لا تجادل الظل… فالنور لا يحتاج شهادة أحد…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليس كل صمتٍ هزيمة، ولا كل انسحابٍ انكسارًا فثمّة معارك خُلِقَت لتُخاض وأخرى خُلِقنا لنتجاوزها دون أن نرفع سيفًا أو نُشهر كلمة وهناك ساحات لا يليق بالعقل أن يقف فيها طويلًا لأن الوقوف ذاته اعترافٌ ضمني بقيمةٍ لا تستحق ومن بين تلك الساحات مجادلة أهل العناد العقيم؛ أولئك الذين لا يدخلون الحوار بحثًا عن الحقيقة، بل هربًا منها، ولا يرفعون أصواتهم ليصلوا، بل ليغطّوا على خوائهم الداخلي.

إن الجهل ليس نقصًا في المعرفة فحسب بل هو حالة مقاومة شرسة للفهم، تمرّ الحقيقة أمامه عاريةً واضحة فيشيح بوجهه لا لأن عينيه لا تريان بل لأن قلبه لا يريد أن يعترف والجهل ليس فراغًا بريئًا بل امتلاءٌ بالضجيج امتلاءٌ بالرأي المسبق وبالغرور الذي يجعل صاحبه يظن أنه بلغ الغاية فلا يعود يرى في الطريق إلا انعكاس صورته.

الجهل جدارٌ سميك لا تهزّه الحُجج ولا تتسلّل إليه البصيرة ولا تخترقه شفافية المنطق وحين تدخل في جدالٍ مع من يرفض أن يرى النور فأنت لا تقف أمام عقلٍ تحاول إقناعه بل أمام فراغٍ نشط، فراغٍ يبتلع صوتك ويعيده إليك مشوّهًا، كأنك تصرخ في بئرٍ بلا قاع تسمع صداه لكنك لا تصل إلى أحد ولأن الحياة قصيرة ولأن القلب أيضًا له عمرٌ محدود لا يحتمل النزيف اليومي فإن أول خطوة في حماية صحتك النفسية والعقلية هي أن تختار معاركك بحكمة فما أكثر الذين يمشون بين الناس بوجوه البشر وقلوب الغبار يتجادلون لا ليقتربوا من الحقيقة بل ليبتعدوا عنها بطريقةٍ أكثر ضجيجًا لا يريدون الفهم بل يريدون الانتصار ولا يبحثون عن المعنى بل عن الغلبة، ولو كانت على حساب عقولهم.

التوقّف عن مجادلة من يخاصم الحقيقة بلا وعي ليس ضعفًا بل هو لحظة نضج داخلي لحظة تدرك فيها أن قيمتك لا تُقاس بعدد الكلمات التي تنطقها ولا بعدد الخصومات التي تنتصر فيها وأحيانًا يكون الارتفاع الحقيقي هو أن ترفض النزول إلى مستوى لا يشبهك لأن العقل حين يهبط إلى ساحة الصغار يتلوّث بالغبار الذي يذرونه ويخسر من صفائه أكثر مما يربح من صراخهم.

ليس كل من يخالفك يستحق أن تُقنعه وليس كل من يستفزك يستحق أن تردّ عليه بعض الناس لا يجادلون الفكرة بل يجادلون وجودك ذاته وكأن هدوءك يُشعرهم بالنقص واتزانك يفضح اختلالهم وهؤلاء مهما شرحت لهم سيحوّلون كلامك إلى مادة جديدة للعناد لأن المشكلة لم تكن يومًا في وضوح الفكرة بل في استعدادهم للاعتراف بها.

وأحيانًا يكون الصمت أشجع من الكلام والابتعاد أعمق من المواجهة وحفظ الكرامة أسمى من تسجيل انتصاراتٍ صغيرة لا تغيّر شيئًا في ميزان الوعي وإنك حين تبتعد عن الأحمق لا تترك له الساحة ليرقص وحيدًا بل تترك له مرآته؛ ليرى—إن استطاع—كم يبدو هشًا وهو يصرخ بلا فكرة وكم يبدو فارغًا وهو يلوّح بانتصاراتٍ وهمية.

العقلاء لا يضيّعون أعمارهم في شرح الضوء لمن قرر أن يغمض عينيه ولا يهدرون طاقاتهم في كتابة الحق لمن اختار أن يصادق الباطل ولأن بعض الناس لا يريدون الحقيقة أصلًا يريدون الضجيج ويريدون أن يُسمَع صوتهم لا أن يُفهَم قولهم ويريدون الإحساس بالوجود عبر الصدام لا عبر المعنى وهؤلاء، مهما طال الحوار معهم لن تزرع في أرضهم زهرة ولن تقطف من جدالهم ثمرة.

فاحفظ نورك من أن يُهدر على ظلامٍ يرفض أن ينقشع.واحفظ هدوءك من أن تنفذه على صدورٍ غليظة لا تعرف معنى السكينة واحفظ قلبك من أن يتلوّث بمجادلاتٍ لا تُضيف لعقلك معرفة بل تسرق من روحك طمأنينتها قطعةً قطعة وليس كل نقاش فرصة وليس كل سؤال بابًا فبعض الأبواب خُلِقَت لتظلّ مغلقة والتوقّف عن مجادلة معاند الحقيقة ليس نهاية موقف بل بداية موقف أعمق مجادلة النفس عمّا تستحقه حقًا عن حقّها في الراحة وفي الكرامة وفي سكينةٍ لا يشوبها صراخ الخارج.

حين تنتصر لصحتك النفسية تنتصر للحكمة التي في داخلك وحين تختار الصمت في موضعه ترتقي فوق كل ضوضاء لا يليق بك أن تكون جزءًا منها فالنور لا يجادل الظل ولا يبرّر وجوده ولا يطلب الإذن ليشرق ويكفيه أن يكون نورًا… والبقية إن شاءوا سيلحقون به.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد