الولايات المتحدة وخيار الفوضى: خطة استباقية لعرقلة النظام الدولي المتعدد الأقطاب…عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لم تكن سياسة ترامب وليدة لحظة عابرة، ولا نتاج اندفاع شخصي أو نزق سياسي، بل جاءت تعبيرًا صريحًا عن تحوّل عميق داخل التفكير الاستراتيجي الأمريكي. فقد أدركت الولايات المتحدة أن النظام الدولي القائم على القطب الواحد يقترب من نهاياته التاريخية، وأن موازين القوة العالمية بدأت تميل خارج السيطرة الغربية التقليدية. وبدل التكيّف مع هذا التحوّل الطبيعي في بنية النظام العالمي، اختارت واشنطن مواجهته عبر خطة استباقية هدفها تعطيل تشكّل نظام دولي متعدّد الأقطاب، لا من خلال الإصلاح أو الشراكة، بل عبر الضغط، وإشاعة عدم الاستقرار، وكسر القواعد التي لم تعد تخدم هيمنتها.
ظهر التطبيق العملي لهذه الخطة مبكرًا في فنزويلا، حيث شكّل استهداف القيادة السياسية هناك نقطة البداية لتحويل الخلاف السياسي إلى تجريم دولي، واستخدام العقوبات والعزل ونزع الشرعية كأدوات لإغراق الدولة في أزمة ممتدّة تُفقدها القدرة على أداء أي دور مستقل في التوازنات الإقليمية والدولية. لم تكن القضية قانونية بقدر ما كانت سياسية بامتياز، ورسالة واضحة لكل من يفكّر بالخروج عن دائرة النفوذ الأمريكي.
ثم اتّسع هذا المسار ليطال بنية النظام الدولي نفسها. فبدل الاكتفاء بتعطيل وظائف المؤسسات الدولية، جرى التشكيك بشرعيتها، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، لا باعتباره مؤسسة بحاجة إلى إصلاح، بل بوصفه عائقًا أمام الفعل الأحادي. وهكذا برز توجّه عملي لتجاوزه أو تفريغه من مضمونه عبر أطر وتحالفات موازية تُدار خارج الأمم المتحدة، تُفرض فيها القرارات بمنطق القوّة لا التوافق، بما يحوّل القانون الدولي من مرجعية ضابطة إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمَل حين تعيقها.
وبالتوازي، برز ملف إيران بوصفه عقدة استراتيجية في هذه الخطة. فالهدف لم يكن محصورًا في البرنامج النووي أو السلوك الإقليمي، بل أعمق من ذلك بكثير: إمّا تغيير النظام، أو على الأقل تحييده ومنعه من التحوّل إلى ركيزة فاعلة في نظام دولي جديد. لذلك استُخدمت أقصى أدوات الضغط من عقوبات خانقة، وعزل مالي، وحرب نفسية، وتهديد دائم بالتصعيد، في محاولة لكسر قدرة الدولة على المناورة الدولية وإخراجها من معادلة التوازنات القادمة.
غير أن اللافت في هذه المرحلة لم يكن فقط تصاعد المواجهة مع الخصوم، بل تصدّع الجبهة الغربية نفسها. فقد بدأت أوروبا وكندا، الحلفاء التقليديون لواشنطن، يُظهرون مللًا وتبرّمًا متزايدين من سياسات حوّلتهم عمليًا إلى توابع ومنفّذين للأجندة الأمريكية، ودفعوا ثمنها اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا. ومع تصاعد تذمّر الشعوب، وجدت حكومات هذه الدول نفسها أمام ضغط داخلي متزايد يطالب بإعادة النظر في منطق التبعية، وهو ما انعكس بوضوح في خطاب جاستن ترودو الذي عبّر عن الضيق من السياسة الأمريكية وكلفة الارتهان لها، في مؤشر على أن أزمة الهيمنة الأمريكية لم تعد خارجية فقط، بل تحوّلت إلى أزمة ثقة داخل معسكر الحلفاء أنفسهم.
وأمام هذا التآكل في صفّ الحلفاء التقليديين، لم تكتفِ الولايات المتحدة بإعادة التموضع داخل فضائها الجغرافي المباشر، أي القارة الأمريكية، بل انتقلت إلى سياسة أكثر فجاجة تقوم على إسقاط الأنظمة غير المطيعة وتنصيب أنظمة بديلة تُصاغ في واشنطن وتُدار من هناك. لم يعد المطلوب شركاء أو حلفاء، بل أنظمة وظيفية فاقدة للسيادة الفعلية، مهمتها تنفيذ السياسة الأمريكية وضمان بقاء القارة مجال نفوذ مغلقًا لا يسمح بأي اختراق دولي منافس. انقلابات ناعمة، ضغوط اقتصادية خانقة، تحريض داخلي، تشويه إعلامي، ثم تدخل سياسي مباشر يفضي إلى إسقاط الحكومات غير المرغوب فيها واستبدالها بأنظمة أكثر طواعية تُدار بعقود الولاء لا بشرعية الشعوب. في هذا التصوّر، لا تُعامَل دول القارة الأمريكية كدول ذات سيادة، بل كحديقة خلفية تُدار بالقسر والعقوبات وفرض الحكّام الموالين، لتكون نواة النظام الدولي الذي تريد واشنطن بناءه.
ولا يكتمل فهم هذه الخطة الاستباقية من دون التوقّف عند الشرق الأوسط، الذي جرى عمليًا تفويض إدارته لإسرائيل بوصفها الأداة الإقليمية الأكثر طواعية لتنفيذ الأجندة الأمريكية. فبدل الانخراط المباشر أو تحمّل كلفة الإدارة والسيطرة، أوكلت واشنطن مهمة ضبط الإقليم وإعادة تشكيله إلى إسرائيل، عبر دعم عسكري وسياسي غير مشروط، ومنحها هامش حركة يتجاوز القرارات والقوانين الدولية. لم يكن هذا التفويض دفاعيًا، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى السيطرة على موارد الشرق الأوسط وثرواته، والتحكّم بمسارات الطاقة، وإعادة هندسة أنظمته السياسية بما يضمن بقاءها ضعيفة، منقسمة، وقابلة للابتزاز.
في هذا الدور، لا تعمل إسرائيل كدولة طبيعية داخل الإقليم، بل كوكيل وظيفي لإدارة الفوضى وإدامة الصراعات ومنع أي توازن إقليمي مستقل. ومن خلال الحروب المتكررة، والتوسّع الأمني، والتدخل غير المباشر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، جرى تفكيك الدول المركزية، وإضعاف الجيوش الوطنية، وتفريغ السيادة من مضمونها، تمهيدًا لإخضاع الأنظمة أو استبدالها بأنظمة أكثر طواعية. وهكذا تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة اختبار دائمة: صراعات لا تنتهي، أنظمة هشّة، وثروات تُدار خارج إرادة شعوبها.
وهكذا، لم تعد الولايات المتحدة تواجه صعود خصوم دوليين فحسب، بل تواجه أيضًا اهتزاز موقعها القيادي داخل المنظومة التي أنشأتها. وحين تفشل الشراكة، ويتآكل القبول، ويضعف النفوذ، يصبح خيار الفوضى هو البديل الأخير لإدارة عالم يرفض الاعتراف بمركز واحد. إن ما نشهده اليوم ليس صراعًا عابرًا على النفوذ، بل صراع على شكل العالم القادم: إمّا نظام دولي متوازن يقوم على التعدّد والشراكة، وإمّا عالم تُدار أزماته بالفوضى لأن قوة واحدة رفضت الاعتراف بأن زمن التفرد قد شارف على نهايته.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد