منبر العراق الحر :
حين يهدأ كل شيء
ولا يبقى في المكان
سوى جدران تتنفّس
أدرك أن الليل…
لم يأتِ ليغطي العالم
بل ليكشفني…
الظلمة لا تبدأ خارجنا
إنها تكبر في داخلنا
تتمهّل في اتساعها
حتى تتيح للصدق
أن يظهر….
حين يهبط الليل
تتخلّى الوجوه
عن أقنعتها…
وتظهر تلك الملامح
التي كنّا نمرّ بها نهارًا
دون أن نلتفت…
وأجلس مع نفسي
كغريبٍ يجلس
إلى حقيبته…
في محطةٍ لا يعرف
متى سيغادرها…؟
هناك…
في تلك المساحة
المعتمة من الروح
تتكدّس الذكريات
بلا ترتيب…
ولا تأتي…
كحكايات مكتملة
بل شظايا متناثرة
أصوات مبتورة
وخطواتٍ رحلت
بلا أصحاب
تظل تتردد
في داخلي…
الغياب…
لا يطرق الباب
يدخل فجأة
ويعيد تشكيل المكان…
يأخذ كرسيه
ويضع صورته
في القلب…
ثم يجلس صامتًا
كأنه صاحب البيت
والغياب مجرد
ضيف مؤقت…
أحبّ الظلمة
لأنها لا تطلب تفسيرًا
ولا تفرض بطولة زائفة
وفي صمتها أجد نفسي…
لا أسمح لروحي
أن تتعب علنًا
ولا أن تبكي
دون مبرر
فأنا أؤمن
أن روحي
تملك دائمًا
من القوة ما يكفي للاستمرار…
الحنين ليس
ذكرى عابرة
بل طقس مستمر
يمارس سلطته بهدوء
كما لو كان
ريحًا خفية
تسكن بين الضلوع
وتعيد ترتيب العالم
من الداخل…
كل اسمٍ مرّ
في حياتي
ترك أثره…
على رمال روحي
وأصبحت خطواتي
بعدها تمشي…
على خيوط ذكراه…
وكل أثرٍ
صار طريقًا
يلتف حول
صمت الليل
يعود بي…
إلى نفسي
إلى الزوايا
التي لم تكتشف بعد
والحروف التي لم تُكتب
والمسافات التي تنمو
بين قلبي والكون…
كل طريقٍ يذكرني
بأنني أنا…
الذي جمع الأسماء
وحفظ الأثر
وحوّل الرحيل
إلى حضور دائم
وحوّل كل وداع
إلى باب…
يفتح على الفجر…
هكذا أظل أمشي
أمسك بأسماءٍ ذهبت
أجمع أثارها
على صدري
وأعيد ترتيب
نفسي من جديد
حتى أصير الطريق
وأصير الأثر
وأصير أنا…
أحيانًا أشعر
أن قلبي كتاب قديم
صفحاته من سنوات
وحواشيه مكتوبة
بأسماء الذين غابوا
دون أن يكتمل وداعهم…
وكل اسمٍ هناك
يهمس في صمت الورق
يذكرني بأن الرحيل
لا يغلق الأبواب
وأن الغياب
يحفر طرقًا
تعود بي دائمًا
إلى نفسي…
كلما فتحت الكتاب
اشتعلت داخلي
مرايا بعيدة
تعكس وجوهًا
لم تعد هنا
لكنها ما زالت تسكنني
تهمس بصمتها
في زوايا قلبي
كظلٍ لا يغادر الروح…
في كل مساء
تغيب الشمس
من عيني
وتترك خلفها
فراغًا دافئًا
أحاول أن أضيئه
بالصبر…
وبهمسات الذكريات
وبنور صغير يخفف
الشوق الصامت…
أتعلم أن الصبر
ليس انتظارًا
بل شجاعة هادئة
تواجه ما لا يمكن تغييره
بهدوء النفس
وبنور داخلي لا يفنى…
أحيك من الغروب
خيوطًا غير مرئية
وأمدّها في صدري
شبكة تحفظ أثر
من أحببتهم
لتبقى معهم
حتى وإن غابوا
عن عيني…
أعرف أنها
لن تعيد يوما
لكنها تمنحني
وهمًا جميلًا
بأن شيئًا ما
ما زال يربطني بهم
بخيوط لا تُرى
تظل حية في قلبي…
أنادي الغائبين
لأتأكد أن أصواتهم
لم تمت داخلي
أترك أسماءهم
تسافر في الليل
وأثق أن الظلمة
تفهم لغتنا أكثر
من الضوء…
أسأل عنهم بصمت :
كيف يعيشون الآن ؟
أي تعب يرافقهم ؟
هل يتذكرون ؟
تفاصيل صغيرة
كنا نظنها عابرة
ثم اكتشفنا
أنها كانت
جوهر الحياة…
هذه الليلة
تشبه الليالي
التي سبقتها
والتي ستليها
وحين أغمض عيني
أجدهم معي
في صمت الروح…
الصور نفسها
والحنين ذاته يتجدد
كأنه لا يعرف التعب
ويعود دومًا
ليزرع في قلبي
نورًا خافتًا
من الماضي…
أرتّب حزني
في الظلمة
كما يرتّب المصلي دعاءه
وأترك فسحةً صغيرة للأمل
لأنه يمسك الروح
قبل أن تنحدر
نحو الانهيار الكامل…
وحين يثقل كل شيء
أغلق عيني
ليس هروبًا
بل بحثًا عن مكان
لا يخضع للزمن
ولا تُقاس فيه الخسارات…
ربما في الحلم
نلتقي بلا شروط
بلا ميزانٍ للخذلان
ونفهم بعضنا
كما لم نفعل
في يقظتنا المرتبكة…
هذه الليلة
كما كل ليلة
الليل صديق
والغياب حاضر
وأنا أتعلم ببطء
كيف أعيش
حين يصير
الليل وطنًا…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر