منبر العراق الحر :
أعلنت الولايات المتحدة عبر بيانات رسمية ومراسم إعلامية محسوبة أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته أصبحا « مطلوبين للعدالة » في صيغة توحي وكأن القبض قد تم رغم أن الواقع القانوني الدولي يؤكد أنهما ما زالا في سدة الحكم ويتمتعان بحصانة سيادية كاملة وفقًا لقواعد القانون الدولي العام غير أن خطورة الإعلان لا تكمن في مضمونه الجنائي بقدر ما تكمن في دلالته السياسية فهو لا يعكس مجرد ملاحقة قانونية بل يكشف عن تحول عميق في بنية النظام الدولي تحول تُعاد فيه صياغة مفهوم السيادة وتُرسم عبره خرائط القوة وتُختزل العدالة من قيمة كونية إلى أداة هيمنة ولم يكن اختيار فنزويلا اعتباطيًا ولم يكن مادورو مجرد رئيس دولة تُثار حوله اتهامات بل كان عنوانًا لمشروع سياسي رافض ومثالًا لدولة قررت أن تقف خارج الطاعة الأميركية وأن تعيد تعريف علاقتها بالقوة المهيمنة وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم لكنها اختارت خطاب السيادة بدل الاندماج القسري والتحالف مع خصوم واشنطن بدل الارتهان فدفعت ثمن ذلك حصارًا اقتصاديًا خانقًا وعزلة دبلوماسية ممنهجة ومحاولات متكررة لإعادة هندسة السلطة من الداخل عبر معارضة مدعومة خارجيًا وفي هذا السياق يتحول الرئيس من فاعل سياسي إلى “تهديد” وتتحول الدولة من كيان سيادي إلى “هدف” ويُعاد تشكيل الحقيقة القانونية لتصبح أداة سياسية قابلة للتوظيف.
الملفات المعلنة بحق مادورو من غسيل الأموال إلى الاتجار بالمخدرات لا يمكن قراءتها بوصفها لوائح جنائية معزولة عن السياق بل بوصفها رسائل استراتيجية موجهة إلى ما هو أبعد من فنزويلا إنها إشارات تحذير لكل دولة تفكر في كسر قواعد الطاعة ولكل نظام سياسي يعتقد أن بإمكانه الخروج عن الخطوط الحمراء المرسومة مسبقًا ولكل حاكم يراهن على الشرعية الشعبية أو الموارد الوطنية بدل الشرعية المفروضة من الخارج فالقانون الدولي الذي يقر صراحة بحصانة رؤساء الدول أثناء ممارستهم لمهامهم، يتحول هنا إلى نص مرن، يُمدّ أو يُقلّص وفق ميزان المصالح ولم تعد العدالة قيمة محايدة بل أصبحت سياسة ولم تعد المعايير متساوية بل انتقائية بامتياز : يُعفى الحليف مهما كانت سجلاته ويُجرّم الخصم مهما كانت ذريعته وفي هذا النموذج يتحول القانون من إطار ضابط للصراع إلى أداة لإدارته ومن مرجعية أخلاقية إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ على مستوى العالم.
أما استهداف زوجة مادورو بالعقوبات المباشرة وتجميد الأصول فيكشف منطقًا أكثر شمولية وخطورة حيث لا يُستهدف الفرد بوصفه فاعلًا سياسيًا فقط بل يُستهدف محيطه العائلي والرمزي في محاولة لتفكيك بنية النظام من الداخل وتجريده من أي غطاء اجتماعي أو أخلاقي إنها سياسة العقاب الكلي التي لا تميز بين الدولة وممثليها، ولا بين السلطة ومحيطها بل تسعى إلى تحويل الكيان السياسي بأكمله إلى حالة حصار دائم وإلى تجريم أي شكل من أشكال المقاومة بوصفها انحرافًا عن “النظام الدولي”
غير أن الأخطر في هذه القضية لا يكمن في شخص مادورو ولا في الحالة الفنزويلية بحد ذاتها بل في النموذج الذي تؤسسه هذه السابقة.
فنزويلا هنا ليست إلا مختبرًا سياسيًا تُختبر فيه حدود القوة، ويُقاس فيه مدى قابلية السيادة الوطنية للتآكل فالدول التي تمتلك موارد استراتيجية من نفط وغاز وممرات حيوية والتي ترفض الاندراج التلقائي ضمن دائرة النفوذ الأميركي تصبح عرضة لهذا النوع من الاستهداف المركّب حيث تتحول العدالة إلى سيف مسلط بينما يمر الحلفاء بلا مساءلة مهما بلغت انتهاكاتهم والقاعدة الجديدة التي تتشكل بصمت تقول إن الطاعة هي معيار الشرعية الحقيقي لا الديمقراطية ولا القانون ولا إرادة الشعوب والطاعة وحدها تضمن بقاء الأنظمة، وتحمي الرؤساء، وتمنح الدول “حق” الوجود الآمن داخل النظام الدولي.
ما يجري اليوم يعيد صياغة معنى السيادة من جذوره ولم يعد الرئيس محميًا بحدود دولته ولم تعد الدولة محمية بقانون دولي ثابت بل صار الجميع قابلين للإدراج على لوائح الاتهام السياسية تحت مسميات قانونية والتهديد لم يعد عسكريًا فقط بل قانونيًا واقتصاديًا ورمزيًا يبدأ بإعلان “المطلوبية”، ويمر بتجميد الأصول، ولا ينتهي عند عزل الدولة عن النظام المالي العالمي وبعد فنزويلا لن يكون السؤال عن مصير مادورو بل عن مصير كل دولة ترفض الاصطفاف وكل نظام يصر على تعريف شرعيته بنفسه وكل شعب يطالب بأن تكون سيادته غير قابلة للمساومة.
في المحصلة ما حدث مع فنزويلا ليس حادثة عابرة بل إعلان غير مكتوب عن بداية مرحلة جديدة في النظام الدولي مرحلة تتحكم فيها القوة الكبرى بمصائر الدول والسيادة وتُعاد فيها صياغة مفاهيم العدالة والشرعية والقانون والعدالة هنا لم تعد قيمة مستقلة بل أصبحت أداة ضغط وسلاحًا استراتيجيًا وبطاقة تحذير ورسالة تحكمية لكل من يجرؤ على الخروج عن المسار المرسوم وكل دولة تمتلك إرادة مستقلة، كل شعب يطالب بحرية القرار كل نظام يرفض الامتثال سيجد نفسه أمام هذه الآلية المحكمة : تُجرّم رموزه تُعزل اقتصادياته يُستهدف محيطه السياسي وتُفكك روايته التاريخية لتصبح صفحة قابلة للتعديل وفق مصالح القوة الكبرى.
إن الخطر الأكبر ليس فقط في احتمال اعتقال أو محاكمة شخصية معينة بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقانون الدولي فالسيادة لم تعد حدودًا جغرافية ولم تعد حصانة للسلطة الوطنية بل أصبحت امتدادًا لمستوى النفوذ الذي تستطيع قوة كبرى فرضه على العالم وفي هذا النظام الجديد كل رئيس دولة معرض لأن يُعلن “مطلوبًا” وكل بلد معرض أن يُجرّم عبر الإعلام والعقوبات وكل شعب معرض لأن يُقيد في خياراته السياسية والاقتصادية ليس فقط لأن القانون الدولي هزيل بل لأن القوة السياسية تستخدم القانون أداة لممارسة الهيمنة وتجعل من العدالة غطاءً للهيمنة ومن النظام الدولي منصة لتوسيع النفوذ.
وبهذا تصبح تجربة فنزويلا نموذجًا يُراد منه تعليم العالم درسًا مزدوجًا :
أولًا : أن أي استقلال سياسي حقيقي صار مكلفًا أكثر من أي وقت مضى
ثانيًا : أن أي تحدٍ مباشر لمركز القوة المهيمنة سيقابَل بتحويل القانون والعدالة إلى أدوات لإعادة فرض السيطرة وتحويل التهديد إلى واقع ملموس يُحسب لكل دولة وكل رئيس وكل رمز سياسي وفي هذا العالم لن يكون السؤال عن الشرعية الديمقراطية أو عن إرادة الشعب أو عن القانون الدولي بل السؤال عن من يملك القوة ومن لا يملك ومن يستطيع الطاعة ومن يرفضها ومن سيبقى ومن سيصبح عبرة للعالم وعند هذه النقطة ندرك أن التاريخ السياسي لم يعد يُصاغ عبر الانتخابات أو الصراع الداخلي أو إرادة الشعوب فقط بل يُصاغ عبر لوائح الاتهام المعلنة العقوبات الاقتصادية وتجميد الموارد وفرض الرأي الدولي الأحادي ليصبح كل تاريخ دولة وكل نظام سياسي مجرد صفحة تُكتب بيد من يمتلك القدرة على توجيه التهم وتحديد من يعيش ومن يُراد إسقاطه ومن يبقى رمزًا للاستقلال ومن يصبح عبرة للعالم في هذه المرحلة لم تعد السيادة مجرد حق طبيعي بل امتياز مشروط، لم تعد العدالة سوى بطاقة ضغط ولم تعد الشرعية سوى مرآة تعكس مصالح من يملك القوة ومن يقرر أن القانون الدولي ليس قاعدة ثابتة بل أداة لإعادة توزيع العالم وفق مصالحه ولإعادة رسم التاريخ السياسي وفق حساباته الخاصة.
وعندها فقط ندرك أن كل دولة وكل حاكم وكل شعب أصبح على لائحة الانتظار ليس فقط لأنهم ضعفاء بل لأن النظام الدولي نفسه صار يُدار بمنطق القوة المطلقة حيث تُصنع الحقوق بالقوة وتُفرض الواجبات بالخطر ويصبح البقاء مرهونًا بالانصياع والرفض يعني العقاب والاعتماد على العدالة الدولية يعني الانتظار بلا أمل لأن العدل لم يعد معيارًا عالميًا بل امتدادًا لمصالح من يملك القدرة على فرض إرادته على الجميع.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر