التواصل الاجتماعي في زمن التكنولوجيا : بين القرب الرقمي والبعد الاجتماعي ….د.رافد حميد القاضي

منبر العراق الحر :

في العصر الحديث، أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فقد دخلت كل جوانب حياتنا، من العمل والتعليم إلى الترفيه والتواصل الاجتماعي ومع هذا الانتشار الواسع، ظهرت تغييرات جذرية في طريقة تفاعل الناس مع بعضهم البعض، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو حتى العائلي. فالتكنولوجيا ليست مجرد أداة، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تشكيل العلاقات الاجتماعية الحديثة.

أولاً : التكنولوجيا كوسيلة لتعزيز العلاقات.
على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي تواجه التكنولوجيا، فإن لها دورًا إيجابيًا كبيرًا في توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية فوسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك إنستغرام، وتويتر، بالإضافة إلى تطبيقات المراسلة مثل واتساب وتيليجرام، جعلت من الممكن للناس البقاء على اتصال دائم مع الأصدقاء والعائلة بغض النظر عن المسافات الجغرافية.

ان التواصل المستمر قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة، كان البقاء على اتصال مع الأصدقاء والأقارب يتطلب مجهودًا كبيرًا ووقتًا طويلًا أما اليوم، يمكن إرسال رسالة نصية أو مكالمة فيديو في أي لحظة، مما يعزز الروابط الاجتماعية.

ان إعادة التواصل مع الماضي قد سمحت الشبكات الاجتماعية للأشخاص بإعادة التواصل مع أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة، مما أعاد بناء بعض العلاقات التي كانت ضائعة أو ضعيفة.

توسيع دائرة المعارف خيث يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الأفراد على تكوين صداقات وعلاقات جديدة مع أشخاص يشاركونهم الاهتمامات نفسها، حتى لو كانوا في دول أو قارات مختلفة.

ثانياً: التكنولوجيا وأثرها السلبي على العلاقات.
رغم الإيجابيات، فإن للتكنولوجيا جانبًا مظلمًا في العلاقات الاجتماعية، حيث يمكن أن تؤدي إلى نوع من الانعزال الاجتماعي والشعور بالوحدة.

فالتواصل الرقمي مقابل التواصل الواقعي والاعتماد الكبير على الرسائل النصية والمكالمات عبر الإنترنت يقلل من اللقاءات وجهًا لوجه، وهو ما يؤدي إلى فقدان الحميمية والعمق في العلاقات.

وان ضعف مهارات التواصل الاجتماعي الاعتياد على التواصل الرقمي يجعل بعض الأشخاص أقل قدرة على قراءة تعابير الوجه والإيماءات، وهي عناصر أساسية لفهم المشاعر والتواصل الفعلي.

والإدمان على الأجهزة والشبكات خيث ان كثير من الناس يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف والحواسيب، ما يؤدي إلى تراجع جودة العلاقات الأسرية والاجتماعية المباشرة.

وان المقارنة الاجتماعية والغيرة وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تعرض حياة الآخرين بصورة مثالية، مما يخلق شعورًا بالنقص أو القلق الاجتماعي ويؤثر على الثقة بالنفس والعلاقات.

ثالثاً : التكنولوجيا والعلاقات الأسرية.
ان العائلة هي أكثر المتأثرين بالتكنولوجيا حيث يمكن أن تكون الأجهزة الرقمية سببًا في التباعد بين أفراد الأسرة أو وسيلة لتعزيز الروابط :

_الجانب الإيجابي : يتصمن مشاركة الصور والفيديوهات العائلية، وإجراء المكالمات الجماعية، ومتابعة أخبار الأحفاد، كلها أمور تعزز الترابط بين أفراد الأسرة، خاصة إذا كانوا متباعدين جغرافيًا.

_الجانب السلبي : الإفراط في استخدام الهواتف الذكية أو مشاهدة التلفاز يجعل أفراد الأسرة أقل مشاركة في الأنشطة المشتركة، مما يقلل من الوقت الذي يقضونه معًا ويضعف الحوار الأسري.

رابعاً : التكنولوجيا والعمل والعلاقات الاجتماعية.
أدى انتشار التكنولوجيا في مجال العمل إلى تغيير شكل العلاقات المهنية والعمل عن بعد وأصبح من الممكن اليوم العمل من المنزل عبر الإنترنت، مما يقلل من التواصل المباشر مع الزملاء، لكنه يوفر المرونة ويتيح التوازن بين الحياة العملية والشخصية.

والتعاون الرقمي وبرامج مثل “زووم” و”مايكروسوفت تيمز” جعلت التعاون بين فرق العمل في أماكن مختلفة أكثر سهولة لكنها أيضًا يمكن أن تقلل من فرص بناء علاقات شخصية قوية داخل بيئة العمل.

خامساً : التوصيات لتعزيز العلاقات الاجتماعية في ظل التكنولوجيا.
للاستفادة من التكنولوجيا دون التأثير السلبي على العلاقات الاجتماعية، يمكن اتباع مجموعة من الاستراتيجيات :

1. تحديد أوقات خالية من الأجهزة : مثل تخصيص ساعة أو ساعتين يوميًا للعائلة والأصدقاء بدون هواتف أو حواسيب.

2. الموازنة بين التواصل الرقمي والواقعي واستخدام التكنولوجيا للبقاء على اتصال، لكن الحرص على اللقاءات الفعلية كلما أمكن.

3. التوعية بالآثار النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي: فهم أن ما يُعرض على الإنترنت ليس دائمًا الواقع، وتقليل المقارنات الاجتماعية السلبية.

4. تشجيع الحوار والمشاركة الأسرية وتخصيص وقت للمشاركة في أنشطة مشتركة تعزز الترابط الأسري مثل تناول الطعام معًا أو ممارسة الرياضة أو اللعب مع الأطفال.

5. استخدام التكنولوجيا بشكل هادف واستغلال التطبيقات والأدوات الرقمية لتعزيز العلاقات وليس لإضاعة الوقت أو الانغماس في العزلة الرقمية.

ختاما فان التكنولوجيا هي سيف ذو حدين يمكن أن تكون أداة قوية لتعزيز العلاقات الاجتماعية أو سببًا في تدهورها إذا لم تُستخدم بشكل حكيم وإن وعي الأفراد بمخاطر وفوائد التكنولوجيا، وموازنتهم بين الحياة الرقمية والواقعية، هو السبيل للحفاظ على علاقات اجتماعية صحية وقوية فالمستقبل الاجتماعي يعتمد على كيفية تعاملنا مع هذه الأدوات، وكيفية دمجها في حياتنا بطريقة تعزز الترابط والحميمية، بدلاً من أن تصبح حاجزًا بيننا وبين الآخرين.

اترك رد