولية أخلاقية
– وديعة وطنية
– عقد مع الشعب
– والتزام أمام التاريخ.

ومن خان هذا العقد، سقط ولو بقي في منصبه ألف عام.
ومن خدم وطنه، خلد اسمه حتى لو رحل بعد يوم واحد.

اترك رد