رسالة مجتبى الثانية: بين خطاب “أمّ القرى”… وطمأنةٍ غائبةٍ للجوار العربي…الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

إعادة تفعيل نظرية “أمّ القرى” في زمن الحرب…واختبارها على جغرافيا لا تثق بالمركز

⏺️️ المقدّمة:

 

في لحظات الحرب، لا تُقاس الخطابات بما تقوله… بل بما تكشفه عمّا يُراد أن يكون.

 

ليست رسالة مجتبى الثانية مجرد خطاب سياسي في زمن حرب، بل هي إعادة إعلان صريح لموقع إيران في معادلة العالم الإسلامي:

مركزٌ يرى نفسه مؤهلاً للقيادة…

لا بوصفها خيارًا، بل بوصفها حقًا.

 

هذا الادعاء ليس جديدًا،

بل هو امتداد مباشر لنظرية “أمّ القرى” التي صاغت طهران من خلالها تصورها لنفسها كقلبٍ يدير الأطراف، حيث لا تُقرأ السياسة بوصفها توازن مصالح، بل بوصفها امتدادًا لوظيفة “الولاية” التي تتجاوز الدولة إلى الأمة.

 

لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا التصور من إطارٍ نظري إلى سلوكٍ سياسي،

لا ينتج طمأنينة… بل يراكم القلق.

 

في هذا السياق، لا يمكن قراءة رسالة مجتبى بوصفها خطابًا ظرفيًا، بل بوصفها إعادة تفعيل لعقيدة “أمّ القرى” في لحظة حرب،

حيث تعود إيران لتقديم نفسها كمركز قرار في الفضاء الإسلامي، قادر – وفق هذا المنطق – على التدخل، التوجيه، وحتى إعادة ترتيب الخلافات بين دول، وكأن الشرعية لا تُستمد من الجغرافيا أو السيادة، بل من موقع “المركز”.

 

هنا تحديدًا يظهر التناقض الأخطر:

 

كيف يمكن لمن يرى نفسه قائدًا للعالم الإسلامي أن يعجز عن طمأنة أقرب الدوائر إليه؟

 

كيف يمكن لـ”أمّ القرى” أن تطلب الاعتراف بقيادتها،بينما جوارها المباشر – خصوصًا في الخليج – لا يرى في سلوكها سوى مصدر تهديد؟

 

المسألة لم تعد مسألة خطاب،

بل مسألة ثقة مفقودة.

 

فدول الخليج، بوصفها الحاضنة الجغرافية والرمزية لأقدس مركزين في العالم الإسلامي،

لا تنظر إلى القيادة بوصفها إعلانًا سياسيًا،

بل بوصفها سلوكًا يضمن الاستقرار ويحترم التوازن.

 

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة:

هل يمكن لمشروع “أمّ القرى” أن يستمر في تقديم نفسه كقيادة للعالم الإسلامي،

في الوقت الذي يفشل فيه في طمأنة أقرب الجيران؟

 

 

 

 

1️⃣ التناقض البنيوي: مركزٌ بلا طمأنينة

 

لكن اللحظة الأخطر لا تكمن في هذا الادعاء بحد ذاته، بل في الفجوة التي يكشفها الواقع.

 

إيران التي تعلن نفسها مركزًا للأمة،

تعجز في الوقت نفسه عن إنتاج الحد الأدنى من الطمأنينة في جوارها المباشر.

 

وهنا يتكسر الخطاب على صخرة الجغرافيا.

 

فدول الخليج – التي تمثل العمق الديني والرمزي للعالم الإسلامي، بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين –

لا يمكن أن تُعاد صياغة موقعها كـ”هامش” في مشروع يرى نفسه “مركزًا”.

 

ومن هنا يتشكل التناقض البنيوي:

• مشروعٌ يعلن قيادة العالم الإسلامي

• في مقابل واقعٍ إقليمي لا يثق بهذه القيادة

• وخطابٍ يتحدث عن وحدة الأمة

• مقابل سلوكٍ يُنتج قلق الجوار

 

 

 

 

2️⃣ جوهر الإشكال: منطق “أم القرى” وحدود الجغرافيا

 

في جوهرها، لا تتعامل إيران مع جوارها العربي – خصوصًا الخليجي – بوصفه شريكًا في الحضارة أو التوازن،

بل بوصفه مساحة اختبار لمصداقية المركز.

 

ولهذا، فإن مسألة “طمأنة الخليج” لا تبدو أولوية حقيقية في هذا السياق، لأن الطمأنة تعني الاعتراف المتبادل، بينما منطق “أم القرى” يقوم على اتجاه واحد:

مركز يقود… وأطراف تتكيّف.

 

لكن ما تغيّر اليوم هو أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتمرير.

 

فالحرب الحالية كشفت أن الجوار العربي

لم يعد مستعدًا للعب دور “الامتداد الصامت” في مشروع لا يراعي حساسياته الأمنية ولا توازناته الاستراتيجية.

 

بل أكثر من ذلك، فإن أي ادعاء بقيادة العالم الإسلامي، دون القدرة على طمأنة قلبه الجغرافي والديني،يتحول من مشروع قيادة… إلى أزمة شرعية.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر حدة وخطورة:

 

هل يمكن لنظرية “أمّ القرى” أن تستمر كإطار لقيادة العالم الإسلامي، في زمنٍ لم تعد فيه الأطراف تقبل أن تكون مجرد أطراف؟

 

أم أننا أمام لحظة انكشاف،حيث يصطدم “مركز العقيدة” بـ”حقائق الجغرافيا”؟

 

 

 

 

3️⃣ إيران vs إسرائيل: صراع مركزين… وأمريكا تحدد السقف

 

إذا كان خطاب مجتبى يعيد طرح إيران كمركز يقود العالم الإسلامي وفق منطق “أم القرى”،

فإن إسرائيل – في المقابل – لا تقدم نفسها كجزء من الإقليم، بل كقوة تعيد تعريفه.

 

نحن هنا لا أمام صراع تقليدي،

بل أمام تنافس بين مشروعين على احتكار تعريف الشرق الأوسط نفسه:

• مشروع إيراني يرى المنطقة امتدادًا لعقيدة وفضاء نفوذ

• ومشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة هندسة الإقليم أمنيًا وتكنولوجيًا كقوة فوق-إقليمية

 

لكن الخطأ الأكبر في قراءة هذا الصراع،

هو التعامل معه كمعادلة ثنائية.

 

الحقيقة الأثقل: لا إيران ولا إسرائيل تملكان وحدهما حق رسم النهاية.

 

 

 

 

4️⃣ الفاعل الحاسم: واشنطن وإدارة السقف

 

في قلب هذا المشهد، تقف الولايات المتحدة

ليس كطرف في الحرب، بل كـ الجهة التي تحدد سقفها، وتمنع انزلاقها أو تسمح به.

 

واشنطن لا تنافس على تعريف “الهوية” كما تفعل طهران، ولا تسعى إلى احتكار “المجال الحيوي” كما تفعل تل أبيب، بل تدير اللعبة من مستوى أعلى:

 

من يربح؟ ليس الأهم.

من لا يُسمح له أن يخسر بالكامل؟

هذا هو القرار الحقيقي.

 

ولهذا نرى مفارقة لافتة:

• إيران تُضرب… لكنها لا تُسقط

• إسرائيل تتقدم… لكنها لا تُترك بلا قيود

• المنطقة تشتعل… لكن دون الوصول إلى الانفجار الشامل

 

هذا ليس توازن قوة تقليدي،

بل توازن مُدار.

 

 

 

 

5️⃣ الربط مع الخليج والعراق

 

في هذا السياق، يصبح موقع الجوار العربي – خصوصًا الخليج والعراق – أكثر تعقيدًا:

 

فهو ليس جزءًا من مشروع “أم القرى”،

ولا من المشروع الإسرائيلي،

وفي الوقت نفسه لا يملك رفاهية الخروج من المظلة الأمريكية.

 

وهنا تظهر الحقيقة التي لا تُقال غالبًا:

 

الجوار العربي ليس خارج الصراع…

بل هو الساحة التي يُختبر فيها توازن هذه المشاريع.

 

ولهذا، فإن طمأنة الخليج ليست مجرد ملف جانبي، بل هي اختبار مباشر لقدرة إيران على التحول من مشروع عقائدي توسعي

إلى فاعل إقليمي يمكن الوثوق به.

 

 

 

 

6️⃣ أين العرب؟ بداية السؤال المؤجل

 

لكن السؤال الذي يتقدم الآن، وبصوت أعلى مما كان عليه في بداية الحرب:

أين العرب في هذه المعادلة؟

 

ما جرى خلال هذه المواجهة لم يُقرأ فقط بوصفه صراعًا بين إيران وإسرائيل،

بل كاختبار فعلي لمعادلة التحالفات التي تشكلت منذ عقود، خصوصًا تلك التي قامت على افتراض أن المظلة الغربية – الأمريكية والأوروبية – تشكل ضمانة نهائية لأمن الخليج.

 

اليوم، ومع تزايد الانطباع في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الخليجية بأن واشنطن

أدارت الصراع بما يحفظ أمن الشريك الإسرائيلي أولًا، دون تقديم مستوى مماثل من الالتزام تجاه أمن الحلفاء الخليجيين،

بدأ يتشكل – تدريجيًا – نقاش أكثر جرأة:

 

هل ما زالت معادلة الحماية التقليدية كافية؟

أم أن المنطقة تتجه نحو البحث عن ترتيبات أمنية جديدة؟

 

 

 

 

7️⃣ نحو “ناتو خليجي”؟ الطموح وحدود الواقع

 

في هذا السياق، تعود إلى الواجهة أفكار كانت تُطرح سابقًا بهدوء،

لكنها اليوم تُناقش بجدية أكبر:

• بناء إطار أمني خليجي -إقليمي أكثر استقلالًا

• أو تطوير صيغة أوسع قد تشمل قوى إسلامية كتركيا وباكستان

• وصولًا إلى ما يُشبه – نظريًا – “ناتو عربي أو إسلامي”

 

لكن هذه الطروحات، رغم جاذبيتها السياسية والشعبية،

تصطدم بحقائق أكثر تعقيدًا:

 

فالأمن في الشرق الأوسط لم يعد يُبنى فقط على التحالفات، بل على توازنات دقيقة بين قوى كبرى لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

 

ولهذا، فإن ما نشهده اليوم ليس تحولًا نهائيًا،

بل بداية إعادة طرح للسؤال الاستراتيجي العربي:

 

كيف يمكن بناء قدر من الاستقلال الأمني،

دون الدخول في مواجهة مع منظومة دولية ما زالت تمسك بمفاتيح التوازن؟

 

وهنا، ربما تكون المفارقة الأوضح:

 

العرب لم يعودوا يريدون أن يكونوا مجرد ساحة،

لكنهم لم يتحولوا بعد إلى قوة قادرة على فرض معادلة بديلة.

 

 

 

 

⏺️ الخاتمة

 

في هذه اللحظة تحديدًا،

لا تُكتب التحليلات بهدوء،

بل تُكتب على وقع الصواريخ…

وعلى إيقاع سوق نفط يقفز نحو 120 دولارًا،

وعلى أنفاس منطقة تترقب ضربة قد تغيّر كل شيء.

 

جزيرة خرج ليست مجرد هدف عسكري،

بل اختبار لإرادة التصعيد:

هل ستبقى الحرب ضمن حدودها الحالية،

أم أننا أمام انتقالٍ صريح إلى ضرب الشريان الاقتصادي؟

 

في السماء، صواريخ…

وفي البحر، أساطيل…

وفي غرف القرار، صمتٌ أثقل من أي بيان.

 

الجميع يتحرك،

لكن لا أحد يتكلم بوضوح.

 

إيران تقاتل لتثبت أنها لا تُكسر،

إسرائيل تضرب لتؤكد أنها لا تُردع،

وأمريكا تدير المشهد لتمنع الانهيار الكامل… دون أن توقف النار.

 

أما الجوار،

فيقف على حافة السؤال الأصعب:

هل نحن خارج المعركة… أم في قلبها دون إعلان؟

 

في مثل هذه اللحظات،

لا تُحسم الحروب بالضربة الأولى،

بل بالضربة التي تغيّر القواعد.

 

والمنطقة الآن…

تقف تمامًا قبل هذه الضربة.

 

🔻 الضربة الأخيرة

 

في الشرق الأوسط الجديد،

لم تعد الحرب احتمالًا…

بل مسارًا بدأ،

وقد لا يملك أحدٌ حق إيقافه.

اترك رد