تأملات في الغابة البشرية! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
عالم البحر لا يكشف عن الغموض فحسب، بل يختزل حقيقة استمرار الحياة في معادلة واحدة: السمك الكبير يبتلع السمك الصغير. ولا تكترث الأحياء البحرية بوجود اللؤلؤ وغيره من الكنوز والأسرار، فيما لا تزال مساحات شاسعة من أعماقه مجهولة.
وخلاصة مشابهة تقدمها الغابة وسياقات الحياة فيها، فالحيوانات المتوحشة تفترس الضعيفة وتعيش على لحومها. وذات المنطق يسري على عالم الطيور، فالصقور تعيش على الحمائم والعصافير.
المحطة الأهم في الرحلة من عالم التوحش والعصور الحجرية إلى بلوغ مرحلة الحياة البشرية–المدينية، أن جوهر معنى الوجود لم يتغير: البقاء للأقوى، أو ما سماه الفيلسوف الألماني نيتشه بـ«إرادة القوة».
رحلة الحياة وتعاقب التاريخ ومحركات تطوره، وفق الجدلية التاريخية التي شرحها كارل ماركس في مراحل تطور التاريخ الإنساني وفكرة صراع الطبقات، إلى جانب منظومات هائلة من الفلسفات التي فسّرت الوجود وعلّلت معناه، بدءاً من أرسطو، الفيلسوف أو «المعلم الأول»، وصولاً إلى أعظم العقول الفلسفية هيغل، مؤسس الفكر الجدلي في مسار التاريخ عبر الفكرة ونقيضها.
فيض هائل من الفكر التأملي، والفلسفات، والأديان، والأفكار، والفنون، والآداب، غاص عميقاً في تفسير الوجود الإنساني، وسعى إلى إحلال ثقافات جديدة راقية أو سامية، مغايرة لعالم الغابة أو البحر. لكنه لم ينجح في ذلك إلا ضمن حدود ضيقة جداً، رغم أن الإنسان قطع عشرات آلاف السنين في رحلته على الأرض.
ما زال المبدأ يتكرر بصيغ مختلفة، وبأساليب حديثة ومبتكرات مدهشة، لكنه في عمقه يستند إلى إرادة القوة؛ فالأذكياء يسبقون غيرهم للسيطرة عليهم، والدول القوية تسحق الدول الضعيفة والمسالمة، الحروب في كل مكان والتهديد بالاحتلال يعيد وظيفة القوي يأكل الضعيف بالأسلحة الليزرية والسيبرانية والقاصفات العملاقة وحاملات الطائرات، قوانين القوة فوق قوانين العدالة وسلطة الحق، ومالك البندقية أقوى من الناطق بكلمة الحق. لا الدين يحدّ من ذلك، ولا الرواية أو الشعر أو لوحة الرسام، ولا حتى الموسيقى!
إن سيطرة إرادة القوة تؤكد استعداد الإنسان للعودة إلى الغابة، إن لم يكن يعيش فعلاً في عالم أكثر وحشية منها، فيما تحولت كثير من الغابات إلى متنزهات للفرجة على الحيوانات المتوحشة، وتلك هي المفارقة التوحش البشري يتفرج على الحيوانات المتوحشة!

اترك رد