منبر العراق الحر :كان ذلك اليوم الشتويّ أشبه بزيارةٍ مفاجئة من السماء،
حين قرّرت أن تنحني قليلًا نحو الأرض
وتهمس في أذنها كلامًا لا يسمعه إلا من تعلّم الإصغاء للصمت.
المطر لم يكن قطرات…
كان خطواتٍ شفّافة تمشي على ظهر العالم،
تُعيد له ذاكرته الأولى،
وتغسل عنه ما علق به من تعبٍ لا يُرى.
كانت كل قطرة تنزل كأنها اعتذارٌ صغير من الغيم،
وعناقٌ مؤجل للأرض التي انتظرت طويلًا،
فارتفعت رائحة التراب كروحٍ أُعيد إليها نبضُها بعد غياب.
الأشجار بدت ككهنةٍ في طقسٍ سماوي،
ترفع أغصانها نحو المطر
كأنها تتلقى بركةً من بعيد،
والطرقات تحوّلت إلى مرايا
تعكس وجه السماء وهي تتخلى عن حزنها قطرةً قطرة.
حتى الهواء كان مختلفًا،
يمشي بين الناس بملمسٍ ناعم
كأنه يريد أن يقول شيئًا لا يُقال بالكلمات،
شيئًا عن بداية جديدة،
أو عن قلبٍ كان مُغبرًّا وها هو يُغسل بهدوءٍ ورِفق.
كان المطر في ذلك اليوم
ليس حدثًا… بل معنى،
ليس طقسًا… بل رسالة،
جاء ليُعيد ترتيب العالم،
ويُطفئ الضجيج في داخلنا،
ويجعل الروح تشعر – ولو لبرهة –
أن كل شيء يمكن أن يُولد من جديد
إذا مرّت عليه يد السماء.
مذ علقت شال أحلامي
على كتف اليقظة
والليل مفتوح
على نوافذ مغلقة
لا ضوء يبتسم لمرآتي الصامتة
لا بريق يتسلل إلى غرفة القلب
مشيت على ظلي
أقرع فوق رأسه
ناقوس الختام
أشعل أضواء ذاكرتي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر