الوطن المخادع، أو رثاءٌ لأهل البصرة! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
سألتُ الفنان فؤاد سالم عند عودته إلى العراق، فقال: ليس هذا العراق الذي تغرّبتُ من أجله، وغنّيتُ له!
أمس كانت الذكرى السنوية لوفاته عام 2013؛ وهنا استذكارٌ للبصريّ الجميل.
تُكرِّر البصرةُ خيبتَها في وداع أبنائها، وتستكمل ما تأخّر من رحلة الغريب على الخليج.
فؤاد سالم يختبئ هربًا من وجع السنين؛ يرحلُ بلا تأشيرة وداع لشطّ العرب، ولا لـ«البَلَم العشائري» إذ كان يتبختر في ذلك الغدير الساحر.
الآن، من يسقي عطشَ الفاو؟
من يأتي بالماء الصالح للحياة؟
من يوقف الرصاص لتبدأ أسراب الحمام دورانها في فضاءات البصرة؟
من يمنح حلاوتَه لنهر خوز؟ وكيف ينضج الرطب في أبي الخصيب بعد موت النخيل؟
نساءُ البصرة ما زلن يعانقن خشبةَ عليّ بن محمد، يرتّلن النشيدَ المبثوث عبر الأزمنة، والشاهدُ أنتَ يا شطّ العرب!
{استحلفكنَّ بناتِ البصرة،
إنّا لا نؤمن أن نُخدع فوق خديعتنا الأولى،
أن تكذبَ هذه المرأةُ، فالبحرُ هزيمتنا الأخرى} *1
فؤاد سالم، الراحلُ الغريب، هل كان يكتب المقطع الأخير من أنشودة الموت البصري؟
من يهدي الطيور إلى أعشاشها، يا «عشقَنا» المرّ؟
كان فؤاد يئنّ بأرض الشام، ويُلوِّح للغائبين؛
أحفادُ الأصمعيّ والحسنِ البصريّ،
تركنا اللغةَ في غربتنا، وصرنا نُومئ بالأغاني:
{عمي عمي يا أبو مركب، يا أبو شراع العالي،
بالهوى يرفرف قميصك، والهوى أشدُّ عالي} *2
من قال لك: أبحِرْ هذه الساعة؟
من قال للغربة أن تستوطن أحلامك؟
يا أهلَ البصرة، كيف تركتم فؤاد يرحل قبل أن يودّع «عيون الحبايب»؟
كيف تركتم الأخضرَ بن يوسف يكتب حنينه على غيمةٍ بيضاء راحلة نحو السماء الأولى، وقصّةٍ قصيرة لم يكتبها محمد خضير ، بل تجاور قبر ماركس؟
كيف تتركون الأخضرَ الأخير وحيدًا في مقابر الغربة؟
يا سبايا النفط والثورات والمنعطفات والدولار والخديعة!
يقول فؤاد: إنه وطنٌ آخر، ليس الذي غنّيتُ له وتشرّدتُ من أجله!
ما عاد الحنين يملك غير وداع شطآن البصرة.
«عمي عمي يا أبو مركب، يا أبو شراع العالي،
بالهوى يرفرف قميصك، والهوى اشكد عالي».
* (1) مقطع من قصيدة «انتظريني عند تخوم البحر» للشاعر يوسف الصائغ.
* (2) مقطع من أغنية للفنان فؤاد سالم

اترك رد