منبر العراق الحر :
أزمات الإنسان العميقة لا تنشأ غالبًا من ضعف الذكاء أو قلة الإمكانات، بل من اختلال الترتيب الداخلي. فالحياة لا تقوم على العشوائية، بل على سننٍ دقيقة؛ وإذا اختلّ مركزها اضطربت حركتها، ولو بدا ظاهرها مستقيمًا. ومن أخطر أشكال هذا الاختلال سوءُ ترتيب العلاقات الأساسية في حياتنا: علاقتنا بالله، ثم بأنفسنا، ثم بالآخرين. ذلك أن القلب لا يحتمل تعدّد المراكز، فإن لم يكن الله في الصدارة، احتلّ غيره المكان، وكانت النتيجة ضياع الاتجاه ولو حَسُنَت النيّات.
الله أولًا: مركز التوحيد والمعنى
جعلُ الله في الصدارة ليس ترتيبًا ذهنيًا، بل تحقيقٌ لمعنى التوحيد: أن يكون الله المرجع الأعلى، والحاكم على القيم والاختيارات، ومصدر المعنى والاستقرار. قال تعالى :
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
من الناحية النفسية، يشكّل هذا التمركز ما يُعرف ب(المركز القيمي الأعلى )، وهو ما يمنح الإنسان ثباتًا داخليًا، ويحرّره من الارتهان لتقلّبات البشر والظروف. فحين يكون الله هو المركز، لا يتحوّل الحب إلى عبودية، ولا الرغبة في القبول إلى تنازل عن القيم . وهذا التمركز هو أساس الاتزان النفسي قبل أن يكون التزامًا دينيًا .
النفس ثانيًا: رعاية واعية في إطار العبودية
النفس، في المنظور الإسلامي والنفسي، ليست مهملة ولا مطلقة، بل مُكرّمة ومطالَبة بالانضباط. قال النبي ﷺ:
( إن لنفسك عليك حقًا )
ورعايتها هنا ليست أنانية ولا تضخيمًا للأنا، بل وعيٌ بالحدود: حدود الطاقة، والاحتمال، والمسؤولية. فإهمالها لا يصنع تقوى، بل يراكم القهر، ويُنتج اضطرابات في العلاقات والسلوك . وفي علم النفس، يُعدّ الوعي بالذات واحترام الحدود النفسية شرطًا أساسيًا للصحة النفسية؛ لأنه يقلّل من التعلّق المرضي، ويعزّز القدرة على العطاء المتزن . النفس لا تُقدَّم على أمر الله، لكنها تُصان لتقوم بوظيفتها في العبودية والعمارة دون استنزاف أو تشوّه .
الآخر ثالثًا: علاقة اختيار لا تعويض
حين يأتي الآخر في موضعه الصحيح، يصبح حضوره إضافة لا ضرورة وجودية. فالعلاقة الصحية لا تُبنى على الفراغ، ولا على الهروب من وحدة داخلية، بل على المشاركة الواعية. قال تعالى :
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
ومن منظور نفسي، فإن العلاقات التي تقوم على التعويض غالبًا ما تنتهي بالسيطرة أو الانهيار، لأن وظيفتها منذ البداية خاطئة. أما حين تكون العلاقة اختيارًا لا حاجة قهرية، فإنها تزدهر دون ذوبان، ويُدار الخلاف فيها دون تهديد للذات.
حين يختلّ الترتيب
إذا قُدِّم الآخر على الله، تحوّل الحب إلى تعلّق، والخوف من الفقد إلى دافع للتنازل عن القيم. وإذا قُدِّمت النفس بلا مرجعية عليا، تضخّمت الأنا، وتحولت العلاقات إلى ساحات صراع خفي على الاعتراف والسيطرة. وفي الحالتين، لا يكون الخلل في المشاعر، بل في موقعها من المركز.
الحكمة في الاتزان
الإسلام، كما علم النفس السليم، لا يدعو إلى الانقطاع عن الناس، ولا إلى عبادة الذات، ولا إلى الذوبان في الآخرين، بل إلى وضع كل شيء في موضعه الصحيح. فحين يكون الله هو المركز، تستقيم البوصلة. وحين تُراعى النفس بوعي، يُحمى القلب. وحين يأتي الآخر في مكانه، تزدهر العلاقات دون وجعٍ زائد. فالتوازن ليس في كثرة العطاء، بل في صحة الاتجاه. ومن صحّ اتجاهه، بلغ مقصده، وإن تعثّر في الطريق .
اختبار الترتيب الداخلي
يمكن للإنسان أن يختبر ترتيب علاقاته بسؤال بسيط:
من الذي يختلّ توازني إذا خذلني؟ وأيُّ فقدٍ يُسقطني نفسيًا؟
فغالبًا ما يكشف الألم موضع الخلل أكثر مما تكشف النوايا، ويعرّي ما اتخذناه مركزًا دون وعي . فكل خللٍ في العلاقات هو، في حقيقته، خللٌ في المركز لا في الأشخاص؛ إذ متى استقام المركز، استقامت الدوائر من حوله، ومتى اختلّ، اضطربت العلاقات ولو حسنت المقاصد .
قاعدة ذهبية
من جعل الله مركزه، تحرّر من الحاجة إلى بدائل . ومن احترم نفسه، لم يسمح لأحد أن يختصر قيمته.
ومن أحسن ترتيب علاقاته، عاش حرًّا من الداخل، متزنًا في الخارج .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر