جُروحٌ نَدِيّة…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليست الجراحُ كلُّها دمًا
بعضُها ماءٌ يتقاطر من القلب
يتسلل بين أهداب الروح
مثل قطرات الندى
في الصباح الباكر
وبعضُها ظلٌّ يطيل
الوقوف في الذاكرة
ظلٌّ يلوذ بالزوايا
المنسية من النفس
يلتف حول الصمت
كما يلتف الدخان
فوق النار الهادئة…

يلفت النظر إلى الأماكن
التي لم نجرؤ
على النظر إليها
إلى الكلام الذي لم يُقال
والعيون التي لم تُفتح
والأحلام التي أُغلقت
في صناديق الخوف…

جروحي نديّة
لم تجفّ لأن الريح
تمرّ بها كلَّ مساء
تداعبها خفيةً
بين ضلوع الصمت
وتهمس لها قصص
الليل والنجوم
عن أيام مضت
ولحظات ضاعت
وقلوب لم تُحب بعد…

ولأن الكلمات كلّما حاولتُ
تضميدها فتحتها أكثر
كأن كل كلمة وكل محاولة
هي إبرة تكشف
أكثر عمق الجرح
وتعيد إلى السطح الألم
الذي اعتقدتُ أني دفنته…

أحملها كزهرةٍ خجولة
تنبت في صدر الطريق
تتسلل بين الغبار والحجارة
لا يراها العابرون
لكنها تعرف أسماء
الذين تألموا مثلها
أسماء القلوب
التي رأت الألم بلا صخب
الوجوه التي عاشت
الجرح بصمت
الأنفاس التي حاولت
أن تخفي الحزن
لكن الحزن كان أصدق
من كل الأقنعة…

جروحٌ نديّة
لا تطلب الشفقة
لا تطلب العزاء
ولا تبحث
عن كلمات رقيقة
من عابرين يلمسون
السطح فقط
تطلب فقط أن تُفهم
أن يُقال لها :
نعم الألم يمكن
أن يكون حيًّا
ومع ذلك… جميلاً
جميلاً لأنه يعلّمنا
كيف نحب الحياة
رغم كل الألم
جميلاً لأنه يجعل القلوب
أكثر صدقًا
ويجعل الروح أكثر
قدرة على الاحتواء
ويجعلنا ندرك
أن الحزن
والفرح متشابكان
كالنهر الذي ينساب
بين الصخور
كالشمس التي تشرق
بعد عاصفة…

في صمت الليل
أسمعها تهمس
أسمعها تقول لي
إن الألم ليس ضعفًا
وإن كل دمعة تسقط
هي بذرة حياة
وكل جرح يُفتح
هو باب لفهم أعمق للذات
إنها تقول : تعلّم مني
ولا تخف من البكاء
تعلم كيف تتحمل الظل
قبل أن تلمس النور
كيف تشعر بالخوف
قبل أن تعرف الشجاعة
كيف تحزن
قبل أن تعرف السعادة…

جروحٌ نديّة
تتسلل بين صفحات
الحياة اليومية
بين كلمات الصباح والمساء
تختبئ في تفاصيل صغيرة
ابتسامة لا تأتي
نظرة لا تُقابل
لحظة حنين تتكرر بلا سبب
رائحة لم تعد
صوت لم يُسمع بعد
لكنها هناك حاضرة تتنفس
تحفر في القلب مثل المطر
الذي لا يعرف الخلود
ويترك أثره
أثره الجميل والأثير الصادق…

أحملها معي كما يحمل
الطائر جناحيه
كما يحمل البحر أسراره
كما تحمل الغيوم المطر
أحملها بين الضلوع
بين الأنفاس والكلمات
التي لم تُكتب بعد
أحملها وأعلم أنها جزء مني
أنها مرآة روحي
أنها شهادة على كل الحب
الذي لم يُفهم
على كل صديق رحل
وكل وداع لم يُقال
وكل حلم تأخر
وكل لحظة انتظار
وكل ألم جعل القلب
أعمق وأكثر رحابة…

جروحٌ نديّة
لا تريد أن تُمحى
ولا تريد أن تُنسى
هي هنا لتبقى
لتعلمنا كيف

 

يكون الصبر جميلًا
كيف يكون الحب أعمق
ويكون الألم معنى
وليس عقوبة
كيف يكون الحزن درسًا
والذكريات أصدقاء
والأمل مشعلاً لا ينطفئ
وإن غابت الشمس
وانطفأ الضوء
ستبقى الجروح نديّة
تنمو وتزهر وتُعلّم
تذكرنا دومًا أن الحياة
مهما أجهدتنا وكسرتنا
وابتعد عنا كل من أحببناه
هي حكاية مستمرة
من الألم والبهجة معًا
نكتبها نحن بأيدينا
ونقرأها بأعين القلب
ونحياها بصدق الروح…

د.رافد حميد فرج القاضي

 

 

5
أن

اترك رد